سعيّد في باريس.. ملاحظات بعد زيارة استثنائية

سعيّد في باريس.. ملاحظات بعد زيارة استثنائية

انتقص من شرعية الحكومة الليبية وتنصّل من مطالبة فرنسا بالاعتذار (كريستوف بوتي/أ.ف.ب)

مقال رأي

 

جاءت زيارة رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى فرنسا، والتي دامت يومين، في سياق محلي وإقليمي ودولي استثنائي: في خضم الجدل داخليًا حول لائحة برلمانية لم يُصادق عليها تطالب فرنسا بالاعتذار، وفي حدة تصاعد الصراع إقليميًا في ليبيا مع تقدم قوات حكومة الوفاق، المعترف بها دوليًا، والانحدار غير المسبوق لقوات حفتر وتموقع فرنسا بالخصوص في هذه الأزمة، وأيضًا هي زيارة والعالم لازال يواجه جائحة كورونا وتبعاتها الثقيلة.

لم يكن المطلوب، حقيقة، أن يعلن سعيّد من باريس بالذات أنه داعم بصفة صريحة لمطالبة فرنسا بإعلان الاعتذار، ولكن لم يكن منتظرًا أن يتنصّل بصفة واضحة من هذه المطالبة

تطرّق سعيّد في زيارته، سواء خلال الندوة الصحفية المشتركة مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون أو في الحوار التلفزي لقناة  "فرنسا 24" بنسختيها الفرنسية والعربية، إلى الشأن الداخلي، وكذا للعلاقات الثنائية مع فرنسا، الشريك التاريخي والاقتصادي لتونس، إضافة للملف الليبي، الذي استأثر على جانب هام بالخصوص من الندوة الصحفية المشتركة بين الرئيسين.

ومثلت هذه الزيارة، بمضامين تصريحات سعيّد تحديدًا والذي لم يظهر في حوار تلفزيوني منذ نحو 5 أشهر، فرصة للتعرف على مواقفه من قضايا جدلية، أثارت لاحقاً عاصفة من ردود الفعل المستهجنة في الداخل وحتى في ليبيا على ضوء التنديد، المباشر وغير المباشر، من مسؤولين ليبيين، من تصريحات سعيّد في الندوة الصحفية مع ماكرون.

1- تحفّظ عن مطالبة فرنسا بالاعتذار

ظلّ موقف سعيّد غامضًا من ملف مطالبة فرنسا بالاعتذار، ولم يتفاعل مع المراسلة الموجهة إليه من البرلمان بخصوص موقف رئاسة الجمهورية من اللائحة البرلمانية المقدّمة من ائتلاف الكرامة (وإن كان النظام الداخلي البرلماني يفترض عنصر الإعلام فقط)، حتى حلّ اللقاء التلفزيوني في باريس مع قناة "فرانس 24" كاشفًا لموقفه. والملاحظ في هذا الجانب، أن الحوار في نسخته الفرنسية استفاض في هذه النقطة، واستطاع الصحفي الفرنسي أن يقتلع إجابة واضحة من سعيّد، فيما تم التعرض لهذه النقطة بصفة برقية في الحوار في النسخة العربية من القناة.

اقرأ/ي أيضًا: مطالبة فرنسا بالاعتذار.. حقّ واستحقاق

ظهر سعيّد بوضوح متحفّظًا على تبني مطلب مطالبة فرنسا بالاعتذار عن جرائمها زمن احتلال تونس: استحضر بداية المثل الفرنسي "من يعتذر يتهم نفسه"، ثم سأله المذيع الفرنسي "لما لا"، فردّ "أننا ننظر للمستقبل"، استوقفه المذيع للتذكير بأن ماكرون اعترف بحصول جرائم ضد الإنسانية في الجزائر،  فأكد سعيّد حصول جرائم في تونس وأن الاستقلال كلف غاليًا ولكن تحدث عن اختلاف الشكل القانوني للاحتلال بين تونس (نظام حماية) والجزائر (احتلال مباشر) مستعيدًا جبة أستاذ القانون. تشبث المذيع بحقه، وحق التونسيين حقيقة، في معرفة موقف واضح حينما سأل مجددًا عن الحق في الاعتذار، فردّ "للتونسيين الحق لكن صياغة الاعتذار ليس كافيًا، ربما مع مشاريع وتعاون، هذا أهم من إعلان الاعتذار. يمكن طلب تعويض". عاد المذيع "هل طالبت به؟"، رد سعيّد "لا لم أطلب ذلك أبدًا. اللائحة البرلمانية ليست بريئة، لما نطالب بعد 60 سنة بالاعتذار؟ أعتقد أن هناك أحداثًا تاريخية واضحة وجلية، الفرنسيون أنفسهم يعترفون بها وأعتقد أن طلب الاعتذار يكون بطرق أخرى وليس بلائحة". 

