ذاكرة انتهاكات حقوق الإنسان في تونس..  حفظ للتاريخ واستخلاص للعبر  (2/1)

ذاكرة انتهاكات حقوق الإنسان في تونس.. حفظ للتاريخ واستخلاص للعبر (2/1)

دراسة حول حفظ الذاكرة الوطنية في مسار العدالة الانتقالية (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

 

عند الاطلاع على بعض الأعمال الأدبية أو التاريخية التي تتناول الشخصيات السياسية أو الملوك والسلاطين، ترسخ في أذهاننا الصورة الناصعة لفترة حكمهم. في المقابل، نجد في بعض الأعمال الأخرى، التي تتناول نفس هذه الشخصيات، صورة أخرى مخالفة تمامًا. في هذا الإطار، دعا إدوارد كار عند إجراء دراسة تاريخية1 إلى تناول المؤرخ نفسه بالدرس قبل دراسة الحقائق، إذ أن رواية التاريخ ليست مفصولة على التوجهات الفكرية أو السياسية لصاحبها.

زيادة على ذلك، سعت عديد الشخصيات السياسية إلى تسويق صورة جميلة وسمعة طيبة تخالف تمامًا واقعها وذلك للتضييق على المدافعين على حقوق الإنسان وعلى الناشطين السياسيين، على المستوى الداخلي، وكذلك للظفر بمشروعية ومكانة مرموقة على المستوى الدولي. وهو ما يتمّ بـ"تجييش" مثقفين ومفكرين يتولون تلميع صورتهم والترويج لهم بشكل يطبع في الأذهان سمعة طيبة لهؤلاء الشخصيات.

 ظهرت منذ السبعينيات آليات تكرس الحق في الذاكرة والحق في معرفة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان التي ارتكبتها الأنظمة الشمولية، وتسمى هذه الآلية لجان الحقيقة

تاريخيًا، لا يعد هذا بدعة إذ أن الأنظمة السياسية القديمة في أوروبا1 أو في عصر الخلافة الإسلامية2، سعت إلى إيجاد سبل لتعبئة الرأي العام وضمه إلى صفها. فعلى سبيل المثال، كانت السلطة السياسية سواء كانت ممثلة في شخص الملك أو السلطان أو الخليفة تلجأ إلى رجال الدين أو إلى المفكرين والشعراء لإضفاء المشروعية على حكمهم. وقد اصطلح على تسمية هؤلاء المفكرين والشعراء بفقهاء السلطان أو البلاط أو الشعراء المرتزقة.

في تونس، عند تصفح تقرير الجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الرشوة والفساد (2011) أو تصفح "الكتاب الأسود" (2013) الصادر عن إدارة الاعلام والاتصال برئاسة الجمهورية التونسية، وتجاوزًا لخرق القانون الأساسي المتعلق بحماية المعطيات الشخصية، نقف على مثال حي لهذا التوجه للأنظمة الشمولية. فقائمات المفكرين والمنتمين للنخب المثقفة التي عملت على تلميع صورة النظام السابق طويلة وعمل العديد منهم على تقديم خدماتهم بمقابل مادي.

اقرأ/ي أيضًا: العدالة الانتقالية في تونس.. مسار بطيء ومعطّل لازال يبحث عن تحقيق أهدافه

لكن بعد سقوط الأنظمة الشمولية، تسقط الأقنعة وتظهر للعيان حقيقة هذه الأنظمة4 بعد افتكاك الشعب لحقه في التعبير. وسعيًا إلى عدم الرجوع إلى نظام شمولي وسعيًا الى ترسيخ السلم الاجتماعية وضمان ديمومتها، ظهرت منذ السبعينيات آليات جديدة تكرس الحق في الذاكرة والحق في معرفة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبتها الأنظمة الشمولية. وتسمى هذه الآلية لجان الحقيقة5.

بعد سقوط النظام الدكتاتوري في تونس في 14 جانفي/كانون الثاني 2011، انطلق مسار العدالة الانتقالية ليتوّج في 24 ديسمبر 2013 بصدور القانون عدد 53 لسنة 2013 المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها. وأنشأ لجنة للحقيقة تسمى هيئة الحقيقة والكرامة من مهامها تكريس الحق في المعرفة والحق في الذاكرة وذلك بحفظ الذاكرة الوطنية، باعتبارها مؤسسة تابعة للدولة6، أو باقتراح التدابير الضرورية لحفظ الذاكرة الوطنية7.

