سعيّد والنهضة.. علاقة متوترة ليست في مصلحة أحد

سعيّد والنهضة.. علاقة متوترة ليست في مصلحة أحد

مصلحة موضوعية لسعيّد والنهضة في استقرار المنظومة الديمقراطية

مقال رأي



تقوم التوازنات السياسية في تونس على عدد من الإحداثيات من بينها العلاقة بين رئيس الجمهورية المنتخب مباشرة من الشعب وبنسبة عالية وغير مسبوقة، والحزب الأول في البرلمان الذي تصدّر الانتخابات التشريعية، ولديه وضع تنظيمي الأكثر استقرارًا حتى الآن أي حركة النهضة. العلاقة بين الأحزاب القوية في البرلمان ورئاسة الجمهورية كانت دائمًا أحد أهم مجالات ترتيب وضع السلطة، وعمومًا كانت علاقة حركة النهضة بصفتها الحزب الأول أو الثاني منذ 2011 برئاسة الجمهورية قائمة على تحالف قوي سواء في فترة الرئيس المرزوقي أو الرئيس الراحل قائد السبسي، ولو أن أسس ومضمون التحالف السياسي كان مختلفًا بين المرزوقي والسبسي. 

من الواضح أن هناك خلافات مبدئية بين قيس سعيّد والنهضة أولها يتعلق بالنظام السياسي ومنهجية تسيير السلطة

وأصبح الوضع مختلًا عندما أصبحت النهضة في خلاف مع السبسي حول إزاحة الشاهد. ومن الواضح أن أحد أسباب التوتر وصعوبة الاستقرار في الوضع السياسي الراهن هي العلاقة المتوترة بين الرئيس قيس سعيّد والنهضة، وهو الأمر الذي يرشح بين المرحلة والأخرى في تصريحات علنية من الطرفين، وآخرها انتقاد الرئيس للنهضة في حوار مع قناة "فرنسا 24" وتصريحات قيادات نهضوية على خلفية مجلس الشورى الأخير، إضافة الى تسريب كلمة رئيس الحركة في اجتماع الشورى المغلق التي تضمنت نقدًا لمقاربة سعيد للملف الليبي، والأهم هنا ليس مضمون الكلام بل التسريب ذاته.

لدينا أسئلة ضرورية لفهم هذا الوضع وإمكان تواصله وتأثيره على استقرار الحكم وإمكانية الإصلاح: أولًا، ما هي أسباب التوتر الظرفية والموضوعية؟ وهل هو خلاف قابل للتجاوز أم هو جوهري ويمس الاستراتيجي؟ 

من الواضح أن هناك خلافات مبدئية بين قيس سعيّد والنهضة، أولها يتعلق بالنظام السياسي ومنهجية تسيير السلطة. فعلاوة على دفاعه على النظام الانتخابي الفردي الذي رفضته النهضة، يعارض قيس سعيد النظام شبه البرلماني الحالي، ويبدو أنه يتجه تدريجيًا بحكم منصبه الحالي للدفاع عن نظام رئاسي. الأمر يتجاوز النقاش النظري الدستوري حول الأنظمة السياسية بل يتعلق أساسًا بنظرة سعيّد للسياسة نفسها وكيفية مقاربتها، إذ يرفض بوضوح التنظم الحزبي ويعتبره آيلًا للسقوط، في حين تمثل النهضة التعبير الأمثل على التنظم الحزبي، وتستمد أصلًا قوتها جزئيا من ذلك، وهو ما يجعل أن خروج قياداتها عنها لا يؤثر في التنظيم في حين يضرب في العمق المصير السياسي لهاته القيادات (وهو ما حصل لقيادات مثل عبد الفتاح مورو وحمادي الجبالي وغيرهما). 

اقرأ/ي أيضًا: حكومة إلياس الفخفاخ.. أين وصلنا؟

يُضاف إلى ذلك خلاف حول النظر إلى الإقليم وتموقع تونس عمومًا فيه، وهنا لا يجب الانجرار إلى دعاية بعض النهضويين قيادات أو قواعد حول أن قيس سعيّد يميل إلى المحور الإماراتي-الفرنسي. كل المؤشرات تحيل على أن سعيّد معني بتموقع في "الوسط" أو "محايد" رغم أن تفعيل ذلك صعب للغاية ضمن المعطيات الراهنة. لنأخذ الموقف من ليبيا مثلًا: يجب أن نتذكر أن قيس سعيّد صرّح مرارًا أن موقف تونس الاعتراف بحكومة السراج والدفع نحو حل ليبي-ليبي عوض الحل الخارجي. صرح بذلك مع الرئيس الجزائري، وفي لقائه مع الرئيس التركي وأيضًا مع الرئيس الفرنسي. بالمناسبة يتعرض سعيّد بهذه السياسة "الشاملة" إلى هجومات من كل الأطراف. نتذكر جيدًا أن المعادين للمحور التركي في ليبيا خاضوا حملة شعواء بسبب قبول سعيّد لقاء أردوغان، ونفس الشيء حصل بسبب زيارته إلى فرنسا ولقاء ماكرون. 