قام سعيّد بتمييز بين الاعتذار في عمومه وإعلان الاعتذار، ويرى أن اعتذار فرنسا لا يستلزم تصريحًا ما جعله يبدأ إجابته باستعادة لمثل فرنسي "من يعتذر يتهم نفسه"، وهو ما يطرح السؤال حول استعادة مثل دولة الاستعمار في إجابة على ملف مطالبة هذه الدولة بالاعتذار وفي قناة فرنسية. الإجابة بالمنطق الرمزي مسيئة، وهي محبطة في عمقها. تحدث سعيّد عن التعويض والمشاريع باعتبارها "أهم من إعلان الاعتذار"، ولكن يعلم، ولا نظنه يغفل، أن الاعتذار الصريح والعلني هو مقدّمة ضرورية للتعويض الذي يمثل نتيجة للعنصر الأول، بما لا يمكن تفكيكه وتجزئته بالمطالبة بهذا وتجاهل ذاك. واللائحة البرلمانية المرفوضة مثلًا أشارت إلى عنصر التعويض إضافة للاعتذار. 

 يبدو أن رئيس الجمهورية غير مهتمّ بتبني ملف مطالبة فرنسا بالاعتذار رغم أنه طالما رفع شعارات السيادة وعزّة التونسي وكرامته خلال حملته الانتخابية

ثم هل تعني إجابة سعيّد أنه لن يلتزم بتوصية هيئة الحقيقة والكرامة، التي أشرفت على مسار العدالة الانتقالية، بمطالبة فرنسا بالاعتذار والتعويض واستعادة الأرشيف التونسي؟ وهو عدم التزام بتطبيق نص دستوري يلزم الدولة بتطبيق منظومة العدالة الانتقالية، وليست هذه التوصية إلا جزءًا منها.

لم يكن المطلوب، حقيقة، أن يعلن سعيّد من فرنسا بالذات أنه داعم بصفة صريحة لمطالبة فرنسا بإعلان الاعتذار، ولكن لم يكن منتظرًا أن يتنصّل بصفة واضحة من هذه المطالبة، ويرسل من باريس بالذات رسالة، للتونسيين والفرنسيين، أنه غير معني بهذه المطالبة فيما بدا يغلق بابًا بالكاد بدأ يفتحه التونسيون. مطالبة فرنسا بالاعتذار عن جرائم الاحتلال وجبر الضرر للتونسيين هي حق شرعي وتاريخي، وتصريح سعيّد يبخّس هذا الحق، في اختبار يبدو أن رئيس الجمهورية غير مهتمّ بخوضه رغم أنه طالما رفع شعارات السيادة وعزّة التونسي وكرامته خلال حملته الانتخابية.

2- ليبيا.. هل يعي سعيّد مضامين تصريحاته؟

تصريح قيس سعيّد في باريس حول ليبيا هو الآخر خيبة أخرى، وهو خطير من حيث تبعاته وأبعاده إن تابعنا ردود الفعل الرسمية في ليبيا على نحو تصريح رئيس المجلس الأعلى للدولة الليبية خالد المشري الذي اعتبر خطاب سعيّد "مفاجئًا" للشعب الليبي.