وقد رتب المشرع صلب قانون العدالة الانتقالية قواعد تقدم موقع حفظ الذاكرة داخل مسار العدالة الانتقالية (مبحث أوّل) كما رتب قواعد تنظم كيفية ممارسة وظيفة حفظ الذاكرة الوطنية (مبحث ثاني).

مبحث أوّل: موقع حفظ الذاكرة الوطنية في مسار العدالة الانتقالية

عرف الفصل 1 من القانون عدد 53 لسنة 2013 المؤرخ في 24 ديسمبر 2013 والمتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها، العدالة الانتقالية باعتماد معيارين:

يتمثل المعيار الأول في الموضوع (définition par objet) ويتمثل المعيار الثاني في الهدف (définition par objectif). وباعتماد المعيار الأول، نتبين أن العدالة الانتقالية مسار متكامل من الآليات والوسائل، فيما نتبيّن، باعتماد المعيار الثاني، أن العدالة الانتقالية مسار يهدف إلى "فهم ومعالجة ماضي الانتهاكات حقوق الانسان بكشف حقيقتها مساءلة ومحاسبة المسؤولين عنها وجبر ضرر الضحايا ورد الاعتبار لهم بها يحقق المصالحة الوطنية ويحفظ الذاكرة الجماعية ويوثقها ويرسي ضمانات عدم تكرار الانتهاكات من حالة الاستبداد الى نظام ديمقراطي يساهم في تكريس منظومة حقوق الإنسان".

عمد المشرع صلب القانون المذكور بعد الباب الأول من العنوان إلى تبويب الآليات والوسائل المختلفة للعدالة الانتقالية. وقدم في الباب الثاني كشف الحقيقة وحفظ الذاكرة كآليات من جملة آليات العدالة الانتقالية (1) تتقاطع مع بقية الآليات (2). 

1- حفظ الذاكرة آلية من آليات العدالة الانتقالية:

عند قراءة قانون العدالة الانتقالية، نتبيّن أنّ المشرّع يعتبر حفظ الذاكرة الوطنية تكريسًا للحق في المعرفة والحق في الذاكرة. كما يعتبرها شكلًا من أشكال جبر الضرر وضمانًا كذلك لعدم تكرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان، سعيًا لتحقيق المصالحة والسلم الاجتماعية.

أ- هي تكريس للحق في المعرفة وللحق في الذاكرة:

ينص الفصل 5 من القانون المذكور أعلاه أن "حفظ الذاكرة الوطنية حق لكل الأجيال المتعاقبة من التونسيات والتونسيين وهو واجب تتحمله الدولة وكل المؤسسات التابعة لها أو تحت إشرافها"، ليكرّس الحق في الذاكرة الوطنية لكل الأجيال القادمة ويحمل الدولة واجب حفظ هذه الذاكرة كما يجسد مفهوم الأمة القائم على الاشتراك في إرث تاريخي واحد والتوق إلى مستقبل واحد8.

التعويضات المادية لا تعيد الزمن إلى الوراء ولا تنسي الضحايا ما عاشوه وهي ليست مقابلًا ماديًا لما عاشه هؤلاء وليست شراء لسكوتهم

يتماشى هذا مع منطوق الفقرة الأولى لتوطئة الدستور9 وللفصل 32 من الدستور الضامن للحق في المعلومة10. ولا يقتصر الاعتراف بالحق في معرفة الحقيقة على القانون الوضعي التونسي، إذ يعترف القانون الدولي العام بهذا الحق ويكرسه في عديد النصوص11

ولضمان عدم السقوط في تزييف للحقيقة، يلزم الفصل 38 أن تمارس هيئة الحقيقة والكرامة مهامها بالحيادية والاستقلالية التامة، كما يحجّر التدخل في أعمالها أو التأثير على قراراتها.

ب- هي شكل من الأشكال الرمزية لجبر الضرر:

ما ينفك الماضي من أن يكون جزءًا من الحاضر بالنسبة لضحايا انتهاكات حقوق الانسان، فما عاشه هؤلاء لا يمحي من ذاكرتهم مهما طال الزمن خاصة وآن آثار هذه الانتهاكات لا تزال تصاحبهم سواء كانت أثارًا على أجسادهم أو ذكريات في أذهانهم12.