ما أثار اللغط أكثر مع النهضة زيارة باريس وما صدر منها من تصريحات لقيس سعيّد وتصريحات مضادة من النهضة. تونسيًا، موضوعيًا وتاريخيًا وجيوسياسيًا، لا يمكن أن تلعب دورًا بعيدًا أو على الضد من الموقف الجزائري. الزيارة إلى باريس، وبعكس ما يعتقد البعض، لم تحوّر في جوهر الموقف الرسمي، حيث تمسك سعيّد بشرعية حكومة السراج وأعاد التأكيد على أن الحل ليبي- ليبي. يبقى أن الإشارة إلى الطابع "المؤقت" لحكومة الوفاق، رغم أنها دقيقة قانونًا، لم تكن موفقة دبلوماسيًا، بما يفسر رد فعل قيادات في طرابلس مثل خالد المشري وغيره. كما أن الاعتماد حصرًا على القبائل كحامل اجتماعي للحل أيضًا لا يعكس فهمًا دقيقًا للواقع الليبي. 

الحرب الباردة بين أنصار قيس سعيّد وأنصار النهضة ستكون دائمًا مصدر تشويش، ومضيعة للوقت والتركيز والجهد، ولن تفيد أيا منهما

في كل الحالات، لم تدعم تونس الدعوة المصرية لعقد اجتماع عربي عاجل حول ليبيا بدون موافقة حكومة السراج، وهو عمليًا التعبير العملي على تمسك تونس بموقفها المعتاد. وقد تحفظت كل من ليبيا وتونس وقطر والصومال، على بنود في قرار بشأن ليبيا صدر في ختام اجتماع لوزراء الخارجية العرب في 23 جوان/يونيو الماضي، وهو التوجه الذي دعم موقف حكومة السراج أمام ضغوط القاهرة. ذلك الدليل أن الحملة التي قام بها قياديون نهضويون آخرها في إطار مجلس الشورى الأخير ضد تصريحات قيس سعيّد حول ليبيا، هي حملة لا تقوم على أسس موضوعية، بل تأتي في إطار المناكفات السياسية. 

في خصوص التصريحات الخاصة بالتمييز "القانوني" بين الحماية والاستعمار، وهي الحقيقة لم تكن في محلها ولا يمكن ان تُفهم ديبلوماسيًا في مصلحة تونس، فإن النهضة لا يمكن أن تهاجم قيس سعيّد في هذا الموضوع وهي لدواعي واعتبارات براغماتية اختارت عدم التصويت للائحة الاعتذار، وهي ذات دواعي قيس سعيّد لتخفيف لهجته في زيارته إلى فرنسا في خصوص لائحة الاعتذار. 

السياق الظرفي الرئيسي الذي عمق الخلاف بين سعيّد والنهضة هو بلا شك مسار تشكيل الحكومة، وخاصة إصرار رئيس الجمهورية على تحالف حكومي سبق إن قبلت به النهضة في بداية تشكيل حكومة الحبيب الجملي (وقد استدعى سعيّد الأحزاب من أجل إنقاذ التحالف قبل انهياره وذهاب الجملي في صيغة جديدة "تكنوقراطية" في الشكل لكن تخفي تحالفًا جديدًا بين النهضة وقلب تونس). مصادري، وهي رفيعة وفي قلب صناعة القرار، تقول لي أن رئيس الدولة تجنب الخوض في موضوع تشكيل الحكومة في البداية أي بعد التشريعية رغم عرض النهضة. ولكن من الواضح أنه اعتبر مرور الاختيار دستوريًا إليه مناسبة لتأكيد تصوره، وأن يكون تصورًا مستقلًا عن النهضة ليس شكلًا فقط بل أيضًا مضمونًا، وخاصة في هوية التحالف السياسي، وعليه كان اختيار إلياس الفخفاخ من هذه الزاوية. 