مقاربة سعيّد للملف الليبي تبدو لازالت مرتبكة وغير واعية بأبعاد هذا الملف الحيوي، وذلك بعد تبخيسه، ومن باريس بالذات مرة أخرى، لشرعية حكومة الوفاق الوطني انطلاقًا من نقطتين: أولًا اعتبار أن شرعيتها هي الشرعية الدولية في تجاوز للاتفاق الليبي في الصخيرات، وثانيًا وصف هذه الشرعية بأنها "مؤقتة" وهو لفظ مستجد في الديبلوماسية التونسية تجاه الحكومة الشرعية في طرابلس، والحال أن أي شرعية سواء كانت انتخابية أو توافقية هي بالضرورة مؤقتة فلماذا إضافة هذا اللفظ بالذات في تصريح من باريس المتحفّظة على حكومة الوفاق تحديدًا؟

لازالت مقاربة سعيّد للملف الليبي مرتبكة وغير واعية بأبعاد هذا الملف الحيوي، وذلك بعد تبخيسه، ومن باريس بالذات مرة أخرى، لشرعية حكومة الوفاق الوطني 

تحدت سعيّد كذلك مجددًا عن دستور تكتبه القبائل في ليبيا، مستحضرًا مرة أخرى التجربة الأفغانية تحت الاحتلال الأمريكي، ومذكرًا باستقباله لقيادات قبائل ليبية. جهل بالمعطى أو تجاوزه له، هل نسى سعيّد أنه يوجد مشروع دستوري ليبي أعدته هيئة تأسيسية منتخبة ويُنتظر الاستفتاء عليه؟ هل يعي سعيّد وزن قيادات القبائل التي استقبلها؟ هل يعي مكونات المشهد في ليبيا بإطنابه بالحديث عن القبائل في خطاب كأنه مقدّم من مستشرق؟

اقرأ/ي أيضًا: تونس.. ديبلوماسية الهواة

مقاربة سعيّد للمسألة الليبية محبطة، ويبدو أنه لازال متشبثًا بما يراها حلولًا يرفضها الليبيون أساسًا، خاصة الحديث عن دستور القبائل، قبل القوى الإقليمية والدولية المعنية بالملف الليبي. تصريحات المشري في ليبيا تبيّن مدى انزعاج طرابلس، على أمل أن يبادر سعيّد بتوضيح موقفه، موقف الديبلوماسية التونسية، في ملف حسّاس وحيوي. أخذ مسافة من سلطة طرابلس، وهي تحقّق انجازات عسكرية واختراقات سياسية في المشهد الدولي، مقابل انحدار حفتر، هي مغامرة غير محسوبة من حيث عواقبها. سعيّد بحاجة إلى تعديل البوصلة بداية من فهم المشهد الليبي، فالمعرفة بالمعطى على الأقل باتت متأكدة.

3- الشأن الداخلي.. الرئيس يكشف عن نفسه

لستُ من دعاة التحفظ على الحديث عن الشأن الداخلي في الإعلام الأجنبي، هذا تحفّظ ينقله الوطنجيون وتروّجه دول الاستبداد في إطار لجم معارضيها، ولكن التحفظ يبدو بتقديري مشروعًا، إن كان رئيس الدولة يكشف عن موقفه من مسائل حيوية لأول مرة وبشكل واضح وصريح للتونسيين في لقاء تلفزيوني أجنبي: تحفّظ على توسيع الائتلاف الحكومي، إعلان النية لتنقيح الدستور باتجاه تعديل النظام السياسي، وأيضًا تعديل القانون الانتخابي باتجاه يصبح الانتخاب على الأفراد وليس القائمات. فإعلان سعيّد لهذه المسائل الثلاث هي "حدث سياسي ثقيل" يهمّ في عمقه مسار الديمقراطية الناشئة، وهي تهم التونسيين بدرجة أولى، كانت تحتاج، إن شاء الرئيس الإعلان عن موقفه منها، أن تُقدم في حوار تلفزيوني للإعلام المحلي، وليس على "الهامش" في خضم حوار في إعلام أجنبي حكومي أثناء زيارة صداقة.