اقرأ/ي أيضًا: كانت سجونًا ومعتقلات تعذيب.. هل تصبح مراكز للذاكرة التونسية؟ (صور حصرية)

نتيجة لهذا، فالتعويضات المادية لا تعيد الزمن إلى الوراء ولا تنسي الضحايا ما عاشوه وهي ليست مقابلًا ماديًا لما عاشه هؤلاء وليست شراء لسكوتهم. لكن التعويضات الرمزية من شأنها أن تلعب دورًا هامًا في إعادة الاعتبار للضحايا وأن تضعهم في موضعهم الأصلي كأصحاب حق تجاه الدولة كمواطنين.

في هذا السياق، عرف الفصل الأول من القانون عدد 53 لسنة 2013 مسار العدالة الانتقالية على أنه مسار متكامل من الآليات. وقد أكد ذلك الفصل 39 عندما أدرج وضع برنامج شامل لجبر ضرر فردي وجماعي لضحايا الانتهاكات في مجموعة مهام الهيئة.

وتعد آلية حفظ الذاكرة إحدى الأشكال الرمزية لجبر الضرر، ويتجلى ذلك من خلال الفصل 5 الذي ربط بين حفظ الذاكرة الوطنية وتخليد ذكرى الضحايا. ونظرًا لكونها من آليات جبر الضرر، فإن آلية حفظ الذاكرة معنية بمنطوق الفصل 11 من قانون العدالة الانتقالية الذي يدعو إلى الأخذ بعين الاعتبار إمكانيات الدولة وخصوصية بعض الفئات عند تحديد شكل جبر الضرر.

ج- هي إحدى ضمانات عدم تكرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان:

عند الرجوع إلى الفصل 5 من قانون العدالة الانتقالية، نتبيّن أن أحد الأهداف التي وضعها المشرّع لآلية حفظ الذاكرة الوطنية هي استخلاص العبر. وقد أكد الفصل 43 في فقرته الأولى على ذلك، إذ تتولى الهيئة تقديم التوصيات والاقتراحات التي تراها لتجنب العودة إلى القمع والاستبداد وانتهاك حقوق الإنسان وسوء التصرف في المال العام. ومن هذه التوصيات ما جاء في الفصل 44 من نفس القانون وهي التوصيات المتعلقة بحفظ الذاكرة13. ويتطابق هذا مع ما جاء في توطئة الدستور حيث نصت السلطة التأسيسية على أن وضع الدستور الجديد قائم على مجموعة من الأسس من بينها القطع مع الظلم والحيف والفساد14.

إن العدالة الانتقالية هي قراءة في صفحات النظام السابق من أجل طيها والمرور إلى نظام ديمقراطي وإلى السلم الدائم

يعني استخلاص العبر، حسب ما جاء في الفصل 5، الاتعاظ من الدروس التي ستعطيها مخرجات هيئة الحقيقة والكرامة وهي أساسًا الذاكرة الوطنية. ففي النظام السابق، كانت حقيقة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان أمر مسكوت عنه أو بالأحرى موضوع إنكار دائم من قبل السلطة مما خلق مناخًا للإفلات من العقاب في تونس قبل الثورة وحتى بعدها15. يعتبر البعض، في هذا السياق، أن حفظ الذاكرة هو مرور من الذاكرة الصامتة إلى الذاكرة المتكلمة والنشيطة16.

ولضمان عدم تكرار الانتهاكات في المستقبل، أدرج الفصل 39، ضمن مهام هيئة الحقيقة والكرامة، مهمة اقتراح المعالجات التي تحول دون تكرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان مستقبلًا. وقد نص النظام الداخلي للهيئة في فصله 63 على أنه من مهام هذه الأخيرة التوصية باتخاذ كل التدابير التي تراها ضرورية لحفظ الذاكرة الوطنية لضحايا الانتهاكات كما يمكن لها إقامة الأنشطة اللازمة لذلك. وللاضطلاع بهذه المهمة على أحسن وجه، مكن القانون هذه الهيئة مجموعة من السلطات صلب الفصل 40 منه17.

ه- هي سعي إلى تحقيق المصالحة والسلم الاجتماعية:

إن العدالة الانتقالية هي قراءة في صفحات النظام السابق من أجل طيها والمرور إلى نظام ديمقراطي وإلى السلم الدائم. عند الرجوع إلى قانون العدالة الانتقالية والنظام الداخلي للهيئة، يُستنتج السعي إلى المصالحة والسلم الاجتماعية من خلال عديد الفصول. في هذا السياق، ينص الفصل 15 على أن المصالحة تهدف إلى "تعزيز الوحدة الوطنية وتحقيق العدالة والسلم الاجتماعية وبناء دولة القانون وإعادة ثقة المواطن في مؤسسات الدولة".

