04-يوليو-2022
قيس سعيّد

"يريد سعيّد أن تمرّ أول سنة وهو ماسك بالسلطة منفردًا وقد أجهز ولو مرحليًا على خصومه" (Thierry Monasse/Getty)

مقال رأي

 

لم تبح الساحة السياسية التونسية بكافة أسرارها بل إن غموضها كائن يتمدد في كل مرحلة ومع كل تغيير في موازين القوى، ودائمًا ما كان القوي هو من يفرض على خصومه مكان الصراع وأدواته وربما حتى نتائجه، ولعل الرئيس التونسي قيس سعيّد وهو الذي يرى نفسه فوق الأحزاب والشخصيات السياسية المعارضة له أو القريبة منه، ظهر بالممارسة أنه فاعل سياسي كلاسيكي أو لنقل بالأحرى أنه شخصية سياسية سليلة التكوين العربي الرسمي المحب للسلطة والمسكون بخيالات المؤامرة والمدرك أن أسلحة الاستدامة في السلطة هو إحاطة كرسي السلطة بقدر من القوة الصلبة وبما تمسكه من ملفات على معارضيك.

يريد سعيّد أن تمرّ أول سنة وهو ماسك بالسلطة منفردًا وقد أجهز ولو مرحليًا على خصومه ذلك أن الضربة السياسية لأي طرف سياسي لن يكون من اليسير التخلص من تداعياتها في المنظور القريب

ويريد سعيّد أن تمرّ أول سنة وهو ماسك بالسلطة منفردًا إلا وقد أجهز ولو مرحليًا على خصومه ذلك أن الضربة السياسية لأي طرف سياسي لن يكون من اليسير التخلص من تداعياتها في المنظور القريب، باعتبار أن قفز سعيّد للتفرد بالحكم حجم بشكل لافت دور القوى السياسية التي ظلت تتحرك في مربعات الاحتجاج الذي بدا يتراجع شيئًا فشيئًا بفعل التشتت الحزبي وبفعل القصف الإعلامي تجاه شخصيات سياسية يصفونها بالمفلسة سياسيًا، مثل أحمد نجيب الشابي وحمة الهمامي.

محاولة قتل المعنى في الساحة السياسية كان سلاح قيس سعيّد الأول من خلال الخطابات الأولى التي قصف بها عقول الجماهير منذ قرابة السنة وذلك في حديثه المتكرر عن فساد الطبقة السياسية وخيانتها ومحاولة تصوير حتى من كانوا قريبين منه، وبعد ذلك غيروا رأيهم، بالمتملقين الذين يريدون نيل المناصب، هذا القصف المعنوي أصاب في مقتل صورة السياسة في ذهن الكثير من التونسيين الذين يحاولون استبدال واقعهم الاجتماعي والاقتصادي المر بانتصارات ظرفية للرئيس الذي في نظرهم قد خلصهم من أسباب فقرهم في انتظار الرفاه الموعود.

إن قتل المعنى ومعه محاولة قتل الحياة السياسية وهي الوسيلة المحبذة لكل الأنظمة الشمولية الكلاسيكية عانت منه تونس عندما استعمل نظام الرئيس السباق زين العابدين بن علي وسيلة العصا والجزرة مع معارضيه فقضى على جزء منهم باستعمال وسائل القمع المختلفة واستمال عددًا منهم إما من خلال السماح لهم بالنشاط السياسي وفق اتفاقات مسبقة مثل المعارضة الكرتونية أو استعمال عدد منهم في مهام التواصل مع المعارضة الحقيقية في فترات الأزمات التي كان يمر بها النظام.

محاولة قتل المعنى في الساحة السياسية كان سلاح قيس سعيّد الأول من خلال الخطابات الأولى التي قصف بها عقول الجماهير منذ قرابة السنة وذلك في حديثه المتكرر عن فساد الطبقة السياسية وخيانتها

وفي فترة عقدين من الزمن انتهت الحياة السياسية إلى لا شيء وانتهى المجتمع التونسي إلى مجتمع فاقد للحس النقدي المعارض مرفوقًا بدعاية إعلامية لنجاحات النظام، تونس مرت مثل غيرها من البلدان العربية بمحاولات الانظمة الرسمية العربية السيطرة على الفضاء السياسي والتدخل لفرض تصور مسقط للعمل السياسي والحزبي والغريب أن هذه الانظمة استعادت المبادرة من جديد رغم موجات التحرر التي عرفها جزء من العالم العربي وعلى رأسها تونس في مرحلة ما يعرف بالربيع العربي.

ولكن طرح هذا التصور في فترة الجيل الخامس من التحول الرقمي لا يجد مكان له مثلما يصفه البعض، فكيف يمكن أن تلجأ أي سلطة في هذا العصر إلى إغلاق الحياة السياسية أو احتكارها والحال أن قرابة ثلث الشعب التونسي يستعمل وسائل التواصل الاجتماعي وهي فضاءات لحرية التعبير وحتى بداية التنظم السياسي، وهنا يمكن الإجابة بالقول إن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت بالمفهوم السياسي فضاء حقيقيًا لـ"القتل الرمزي" لكل ما له علاقة بالعمل الحزبي والسياسي، ولا شك أن هذه الفضاءات التي باغتت الأنظمة العميقة في الدولة الرسمية العربية زمن الثورات، أصبحت سلاحًا تستعمله هذه الأنظمة إما لتشوية منافس سياسي أو للدعاية لمشروع سياسي ما.

