09-يونيو-2022
 حمة الهمامي

الهمامي: نعارض مشروع 25 جويلية ونناضل من أجل مشروع ديمقراطي اجتماعي حقيقي (منتصر القاسمي/ الترا تونس)

 

يصفه البعض بأحد أبرز وجوه اليسار التونسي والعربي، هو أمين عام حزب العمال التونسي والسياسي المخضرم حمة الهمامي، تمسك بالمعارضة والنضال ضد الرئيس الراحل زين العابدين بن علي ثم بعد ثورة 2011 ويواصل المسيرة اليوم معارضًا للرئيس الحالي قيس سعيّد وخاصة لسياساته إبان 25 جويلية/يوليو الماضي.

حاور "الترا تونس" حمة الهمامي، الذي أطلق مؤخرًا الحملة الوطنية لإسقاط الاستفتاء في تونس ضمن ائتلاف 5 أحزاب، وإليكم الحوار كاملًا:


  • نحن في ثالث أيام إضراب القضاة في تونس، ما رأيكم في هذه المواجهة بينهم وبين الرئيس قيس سعيّد خاصة إبان قراره عزل 57 قاضيًا؟

 بعد حل قيس سعيّد للمجلس الأعلى للقضاء وتعيين آخر يتبعه، يقدم على خطوة عزل 57 قاضياً، نحن نعتبر أن الغاية من كل هذه العملية هي وضع يده على القضاء في تونس. أسلوب سعيّد صار معروفًا لدى التونسيين، كلما أراد أن يبلغ هدفًا، يقوم بحملة تشهير وتأليب ضده من خلال توجيه الاتهامات لخلق نوع من الرأي العام الداعم له الذي يخول له ارتكاب جرائم على حساب هذا القطاع أو ذاك.

حمة الهمامي: أسلوب سعيّد صار معروفًا فكلما أراد أن يبلغ هدفًا، يقوم بحملة تشهير وتأليب ضده من خلال توجيه الاتهامات لخلق نوع من الرأي العام الداعم له

لا أحد ينكر وجود فساد في القضاء، كما في كل مؤسسات الدولة بما فيها رئاسة الجمهورية، الظلم موجود في القضاء، كما يوجد طب للفقراء وطب للأغنياء هناك قضاء للفقراء وقضاء للأغنياء، لكن هذا لا يبرر أسلوب قيس سعيّد في التعامل مع السلطة القضائية، هو يستغل أوضاعًا معينة لتحقيق مآرب أخرى.

سعيّد يريد وضع يده على القضاء، بلغة أخرى "قيس سعيّد يريد أن تكون مفاتيح السجن في يده"، والدليل على ذلك تركيزه على النيابة العمومية وحكام التحقيق، أي من بيدهم إدخال الناس السجن، 45 قاضيًا تم إعفاؤهم دون توجيه أي تهم لهم، فقط هم لم يرضخوا لتعليمات سعيّد ووزيرة العدل.

حمة الهمامي: "سعيّد يريد أن تكون مفاتيح السجن في يده ولذلك ركز على النيابة العمومية وحكام التحقيق"

سيتمكن القضاة من فرض إرادتهم على سعيّد، لأنه لا يواجه القضاة فحسب، هو يواجه منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية والفعاليات النسائية وفي الشعب التونسي والإعلام، إذا هو في مواجهة مع أغلبية المجتمع. سعيّد مآله الفشل مثله مثل كل الطغاة حتى وإن نجح مؤقتاً.

 

 

  • كيف تصفون تعامل السلطات في تونس مع الأحزاب والمنظمات وتحركاتهم الاحتجاجية خلال هذه الفترة؟

بخلاف الحكم السياسي، عندما يقوم حاكم بتنصيب هيئة مستقلة منطقيًا يعني أن نيته واضحة في التدليس. حتى من ناحية القوانين والأعراف الدولية يمنع تغيير قانون الانتخابات وهيئة الانتخابات في السنة الانتخابية، ولهذا السبب اتخذ سعيّد موقفًا من لجنة البندقية وتقريرها لأنها صرحت بذلك.

حمة الهمامي: يمنع تغيير قانون الانتخابات وهيئة الانتخابات في السنة الانتخابية ولهذا السبب اتخذ سعيّد موقفًا من لجنة البندقية لأنها صرحت بذلك

يوم السبت الماضي، على الرغم من أننا تقدمنا بإعلام لتنفيذ وقفتنا الاحتجاجية أمام مقر هيئة الانتخابات المنصبة، وهي ليست عليا ولا مستقلة، وتحصّلنا على ترخيص، أغلقوا الممرات أمامنا ومنعونا وتم الاعتداء علينا بالسب والركل والضرب والشتم، استعملوا معنا الغاز المشل للأعصاب في وجوهنا وأعيننا، وأمين عام الحزب الجمهوري عصام الشابي كاد أن يختنق.

