حكومة إلياس الفخفاخ.. أين وصلنا؟

حكومة إلياس الفخفاخ.. أين وصلنا؟

كان يكررها الرئيس الراحل قائد السبسي "في السياسة المهم هو الانطباع" والانطباع حاصل الآن والمرور لما بعده ضرورة (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

 

مقال رأي

 

قبل حوالي أسبوعين، خُيّل للكثيرين أن حكومة إلياس الفخفاخ وعلى رأسها رئيسها "المنتصر" على الكورونا حديثًا، كما وصف بنفسه الوضع حينها، "أسعد الحكومات". وهي الحكومة التي تجنبت ضغط الأشهر الأولى من معارضتها ومن اتحاد الشغل، أبرز منظمة نقابية في البلاد، لسبب وإن كان مخيفاً ومقلقًا في ذاته، فإنه أمسك عنها أصوات الكثير من الغاضبين والمحتجين، أقصد الكورونا طبعًا.

لكن الكورونا في تونس لم يطب لها المقام، ومع تراجع عدد الإصابات بها في البلاد، وتجمد عدد وفياتها منذ أسابيع، عادت أنشطة البلاد تدريجيًا وعادت صراعات السياسة بقوة لافتة. أراد ساسة البلد على ما يبدو تعويض حوالي 3 أشهر من "الوفاق الصوري"  فكان إعلان انتهاء شهر العسل وظهرت "الملفات" عبر ثغرة تضارب المصالح.

 أراد ساسة البلد على ما يبدو تعويض حوالي 3 أشهر من "الوفاق الصوري"  فكان إعلان انتهاء شهر العسل وظهرت "الملفات" عبر ثغرة تضارب المصالح

خلال أسبوعين تقريبًا لا أكثر، عاشت حكومة إلياس الفخفاخ على وقع حُمى كشف الوثائق وشبهات تضارب المصالح. هل كان الفخفاخ مستعدًا؟ منطقيًا كان يجب أن يكون كذلك. في الواقع، لا أعتقد. وإجابته عن سؤال الإعلامي بوبكر بن عكاشة في مقابلة صحفية، فتحت عليه أبواب الجدل، كانت أحد الأدلة.

كل تلك الثقة التي أجاب بها الفخفاخ، مؤكدًا امتلاكه أسهمًا في شركة تتعامل مع الدولة ومستهزئًا بالأمر عبر التركيز على عدد الأسهم ونسبتها، كانت دليلاً على أن رئيس الحكومة الشاب لم يتوقع ولم يتحضر لما تلى ذلك السؤال. تلك المقابلة الصحفية نفسها تطرح أكثر من سؤال، عن سبب اختيار التوجه في ما يمكن اعتباره "مقابلة إعلان النصر عن كورونا" في قناة التاسعة الخاصة، المتداول قرب خطها التحريري بشهادة عاملين فيها، ليس آخرهم الإعلامي برهان بسيس، من رئيس الحكومة السابق يوسف الشاهد.

الشاهد الذي كان في الحكم لسنوات وخبره وخبر أن يُطعن من حزبه مباشرة (نداء تونس حينها) كان عليمًا بكل الملفات، هل كان السؤال مرتبًا؟. في الحقيقة، أي صحفي متمرس يصعب عليه تصديق أن السؤال لم يكن كذلك. وفي الحقيقة أيضًا على الصحفي المهني أن لا يقدم سؤالاً اعتباطيًا ومن العادي أن يكون كل سؤال محل ترتيب ومدروسًا وحتى ترتيبه بين الأسئلة يكون خاضعًا لحساب وسيناريوهات من الأجوبة ومن الاستنتاجات، هكذا كان الإعلام دائمًا محركًا للرأي العام في تونس وخارجها وهذا المطلوب.

هل كان السؤال من بن عكاشة مرتبًا؟ في الحقيقة، أي صحفي متمرس يصعب عليه تصديق أن السؤال لم يكن كذلك وفي الحقيقة أيضًا على الصحفي المهني أن لا يقدم سؤالاً اعتباطيًا

لكن الفخفاخ كان يعلم أنهم يعلمون بشركاته، بجميع الشركات، التي امتلك فيها أسهمًا قليلة أو كثيرة، من تعاملت مع الدولة ومن لم تتعامل، من لا يزال المسيّر فيها ومن تخلى فيها عن دور التسيير، وبفرضيات وشبهات تضارب المصالح. منذ اختاره رئيس الجمهورية الشخصية الأقدر لتكوين الحكومة، لوّح رئيس كتلة حركة النهضة في البرلمان نور الدين البحيري بهذه الشبهات في برنامج تلفزي، وقد ظهر التسجيل مؤخرًا من جديد. أُسترجع عن قصد "ها قد نبهناك"، ربما هذا ما أرادوا قوله، وهذا ما كان تلميحًا مباشرًا فقط. أما في الظل فللفخفاخ كغيره من السياسيين، أعين وأصدقاء وحلفاء ومحامون، ولا يمكن أن لا يكون بعضهم أو كلهم قد نبهوه.