اقرأ/ي أيضًا: مسار العدالة الانتقالية.. استحقاق دستوري رهين مدّ وجزر الإرادة السياسية

كما ينص الفصل 63 من النظام الداخلي للهيئة على أن لجنة حفظ الذاكرة الوطنية تتكفّل بصياغة المقترحات والإجراءات التي تعزّز البناء الديمقراطي وتساهم في بناء دولة القانون، ونشر قيم التسامح والمواطنة واحترام حقوق الإنسان ونبذ العنف.

إذًا، تستدعي المصلحة الوطنية النسيان أو بالأحرى التناسي. في هذا السياق وعلى هامش مؤتمر نظم في ملعب الشهداء في كنساشا عاصمة جمهورية الكنغو الديمقراطية، قال أب فقد ابنه، في شهادته، إنه فقد ابنه وأنه يعرف من قتله لكنه نسي وصفح من أجل مصلحة الأمة ومن أجل إقامة السلم18.

في هذا الإطار، ينص الفصل 43 من قانون العدالة الانتقالية والفصل 63 من النظام الداخلي على أنه من مهام الهيئة عامة ولجنة حفظ الذاكرة الوطنية بصفة خاصة صياغة التوصيات والمقترحات والإجراءات التي تعزز البناء الديمقراطي وتساهم في بناء دولة القانون.

2- هي آلية تتقاطع وتتكامل مع بقية آليات العدالة الانتقالية

إن الاقتصار على آلية دون أخرى من جملة الآليات والوسائل المعتمدة في مسار العدالة الانتقالية من شأنه أن يفشل المسار برمته19. في هذا السياق، إن آلية حفظ الذاكرة، بوصفها وسيلة رمزية لجبر الضرر، لا يجب أن تكون مقترنة بوسيلة مادية لجبر الضرر، في جانبيه المادي والرمزي، والذي يسعى إلى إعادة الاعتبار للضحية. لذلك فالاقتصار على حفظ الذاكرة دون اعتماد وسائل مادية ورمزية أخرى لجبر الضرر قد لا ينال قبول الضحايا مما يضع مسار العدالة الانتقالية أمام إمكانية الفشل.

أما بوصفها ضمان لعدم تكرار الانتهاكات، فإن آلية حفظ الذاكرة لا يمكنها أن تضمن عدم تكرار الانتهاكات دون القيام بالفرز الوظيفي وإصلاح المؤسسات. في هذا الإطار، يرى بعض الدارسين أن الفرز الوظيفي وإصلاح المؤسسات آلية يجب أن تسبق جميع الآليات20. فهي ضمان لتحقيق سليم وضمان لإصدار أحكام قضائية عادلة وأيضًا ضمان لتنفيذ هذه الأحكام21. وترتيبًا على هذا، فهي الضامن الوحيد لصياغة حقيقة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان قبل جعلها موضوع الذاكرة الوطنية. متصديقا للذلط ، للهيئة، حسب الفصل 43 من القانون عدد 53 لسنة 2013، اقتراح إعفاءات في الإدارة22.

 إن الاقتصار على آلية دون أخرى من جملة الآليات والوسائل المعتمدة في مسار العدالة الانتقالية من شأنه أن يفشل المسار برمته

في تونس ومنذ سنة 2011، انطلق مسار العدالة الانتقالية دون أن يكون هناك تفعيل لجميع آلياتها. فبعد صدور المرسوم عدد 40 لسنة 2011 المؤرخ في 19 ماي 2011 المتعلق بجبر الأضرار الناتجة عن الاضطرابات والتحركات الشعبية التي شهدتها البلاد، صرفت الحكومة تعويضات مالية لعائلات شهداء الثورة التونسية وإلى جرحاها دون اتخاذ إجراءات رمزية لجبر الضرر ودون الخوض في إصلاح الإدارة أو في كشف الحقيقة أصلًا. زيادة على ذلك، كانت السلطة السياسية ممثلة في رئاسة الحكومة تشكك في ضرورة قراءة صفحة الماضي قبل المرور إلى نظام ديمقراطي23.