اقرأ/ي أيضًا: سعيّد في باريس.. ملاحظات بعد زيارة استثنائية

من الواضح أن هذه الخلافات تعود أساسًا لخلافات في التسيير الراهن وخاصة حول من يقود المبادرة السياسية سواء في خصوص الحكم وليس في التصورات الاستراتيجية. ففي التموقع في الإقليم، لا يوجد تناقض بل يوجد اختلاف، وأيضًا في تفعيل الدستور لا توجد فعليًا تناقضات على مستوى الممارسة بل اختلافات حتى الآن. وقيس سعيّد لايزال عمومًا يشتغل ضمن مجال الدستور، ولهذا سيقدم مبادرات تشريعية بصفته رئيسًا، وعمليًا يسعى لتوسيع صلاحياته، ومنها إعلانه في حوار مع قناة "فرنسا 24" أنه يرى تغيير النظام السياسي إلى النظام الرئاسي. 

والأزمة الحالية التي تواجه رئيس الحكومة مثال عملي عن إحداثيات قيس سعيد وطبيعة علاقته بالنهضة، فعمليًا الصراع بينهما يصبح عمليًا أيضًا صراعًا بين النهضة والفخفاخ. وهنا أبدأ بالمعطيات وبعكس ما تم ترويجه في بعض الأوساط النهضوية وأكده مسار مجلس الشورى الأخير:

  • قيس سعيد لم يطلب من الفخفاخ الاستقالة.
  • علاقة قيس سعيد وراشد الغنوشي ليست سالكة تمامًا وباريس لا تساعد على ذلك.
  • الفخفاخ ليس تحت جناح الشيخ راشد الغنوشي.
  • النهضة لاعتبارات داخلية وخارجية ليست معنية (الآن) بسحب الثقة من الفخفاخ.
  • الصراع في ليبيا والاستقطاب المتزايد بين محوري طرابلس (تركيا-أمريكا) وبنغازي (الإمارات-روسيا-مصر-فرنسا) له تأثير مباشر على أي اضطراب داخل تونس. 

ومن ثمة، فإن الاستقالة إن تمت ستعني في كل الحالات عودة الأمر لقيس سعيّد، والذي لن يتخلى عن الائتلاف الحكومي سواء لأسباب سياسية أو لاسباب عملية تتعلق بحاجته لحكومة قريبة منه لكي يستطيع تفعيل برامجه وأهدافه. فالتحالف كما قرره سعيّد سيبقى بمعزل عن هوية رئيس الحكومة، وإن تم إسقاط مرشحه ومن ثمة الائتلاف الذي يدفع تجاهه سعيد، فإن الخيار المسلط على الجميع انتخابات مبكرة، سيكثر فيها الاستقطاب مع أكثر الأطراف استئصالية من المنظومة وستمثل تهديدًا فعليًا لاستقرار المنظومة الديمقراطية ككل. يبقى أن شرط نجاح الحكومة هو المضي في الإصلاح، وترتيب أولويات المعارك، وليست بالقليلة، وستكون بداية السنة السياسية في سبتمبر عاصفة. 

 هناك مصلحة موضوعية لسعيّد والنهضة في استقرار المنظومة الديمقراطية ومنع أي تهديدات لها، داخلية أو خارجية، ومن ثمة في إنجاح ورشات إصلاح كبرى تمثل تحصينًا فعليًا للديمقراطية

أما الحرب الباردة بين أنصار قيس سعيّد وأنصار النهضة ستكون دائمًا مصدر تشويش، ومضيعة للوقت والتركيز والجهد، ولن تفيد أيا منهما. يجب على الطرفين ان يفهما أنه ليس هناك مجال لهيمنة مطلقة لأي منهما، وعليهما فهم وتحديد حدود مجال كل منهما في إطار تفاهم واضح. هناك مصلحة موضوعية لكليهما في استقرار المنظومة الديمقراطية ومنع أي تهديدات لها، داخلية أو خارجية، ومن ثمة في إنجاح ورشات إصلاح كبرى تمثل تحصينًا فعليًا للديمقراطية وتسحب ورقات الطرف الاستئصالي الذي يريد الاستثمار في خيبة أمل الناس من الثورة والديمقراطية. أما إذا لم تلتزم النهضة أو الرئيس سعيّد بذلك، فنحن إزاء مرحلة شد وجذب وضرب تحت الحزام وطعن في الظهر، واستقطاب بين النهضة (مع قلب تونس والكرامة) مقابل قيس سعيّد ومعه احزاب الكتلة الديمقراطية، هذا بمعزل عن بقاء إلياس الفخفاخ في القصبة من عدمه. إلا إذا اختار الجميع الانتخابات المبكرة، التي تبرز فيها عبير موسي رابحًا أساسيًا، ومن المؤسف أن بعض خصومها يمهدون إلى ذلك بشكل حثيث. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

عن المصالح وشبهات الفساد ومهنة السياسة في تونس (1)

عن المصالح وشبهات الفساد ومهنة السياسة في تونس (2)