لا استغرب هذا، لأن هذا هو الوجه البشع لقيس سعيّد ولمنظومته، ماذا ننتظر من شخص افتك السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية والتأسيسية ويريد أن يصبح قاضي القضاة والحاكم بأمره! هل يؤكد هذا توجه وزارة الداخلية لاستعمال العنف وعودة الآلة القمعية؟ منذ متى توقفت وزارة الداخلية عن استعمال العنف، بعد الثورة، إبان حكم النهضة، في عهد قيس سعيّد؟

لكن ما نلاحظه هو التطور بخطى سريعة نحو دولة البوليس، وهذا ما تؤكده الاعتداءات الكبيرة على فئات مختلفة سواء المحتجين أو على الصحفيين وغيرهم. بماذا سيحكم سعيّد؟ ليس له شعب ينزل لمساندته يوميًا بمئات الآلاف في الشوارع، سعيّد يحكم وسيحكم بمؤسستين هما الأمن والجيش.

حمة الهمامي: بماذا سيحكم سعيّد؟ ليس له شعب ينزل لمساندته يوميًا بمئات الآلاف في الشوارع، هو يحكم وسيحكم بمؤسستين هما الأمن والجيش

  • ما هي الخطوات القادمة للحملة الوطنية لإسقاط الاستفتاء؟

السبت القادم سنكون في صفاقس، وسنتوجه لعديد المناطق في شكل قافلات للتوعية لشرح موقفنا والدعوة لإسقاط الاستفتاء لما فيه من خطورة على مستقبل التونسيين. سعيّد يتحدث في السياسة وحكومته مهتمة بالجانب الاقتصادي، ومنبطحة تمام الانبطاح لإملاءات صندوق النقد الدولي، لذا سنتوجه نحن للتونسيين لتوعيتهم بمدى خطورة هذه البرامج.

نعلم جيدًا أن التونسيين عانوا من العشرية الفارطة، نحن أيضًا عانينا، لكن هذا لا يبرر تعويض الديمقراطية التمثيلية "الفاشلة أو الفاسدة" بنظام مستبد. نحن نعارض مشروع 25 جويلية ونناضل من أجل مشروع ديمقراطي اجتماعي حقيقي.

حمة الهمامي: سنتوجه لعديد المناطق في شكل قافلات للتوعية لشرح موقفنا والدعوة لإسقاط الاستفتاء لما فيه من خطورة على مستقبل التونسيين

 

 

  • تتحدثون عن مشروع وبديل للمنظومة الحالية، ما هي معالمه؟

أستطيع تلخيصه في فكرة السيادة على الدولة والثروات، تأميم الثروات، إلغاء الاتفاقيات المضرة بتونس على غرار اتفاقيات الشراكة الضارة بتونس، إلغاء المديونية الكريهة أو تعليق المديونية لتطوير القطاعات المنتجة وتشغيل المواطنين، إصلاح المنظومة الجبائية، إصلاح زراعي عميق، تونس تمتلك مليون هكتار بور، نحن في حاجة لمشروع وطني صناعي حقيقي لتونس، الاتفاقية مع الاتحاد الأوروبي دمرت ثلث المؤسسات الصناعية الصغرى والمتوسطة، إصلاح المنظومتين الصحية والتعليمية بغاية تقديم خدمات جيدة وراقية للمواطن.. الخ.

  • هل يقنع هذا المشروع الشعب التونسي؟

الواقع اليوم لا يقنع، ارتفاع جنوني في الأسعار، ارتفاع في نسب البطالة، ارتفاع نسب الفقر والجوع والعطش الذي سنتعرض له خلال هذه الصائفة، كل الفئات والقطاعات تعاني. حكومة قيس سعيّد مثل باقي الحكومات تريد إقناعنا بأن الحل يكمن في التوجه لصندوق النقد الدولي لمزيد تفقير التونسيين لإنقاذ الاقتصاد، هل نحن في حاجة لسياسة تقشف الآن، هل يعقل أن يقابل الارتفاع الجنوني في الأسعار برفع الدعم، وهل يعقل إيقاف الانتدابات وتجميد الأجور. نحن واثقون من أن كل هذا سيؤدي إلى انفجارات اجتماعية كبرى وبالتالي دورنا كقوى سياسية إقناع الشعب التونسي بطريق الخلاص.