كذلك، عند الاطلاع على مضمون المرسوم المذكور وعلى الأمر عدد 790 لسنة 2011 مؤرخ في 27 جوان 2011 يتعلق بضبط صيغ وإجراءات وشروط تطبيق أحكامه، نتبين تحرّج السلطة السياسية في معالجة إرث الماضي. وحتى عنوان المرسوم، جبر الأضرار الناتجة عن الاضطرابات والتحركات الشعبية التي شهدتها البلاد، يبيّن التردد في تكييف ما عاشته البلاد في الفترة الممتدة بين 17 ديسمبر 2010 و14 جانفي 2011.

جعل هذا البعض يشكك في جدية السلطة السياسية في معالجة إرث الماضي، والذي يراه البعض نصًا قانونيًا يخدم المصالح الاقتصادية للمستثمرين ولا يخدم الذين خاطروا بحياتهم لإسقاط النظام السابق. وسعت السلطة السياسية إلى تدارك الأمر بإصدار المرسوم عدد 97 لسنة 2011 المؤرخ في 24 أكتوبر 2011 يتعلق بالتعويض لشهداء ثورة 14 جانفي 2011 ومصابيها. لكن كان واضحًا أن السلطة اقتصرت في معالجتها لإرث الماضي على التعويضات المادية دون الخوض في الجانب الرمزي وفي كشف الحقيقة وفي حفظ الذاكرة.

ونتيجة لهذا، كانت قائمة شهداء الثورة والجرحى التي تم تقديمها يوم الجلسة الافتتاحية للمجلس الوطني التأسيسي مصدر استنكار واستهجان من عائلات الشهداء ومن الجرحى ومن المجتمع المدني، إذ عكست عدم الجدية في معالجة إرث ماضي النظام السابق.

وقطعًا مع ذلك، أنشأت بعد انتخابات 2011 وزارة لحقوق الإنسان والعدالة الانتقالية التي أحدث لجانًا فنية تشرف على الحوار الوطني للعدالة الانتقالية والتي انتهى عملها بإصدار القانون عدد 53 لسنة 2011 المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية ليقف هذا القانون على مختلف آليات العدالة الانتقالية ويضمن التكامل بينها.

 

المصادر والمراجع:

[1] Edward HALLETT CARR, What’s the history, Penguin books, 2nd edition, 1987, pp.22-23.

[2] Jean-Philippe GENET, « Le politique (l’état, le pouvoir, les forces), in (dir) Jean-François SIRINELLI, Pascal CAUCHY, Claude GAUVARD, Les historiens français à l'œuvre, 1995-2010, PUF, 2010, p.175.

[3]  نشأ في عهد الخلافة الأموية خلاف بين مدرستين فقهيتين وهم الجبرية والمعتزلة. تقول الأولى بوجوبية الرضاء بظلم الحاكم للرعية وذلك لأنه قضاء وقدر من الله وهم بالتالي مجبورون على طاعته والرضاء بما يأتيه وعدم السعي لتغييره بالثورة. أما الثانية لا تقول بمسالة القضاء والقدر في تناولها للعلاقة بين الحاكم والرعية بل تنادي بوجوبيه التصدي لجور الحاكم وظلمه بقوة السلاح إن أمكن. انظر علي محمد الصلابي، الدولة الأموية عوامل الازدهار وتداعيات الانهيار، مجلد 1 و2، دار المعرفة بيروت لبنان 2008. وانظر نبيل علي صالح، "المعتزلة، تيار فكري حر ونهج عقلاني رفضته بيئة الإسلام الباكر".

[4] حسن عدنان، التاريخ قد يكتبه الضعفاء أيضًا، مقال منشور بتاريخ 06 أوت/أغسطس 2011.

[5]  أول لجنة للحقيقة والمصالحة عرفها العالم تأسست في أوغندا عام 1974 على يد الديكتاتور الأوغندي الراحل عيدى أمين بايعاز إثر ضغوط من مجموعات حقوق الإنسان.

[6] الفصل 5 من القانون عدد 53 لسنة 2013 المؤرخ في 24 ديسمبر 2013 والمتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها: "حفظ الذاكرة الوطنية حق لكل الأجيال المتعاقبة من التونسيات والتونسيين وهو واجب تتحمله الدولة وكل المؤسسات التابعة لها أو تحت إشرافها لاستخلاص العبر وتخليد ذكرى الضحايا".