لما لا يقدم سعيّد تعديلًا يهم مشروعه الجذري لمراجعة المنظومة من أصله وفق تصوّره المُعلن؟ هل تخلى عن هذا التصور مكتفيًا بالحاجة إلى نظام رئاسي؟

تجاوزًا لهذا العنصر، كان مفاجئًا أن يعلن قيس سعيّد نيته تعديل الدستور باتجاه وضع نظام رئاسي بدل النظام شبه البرلماني الحالي. أعلن سابقًا نيته تعديل الدستور دون توضيح مضمونه، ومحلّ المفاجأة أنه كان يرفض الحديث عن النظام السياسي الحالي برمّته مفضلًا عرض مشروعه في البناء من الأسفل للأعلى أي من المحلي للمركز، ولكنه يدعم اليوم إعادة لمركزة السلطة بيد رأس الدولة داخل إطار المنظومة الدستورية الحالية. هل يقدّر سعيّد أن مشكل الإدارة السياسية في البلاد هو بالنهاية نظامها السياسي الذي لم يكتمل بناؤه بالنظر لعدم تركيز المحكمة الدستورية؟ هل يقدّر حقيقة أن المشكل هو في وعاء ممارسة السلطة أي نظام صنع القرار؟ ولما لا يقدم سعيّد تعديلًا يهم مشروعه الجذري لمراجعة المنظومة من أصله وفق تصوّره المُعلن؟ هل تخلى عن هذا التصور مكتفيًا بالحاجة إلى نظام رئاسي؟ 

تعديل القانون الانتخابي باتجاه أن يصبح الاقتراع على الأفراد وليس القائمات، ليس مستغربًا باعتبار أن سعيّد، ومنذ 2011، يرفض نظام القائمات، وهو تعديل يعكس رؤية سعيّد المتجاوزة للأحزاب. نظام الاقتراع على الأفراد هو نظام لا يخدم الأحزاب، ومعلومة منافعه وكذا مخاطره. سعيّد عبر التعديلين يقدم لأول مرة تصوّره للنظام السياسي: نظام رئاسي: رئيس جمهورية يقود السلطة التنفيذية، وبرلمان منتخب بالأفراد دون القائمات. سعيّد يواجه منظومة الأحزاب وهو يباغت من حيث أنه لم يعلن سابقًا عن هذا التمشي، ولكن تعديلاته تحتاج لمصادقة البرلمان الذي تسيطر عليه الأحزاب. هي إذن مواجهة منتظرة بين رئاسة الجمهورية والبرلمان، أو أغلب مكوناته على الأقل، فيما يتأكد أن التونسيين أمام خماسية عنوانها الشد والجذب بين قرطاج وباردو بالخصوص.

في جانب آخر، ليس من المبالغة القول إن سعيّد "هاجم" حركة النهضة في باريس، بنقد مرشحها المكلف برئاسة الحكومة الذي "أضاع شهرين في مفاوضات عقيمة" وفق تعبيره، وثم إعلان تحفظه من مقترحها لتوسيع الائتلاف الحكومي "لأنه قد يفكك الحكومة"، ولكن الأهم قوله إن "الغنوشي وحركة النهضة يريدان تسيير البلاد" عدا عن اعتباره أن اتصال الغنوشي برئيس حكومة الوفاق في ليبيا فائز السراج هو "خطأ". وهذه التصريحات من باريس تؤكد أن العلاقة بين سعيّد والغنوشي لا تزال في مرحلة التوتر أو على الأقل الحذر، على خلاف ما كان يُعلن من جهة النهضة على الأقل. نحو 9 أشهر ولازالت العلاقة بين الرجلين، رئيس الجمهورية من جهة ورئيس البرلمان وأكبر أحزابه من جهة أخرى، ليست على ما يُرام في أدنى توصيف، ولازال مسار بناء الثقة بين الرجلين معطوبًا، ويبدو أن مؤشرات عدم الثقة، وخاصة بعد التعديلين المنتظرين من سعيّد لتغيير الدستور والنظام الانتخابي، ستستمرّ.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل أتاك حديث البكتيريا السياسية في تونس؟

بورجوازية الريع في تونس: خريطة المصالح