 


 

  • دعوتم لمقاطعة الاستفتاء عوض التصويت بـ "لا"، ألا يكون الإسقاط الحقيقي عبر الصندوق؟

وهل سيكون ثمة صندوق؟ ..هي كذبة، أ لم يجمع في الاستشارة الإلكترونية 500 ألف وادعى أنها ناجحة، هل سعيّد الذي غيّر هيئة الانتخابات من خلال وضع موالين له وقام بتغيير الولاة والمعتمدين، ومتكتم لحد الآن على القانون الانتخابي، هل سيسمح في تقديركم بإسقاط الاستفتاء، من الطبيعي أن يتم تدليس الاستفتاء ولهذا دعونا للمقاطعة.

التصويت بـ"لا" يكون عند وجود ضمانات بإيصال صوتك، أضحكني أحد كبار مستشاري بن علي هذا الزمن عندما قال في أحد الحوارات إن نتيجة الاستفتاءات في الديمقراطيات دائمًا ما تكون إيجابية. لا ضمانة اليوم في نزاهة الانتخابات وأفعال سعيّد أفعال دكتاتور مستبد ولهذا دعونا للمقاطعة.

حمة الهمامي: التصويت بـ"لا" يكون عند وجود ضمانات بإيصال صوتك، لا ضمانة اليوم في نزاهة الانتخابات وأفعال سعيّد أفعال دكتاتور مستبد ولهذا دعونا للمقاطعة

  • هل تعد تحركات المعارضة من حملات ووقفات احتجاجية وندوات وغيرها "كافية"، في وقت يوظف فيه سعيّد كل أجهزة الدولة؟

 
يمتلك سعيّد أجهزة الدولة في يده مؤقتاً، كل الطغاة امتلكوا القوة، ونقطة قوتنا في جدية وسلامة شعاراتنا، نحن ندافع عن حرية التونسيين وعلى الديمقراطية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وعلى السيادة الوطنية، بالمناسبة أتحدى سعيّد أن يعيد مرة أخرى مقولة "التطبيع خيانة عظمى".

نحن ننطلق من صدقية المطالب التي نرفعها، نعم نحن في حاجة للكثير من العمل، ومن المتوقع أن يفشل الاستفتاء ويصفه سعيّد بالناجح كما حدث تمامًا مع الاستشارة ولكنها ستكون خطوة نحو سقوطه لأن سعيّد لا يفكر في خطواته ولا في عواقبها ولا يمتلك أدوات سياسية.

حمة الهمامي: من المتوقع أن يفشل الاستفتاء ويصفه سعيّد بالناجح كما حدث تمامًا مع الاستشارة ولكنها ستكون خطوة نحو سقوطه

  • تحدثتم عن قوى أخرى من الممكن أن تلتحق بالحملة الوطنية لإسقاط الإستفتاء من هي؟ أ لا ترى انقسام المعارضة في جبهات متعددة يصب في صالح الرئيس؟

الإيجابي أن القوى المدنية والفعاليات النسائية والشبابية الكبرى والاتحاد العام التونسي للشغل لم يقبلوا المشاركة في حوار سعيّد، الأغلبية لم تنخرط في مشروعه، مما يعني أنه ثمة إمكانية لخلق قطب معارض.

باقي المعارضات كل منها يعارض من موقعه، لا يمكن أن نلتقي مع الدستوري الحر مثلاً، أيضاً لا يمكن أن نغفل عن مسؤولية حركة النهضة خلال العشرية الفارطة، وبالتالي اخترنا طريقاً مستقلاً يستهدف هذا الدكتاتور، كل طرف بصدد المعارضة من موقعه نمد له أيدينا للالتقاء في هذا الخط.

ولنكن واضحين ما سيطيح بسعيّد هو عموم الشعب، كل العمل يجب أن يستهدف الطبقات الكادحة والفقيرة لأنها هي من أطاحت ببن علي، الأحزاب السياسية والقوى المدنية تلعب أدوارًا توعوية لكن الكلمة الفصل بيد الشارع.