إن جزءًا من قتل المعنى والمضمون في العمل السياسي في تونس كان بمحاولة استعمال ما يمكن تسميته بـ"المخابرات الإلكترونية" يصفها البعض بمليشيات فيسبوك والتي استعملتها حركة النهضة وتستعملها أيضًا أحزاب قوية معارضة لها مثلما كان الحال مع حركة نداء تونس الميتة او الحزب الدستوري الحر، ولم يكن الرئيس الحالي الذي يترأس النظام منذ عام تقريبًا بمعزل عن استغلال هذا السلاح لتشويه خصومه ومن ثمة القضاء على رمزيتهم وحضورهم حتى ينفض من حولهم كل متعاطف أو يفكر ألف مرة ومرة  قبل مناصرة شخصية سياسية والحال أنه يرمي في كل مرة برواية عن فساد تلك الشخصية وهي التهمة الجاهزة والناجزة حاليًا.

إن جزءًا من قتل المعنى والمضمون في العمل السياسي في تونس كان بمحاولة استعمال ما يمكن تسميته بـ"المخابرات الإلكترونية" يصفها البعض بـ"مليشيات فيسبوك" ولا شك أن تونس المقبلة على محطة الاستفتاء ستعيش تصاعدًا للحرب الإلكترونية

إن خطر المواصلة في اغتيال المعنى في السياسة أدى بالولايات المتحدة إلى نذر حرب أهلية وصلت إلى اقتحام مبنى الكبتول بعد الانتخابات الرئاسية حيث كان دونالد ترامب يستعمل منصة تويتر للتعبئة الشعبوية وخرج إلى الشارع شعب أمريكي بصورة مخالفة، شعب مسكون بالعنف لا يمكن النقاش معه، ولحد الآن مازالت الدراسات جارية للبحث فيما حدث وأي خطر يمكن أن يشكله الخطاب الشعبوي وخاصة عبر مواقع التواصل الاجتماعي في إخراج الجانب الحيواني في البشر.

ولا شك أن تونس المقبلة على محطة الاستفتاء على الدستور الجديد للرئيس قيس سعيّد ستعيش تصاعدًا للحرب الإلكترونية التي لم تخفت منذ سنوات، وهي في الحقيقة ليست إلا تعبيرًا عن غياب الحوار الحضاري داخل المشهد السياسي نتيجة قتل المعاني والرمزيات والقواعد السليمة للتداول في الشأن العام، والأخطر من هذا تغذية الانقسامات الحادة داخل المجتمع وإنتاج كائنات سياسية جديدة تتحدث إلى الناس عبر وسائل التواصل لتعبئتهم ضد حزب أو شخصية سياسية و الأخطر من كل هذا أنهم يتواصلون مع جمهور عريض افتراضيًا يزودونهم بمعلومات يقولون إنها حصرية، لكنها في حقيقة الأمر وثائق رسمية تحمل معطيات شخصية لمواطنين آخرين وهي أدلة على إمكانية اختراق هذه المجموعات الفيسبوكية واستعمالها في اغتيال الحياة السياسية في تونس.

وقد أتى مشروع الدستور التونسي الجديد الذي سيذهب التونسيون في 25 جويلية/يوليو 2022 للاستفتاء حوله، ليؤكد نية سعيّد منذ إعلان الإجراءات الاستثنائية بإحداث تغيير جذري على قواعد التنافس السياسي من خلال القضاء نهائيًا على الأحزاب التقليدية ومحاولة تحجيم دورها في النظام السياسي القادم واختزاله في وظيفة تشريعية مقزمة أمام دور الرئيس بالإضافة إلى إحداث غرفة ثانية ستكون لها أفضلية من حيث الوزن السياسي وحتى الرمزي مقارنة بمجلس نواب الشعب، وفي ذلك تلخيص لمسار الرئيس الذي وضع لبناته الأولى منذ إعلان الأمر عدد 117 الذي نظم الحياة السياسية وصولًا إلى محطة التحضير للدكتاتور الجديد واستعمل فيه طريقة القتل الرحيم للمشهد السياسي السائد منذ سنة 2011، مستعملًا سلاح الخطاب الموجه لتعبئة أنصاره ومحاولة اختصار المبادرة السياسية في شخصه وهو ما نجح فيه إلى حد الآن ويمكن أن يترجم إلى حقيقة مرحلية بعد مرور الدستور الجديد في الاستفتاء القادم.

لم يبقَ للمعارضة سوى بعض الحلول القليلة فإما إسقاط مشروع قيس سعيّد بالصندوق أو التحضير من الآن إلى بدائل سياسية لمعارضة لديها طول النفس

ولكن ما الذي بقي للمعارضة التونسية لهذا المسار، هل سينتهي دورها وهي في مكان الفرجة على ماكينة سعيّد وهي تفرم الحياة السياسية؟ وهل يمكن لها فرض تغيير على الواقع في المرحلة الحالية؟

الأمر يبدو صعبًا إن لم يكن مستحيلًا في المرحلة الحالية ذلك أن هذه القوى ظلت تلعب منذ سنة تقريبًا أدوارًا ثانوية هامشية ليس لديها أسلحة تغيير الواقع التي يمكن أن تتوفر لدى أي فاعل سياسي، فالرئيس هو المتحكم في أجهزة الدولة والشعب مشغول بواقعه الاجتماعي ومنهك من الصراعات السياسية وضع بيضه كله في سلة سعيّد، ولم يبقَ للمعارضة سوى حلولًا قليلة فإما إسقاط مشروع قيس سعيّد بالصندوق أو التحضير من الآن إلى بدائل سياسية لمعارضة لديها طول النفس لتولي السلطة حال فشل سعيّد في توفير حلول حقيقية للشعب، وهي طريق طويلة لن تكون مفروشة بالورود في ظل عجزها إلى حد الآن عن تغيير العناوين والممارسة القديمة.

 

  •   المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"