[7] الفصل 44 من القانون عدد 53 لسنة 2013 المؤرخ في 24 ديسمبر 2013 والمتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها: " توصي الهيئة باتخاذ كل التدابير التي تراها ضرورية لحفظ الذاكرة الوطنية لضحايا الانتهاكات كما يمكن لها إقامة الأنشطة اللازمة لذلك".

[8]  عبد الفتاح عمر، الوجيز في القانون الدستوري، تونس، مركز الدراسات والبحوث والنشر، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، 1987، ص. 253.

[9] الفقرة الأولى من توطئة دستور 27 جانفي 2014 "واعتزازًا بنضال شعبنا من أجل الاستقلال وبناء الدولة والتخلّص من الاستبداد استجابة لإرادته الحرّة، وتحقيقا لأهداف ثورة الحرية والكرامة ثورة 17 ديسمبر 2010-14 جانفي2011، ووفاءً لدماء شهدائنا الأبرار ولتضحيات التونسيين والتونسيات على مرّ الأجيال، وقطعا مع الظلم والحيف والفساد".

[10] الفصل 32 من الدستور: " تضمن الدولة الحق في الإعلام والحق في النفاذ إلى المعلومة. تسعى الدولة إلى ضمان الحق في النفاذ إلى شبكات الاتصال".

[11] قرار الجمعية العامة عدد A/RES/68/165 بتاريخ 18 ديسمبر 2013 حول الحق في الحقيقة، قرار الجمعية العامة عدد A/RES/60/147 بتاريخ 16 ديسمبر 2005 حول الحق في الحقيقة، قرار مجلس حقوق الإنسان عدد A/HRC/RES/12/12 بتاريخ 19 أكتوبر 2009 حول الحق في الحقيقة. قرار مجلس حقوق الإنسان عدد A/HRC/RES/14/7 يتعلق بإعلان يوم 24 مارس يوماً عالمياً للحق في معرفة الحقيقة فيمـا يتعلـق بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ولاحترام كرامة الضحايا. الفصل 24 من الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري.

[12]  في دولة الزمبابوي هناك مثل شعبي يقول "إن الفأس عندما تقطع الشجرة تنسى ذلك بمجرد قطعها أما الشجرة فلا تنسى ذلك البتة".

[13] الفصل 44: "توصي الهيئة باتخاذ كل التدابير التي تراها ضرورية لحفظ الذاكرة الوطنية لضحايا الانتهاكات كما يمكن لها إقامة الأنشطة اللازمة لذلك".

[14] توطئة دستور 27 جانفي 2014: "نحن نوابَ الشعب التونسي، أعضاءَ المجلس الوطني التأسيسي، اعتزازا بنضال شعبنا من أجل الاستقلال وبناء الدولة والتخلّص من الاستبداد استجابة لإرادته الحرّة، وتحقيقا لأهداف ثورة الحرية والكرامة ثورة 17 ديسمبر 2010-14 جانفي2011، ووفاءً لدماء شهدائنا الأبرار ولتضحيات التونسيين والتونسيات على مرّ الأجيال، وقطعا مع الظلم والحيف والفساد،... فإننا باسم الشعب نرسم على بركة الله هذا الدستور.."

[15] International Crisis Group, Tunisie : lutter contre l’impunité, restaurer la sécurité Rapport Moyen-Orient/Afrique du Nord de Crisis Group N°123, 9 mai 2012, pp.4 et 19. Voir aussi FIDH, La Tunisie post Ben Ali face aux démons du passé : Transition démocratique et persistance de violations graves des droits de l’Homme, Juillet 2011 N°567f.

[16] Mohamed el Ayadi, « Commentaire », Histoire et mémoire, les cahiers bleus n°6, Friedrich Ebert Stiftung et Fondation Abderrahim Bouabid, 2006, pp.18.