حمة الهمامي: الأحزاب السياسية والقوى المدنية تلعب أدوارًا توعوية لكن الكلمة الفصل بيد الشارع

  • تحدثتم أيضاً عن تهديدات محتملة في قادم الأيام، وحذرتم من إمكانية الذهاب نحو الاحتراب الأهلي، هل تونس مرشحة لأن تشهد ذلك فعلاً؟

الاطمئنان في السياسة خطأ، خاصة إذا ما كانت الوقائع لا تطمئن، الطريق الذي يسلكه سعيّد طريق جنونيد، هو بصدد تدمير كافة المؤسسات ولن يتراجع، كما أنه فتح أبواب التدخل الخارجي في تونس، هذا من ناحية سياسية. من ناحية اقتصادية اجتماعية البلد على أبواب الإفلاس، والشعوب إذا ما جاعت يأكل بعضها بعضًا، هناك أيضاً قوى أجنبية متربصة بتونس.

إذا لم يختر الشعب التونسي الطريق السليم للخروج من هذه الأزمة ويلتف حول مشروع وطني كبير، كل الاحتمالات تبقى واردة. التهديدات موجودة من داخل تونس وخارجها، المخابرات الأجنبية تجوب البلاد، أيضًا الجوع والعطش من المخاطر الكبرى التي تهدد البلاد.

حمة الهمامي: التهديدات موجودة من داخل تونس وخارجها، المخابرات الأجنبية تجوب البلاد، أيضًا الجوع والعطش من المخاطر الكبرى التي تهدد البلاد

  • تصاعدت التهديدات مؤخرًا من قبل داعمين للرئيس وحتى من قبله تلميحًا ضد الاتحاد العام التونسي للشغل، هل من الممكن أن يذهب سعيّد في خيار واضح ضد الاتحاد؟

سعيّد بصدد المحاولة، سيقوم بإسكات كل من سيعارضه، فمن كان يتوقع أن يفعل في القضاة ما فعل الآن؟ أحد القضاة المعزولين أراد تعيينه وزيرًا وتمت إقالته فيما بعد على خلفية رفضه تلقي التعليمات. من كان ليتخيل أن يتحدث رئيس دولة عن قاضية على أساس أنها "زانية"، آلمتني الحادثة، هذه الأساليب تعبر عن انحطاط الدولة، الانحطاط الأخلاقي للدولة في قمّته.

إذًا هذا الشخص بإمكانه القيام بأي شيء ولنا في ما جرى في اتحاد الفلاحة خير مثال، الأحزاب لن تكون بمعزل عن الاستهداف بدورها، لأن سعيّد لا يؤمن بحرية التنظم، وسيأتي الدور على الإعلام كذلك، كل الدكتاتوريات تترك استهداف الإعلام لآخر مرحلة، وقد انطلق استهداف الإعلام العمومي بمحاولات تدجين التلفزة الوطنية.

حمة الهمامي: سيأتي الدور على الإعلام، كل الدكتاتوريات تترك استهداف الإعلام لآخر مرحلة وقد انطلق استهداف الإعلام العمومي فعلًا

  • ما هي توقعاتكم للمرحلة القادمة في تونس في علاقة السلطة بالمعارضة على اختلافها؟

لا تأتي الانقلابات دائمًا دموية إنما تأخذ عدة أشكال، لكن أعتقد أن سعيّد لن يعود إلى الوراء، اليوم عِصيّ وقنابل مسيلة للدموع، وعندما تشتد المعارضة له لا ندري ماذا سيفعل، في اعتقادي على الشعب التونسي أن يتوقع الأسوأ. سعيّد يكرر نفس كلمات كارل شميث منظّر النازية عن الشرعية والمشروعية التي يقول فيها "إن وضع الاستثناء هو الحالة الاستثنائية للدكتاتورية الرئاسية التي تحكم عن طريق المراسيم والتي ينبغي أن ترقى فوق كل بديل أساسي".

هذه هي الدكتاتورية الرئاسية وهذا ما يقوم به سعيّد وهذا ما يكرره في حديثه عن الشرعية والمشروعية، قيس سعيّد لا يؤمن إلا بالدكتاتورية والاستبداد، لكن السؤال الكبير "هل هو وقت للاستبداد"؟ أجيب لا، يمكنه أن يحاول لكنه سيفشل. ومن الصعب أن يستسلم الشعب التونسي بما فيه من قوى حية على الرغم من معاناته، وإذا ما صمت الشعب فيعني أنه بصدد التحضير لشيء ما. 

 

حمة الهمامي

مراسلة "الترا تونس" مع أمين عام حزب العمال حمة الهمامي خلال إجراء المقابلة  (منتصر القاسمي/ الترا تونس)