هل اعتقد أن هذه الثقة العمياء هي مسلك النجاة، هل صورها لنفسه أم صوروها له؟ كيف عرّض أهم ما تقوم عليه حكومته "مكافحة الفساد" إلى حملة تشكيك لا يمكن تحديد شكل نهايتها حالياً؟ وعرّض معه حليفًا واضحًا كمحمد عبو، ومن ورائه حزبه التيار إلى ذات الحملة.

لكن الأسئلة لا تتوقف على ما قبل "إخراج الملفات"، حتى ما بعدها لا يخلو من "ثقة عمياء" في أحسن الحالات أو ربما "سوء تقدير خطير". يكفي تذكر اللهجة التي تحدث بها الفخفاخ خلال كلمته لتقديم 100 يوم الأولى من حكمه في جلسة البرلمان الأخيرة. نُصِح الفخفاخ أن يعكس الهجوم حتى قبل أن يوجه له أي هجوم، أن يعتمد نبرة غضب وتصعيد واستنكار. هل كان هذا كافيًا في ليلة الإعلان عن شركة ثانية للفخفاخ، من قبل إحدى النواب حينها، بعد الأولى التي تعرض لها خلال الحوار التلفزي؟

أعتقد أن ما كان ضروريًا وكافيًا وممكنًا في ذلك الوقت، وربما متوقعًا من البعض، هو لحظة مصارحة ليس للنواب بالذات بما هم سلطة تشريعية قادرة على سحب الثقة منه أو الإبقاء عليها بل لكل الشعب. هذا الأخير لا يمكن نفي أن جزءًا منه صُدم أن توجه شبهات كهذه لـ"حكومة مكافحة الفساد" بامتياز كما أُطلق عليها. حتى العبارة الشهيرة "تضارب المصالح ليس فسادًا" لا أعتقد أنها أقنعت أحدًا.

أعتقد أن ما كان ضروريًا وكافيًا وممكنًا في ذلك الوقت، وربما متوقعًا من البعض، هو لحظة مصارحة ليس للنواب بالذات بما هم سلطة تشريعية قادرة على سحب الثقة منه أو الإبقاء عليها بل لكل الشعب

كان المطلوب الكثير من المصارحة لهذا الشعب. لم يصوت الشعب بكثافة للفخفاخ عندما ترشح بشكل مباشر لنيل ثقته، لكن الناس آمنت بإمكانية التغيير عبر تصويت ساحق ضد الفساد كما صُور حينها في الدور الثاني للانتخابات الرئاسية، يكفي في اعتقادي أن جزءًا من الشعب كان جاهزًا للتغيير، هذا الجزء هو أكثر من لم يرغب في تصديق  فرضية الشبهة أصلاً في مواجهة الفخفاخ بل بعضهم رفض القراءة حول الموضوع بتجرد ودون غضب وسقوط في التبرير مبكرًا.

أثبتت عديد التجارب حول العالم أن إيمان الشعب بأشخاص قد "ينجيهم" حتى مع ثبوت تهم ما. كان يكفي أن يُصارح الفخفاخ المواطنين بكشف عدد الشركات، تفاصيلها، توقيت التخلي عن تسييرها أو جزء منها، نشر التصاريح، إغلاق أبواب موجة ثالثة من الوثائق أو التصريحات قد تكون "قاتلة". لكن هذا لم يحصل وصدر اليوم عن رئيس هيئة مكافحة الفساد شوقي الطبيب، في جلسة استماع له في البرلمان، ما أكد أن الفخفاخ لم يقل كل شيء من جديد وبأن رحلة "إخراج الملفات متواصلة".

كان يمكن أن يصارح رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ الشعب ويواصل عمله، وفي الأثناء تحقيقات في شبهة تضارب المصالح قائمة أحدها في البرلمان، لكن كان للفخفاخ ورجاله رأيًا آخر، واستماتوا في تبريرات وإن تتبين صحتها فيما بعد فقد أضرت بصورة الرجل وأكثر الأحزاب التي ساندته (التيار الديمقراطي) والتي ارتبط اسمها بمكافحة الفساد. كان يكررها الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي "في السياسة المهم هو الانطباع"، والانطباع حاصل الآن والمرور لما بعده ضروري بالنسبة للفخفاخ وحكومته لتدارك ما يمكن.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عن المصالح وشبهات الفساد ومهنة السياسة في تونس (1)

عن المصالح وشبهات الفساد ومهنة السياسة في تونس (2)