[17]  الفصل 40 ـ لإنجاز مهامها تتمتع الهيئة بالصلاحيات التالية : * النفاذ إلى الأرشيف العمومي والخاص بقطع النظر عن كل التحاجير الواردة بالتشريع الجاري به العمل، * تلقي الشكاوى والعرائض المتعلقة بالانتهاكات على أن يستمر قبولها لمدة سنة انطلاقا من بداية نشاطها ويمكن للهيئة تمديدها لمدة أقصاها ستة أشهر، * التحقيق في كل الانتهاكات المشمولة بأحكام هذا القانون بجميع الوسائل والآليات التي تراها ضرورية مع ضمان حقوق الدفاع، * استدعاء كل شخص ترى فائدة في سماع شهادته أو التحقيق معه ولا تجوز مجابهتها بالحصانة، * اتخاد كافة التدابير المناسبة لحماية الشهود والضحايا والخبراء وكل الذين تتولى سماعهم مهما كان مركزهم بخصوص الانتهاكات المشمولة بأحكام هذا القانون وذلك بضمان الاحتياطات الأمنية والحماية من التجريم ومن الاعتداءات والحفاظ على السرية وذلك بالتعاون مع المصالح والهياكل المختصة، * الاستعانة بأعوان السلطة العامة لتنفيذ مهامها المتصلة بالتقصي والتحقيق والحماية، * مطالبة السلط القضائية والإدارية والهيئات العمومية وأي شخص طبيعي أو معنوي بمدها بالوثائق أو المعلومات التي بحوزتهم، * الاطلاع على القضايا المنشورة أمام الهيئات القضائية والأحكام أو القرارات الصادرة عنها، * طلب معلومات من جهات رسمية أجنبية ومنظمات أجنبية غير حكومية طبق المعاهدات والاتفاقيات الدولية المبرمة في الغرض وجمع أية معلومات من ضحايا وشهود وموظفين حكوميين وغيرهم من بلدان أخرى بالتنسيق مع السلطة المختصة، * إجراء المعاينات بالمحلات العمومية والخاصة والقيام بأعمال التفتيش وحجز الوثائق والمنقولات والأدوات المستعملة ذات الصلة بالانتهاكات موضوع تحقيقاتها وتحرير محاضر في أعمالها ولها في ذلك نفس صلاحيات الضابطة العدلية مع توفير الضمانات الإجرائية القضائية اللازمة في هذا الشأن، * الالتجاء إلى أي إجراء أو آلية تمكنها من كشف الحقيقة.

[18] Tyrone Savage, « La justice, la vérité ou la réconciliation - des Dilemmes et des stratégies en Afrique du Sud, au Mozambique et en République Démocratique du Congo », in, Pour la vérité, la paix et la conciliation, actes de séminaire, Bruxelles 18 - 19 mars 2007, organisée par CFDA, SOS Disparus, FIDH, Djazaïrouna, ANFD et Somoud, pp. 127.

[19] Alexander Mayer-Rieckh, « Réforme du système de sécurité et procédures de vérification et de filtrage de la fonction publique (vetting », La justice transitionnelle dans le monde francophone : état des lieux, Conference Paper 2/2007, Dealing with the Past – Series, Political Affairs Division IV, Federal Department of Foreign Affairs FDFA pp.48.

[20] Alexander Mayer-Rieckh, Idem, pp.44.

[21] Ibid, pp.50.

[22]  الفصل 43 ـ "تتولى الهيئة: ... . 4 ـ إحداث لجنة يطلق عليها "لجنة الفحص الوظيفي وإصلاح المؤسسات"، يضبط النظام الداخلي للهيئة تركيبتها وسير أعمالها، تتولى المهام التالية : * تقديم مقترحات عملية لإصلاح المؤسسات المتورطة في الفساد والانتهاكات، * تقديم مقترحات لغربلة الإدارة وكل القطاعات التي تستوجب ذلك. وتصدر اللجنة للجهات المختصة توصيات بالإعفاء أو الإقالة أو الإحالة على التقاعد الوجوبي في حق كل شخص يشغل إحدى الوظائف العليا بالدولة بما في ذلك الوظائف القضائية إذا تبين أنه:

 أ ـ قدم تقارير أو معلومات للتجمع الدستوري الديمقراطي المنحل أو البوليس السياسي نتج عنها ضرر أو انتهاك على معنى هذا القانون،

ب ـ قام بعمل عن قصد نتج عنه مساندة أو مساعدة للأشخاص الخاضعين لأحكام المرسوم عدد 13 لسنة 2011 في الاستيلاء على المال العام،

ت ـ قد ثبتت مسؤوليته في الانتهاكات على معنى هذا القانون".

[23] Héla Boujneh, « Bilan de la justice transitionnelle : Part II : La situation tunisienne », [en ligne], publié le 19 février 2013.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عادل المعيزي: مثّلنا الدولة التي تعرّي نفسها في هيئة الحقيقة والكرامة (حوار)

ابتهال عبد اللطيف: تقرير "الحقيقة والكرامة" ضعيف وملفات سُويت في الظلام (حوار)