كانت سجونًا ومعتقلات تعذيب.. هل تصبح مراكز للذاكرة التونسية؟ (صور حصرية)

كانت سجونًا ومعتقلات تعذيب.. هل تصبح مراكز للذاكرة التونسية؟ (صور حصرية)

توصيات بتحويل سجون ومراكز اعتقال زمن الاستبداد إلى مراكز للذاكرة الوطنية (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

الترا تونس - فريق التحرير

 

أوصت هيئة الحقيقة والكرامة في تقريرها الختامي بتحويل مواقع عديدة ذات علاقة بانتهاكات حقوق الإنسان زمن الاستبداد على غرار مراكز الاعتقال النظامية وغير النظامية والسجون والمعسكرات إلى مراكز للذاكرة الوطنية ومتاحف كي تظل شواهد على الماضي حفظًا للذاكرة على مدى الأجيال القادمة.

فيما يلي عرض لهذه المواقع وتوصيات هيئة الحقيقة والكرامة بخصوصها:

سجن 9 أفريل.. هل يصبح متحفًا يوما ما؟

يُعدّ سجن 9 أفريل واحد من أكثر السجون التي مورست فيها انتهاكات حقوق الإنسان من تنكيل وتعذيب بحق السجناء السياسيين. وقد تأسس هذا السجن زمن الاحتلال الفرنسي عام 1903 وكان مبرمجًا في البداية لاستيعاب 700 سجينًا لكن بلغت طاقة استيعابه عام 1991 حوالي 7000 سجينًا وذلك قبل التخلي عنه عام 2006 بعد بناء "سجن المرناقية" وثم هدمه عام 2009 لطمس كل آثار الانتهاكات.

أفادت تحريات هيئة الحقيقة والكرامة أنه وفق عينة من 12913 ضحية قضوا عقوبة سجنية أدى 55671 ضحية العقوبة بسجن "9 أفريل" وهو من أكثر السجون التي مورست فيها انتهاكات حقوق الإنسان

كان يُعرف سجن 9 أفريل المحاذي وقتها لمستشفى "شارل نيكول" بالعاصمة بالاكتظاظ وانعدام المرافق الصحية الأساسية وسوء الأكل بالاكتفاء غالبًا بـ"الصبة" أو "الراقو" وهي أكلات تتكون من عجين وماء حتى قال عنها المساجين قولة شهيرة "بنتها في سخانتها وقوتها في ماها" وذلك ما ورد في التقرير النهائي لهيئة الحقيقة والكرامة. وكان يتعرض المساجين السياسيين لشتى أنواع التعذيب في أجنحة هذا السجن، إضافة للعنف الجنسي والإهمال الصحي ما أدى لتسجيل وفيات.

مقطع فيديو لزيارة افتراضية للسجن المدني 9 أفريل أعدته الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين

 

اقرأ/ي أيضًا: السجون التونسية زمن الاستبداد.. مسرح للانتهاكات المهينة للذات البشرية

وأفادت تحريات "الحقيقة والكرامة" أنه وفق عينة من 12913 ضحية قضوا عقوبة سجنية، أدى 5671 ضحية العقوبة بسجن "9 أفريل" أي بنسبة 44 في المائة.

وأوصت الهيئة بذلك بترسيم "سجن 9 أفريل" كمعلم أثري وذلك لأهمية التاريخية والإنسانية مع تخصيص حيّز من هذا الموقع لإحداث نصب تذكاري أو معلم أو متحف للذاكرة الوطنية إضافة لوضع معلقات نصية في الموقع تشير إلى تاريخ المعلم.

وأفادت أنها تلقى تأكيدًا من السلط الرسمية على تخصيص جزء من الأرض التي بُني عليها السجن لإنشاء متحف للذاكرة، غير أنها تحدثت عن مماطلة هذه السلطة وتعمّدها لاحقًا تخصيص مساحة غير مستغلة لفائدة وزارة العدل وكمأوى للسيارات.

صباط الظلام.. الموقع السرّي

هو موقع غامض وسرّي طيلة زمن الاستبداد يُسمع عنه ولا يُعرف موقعه بدقة عدا أنه يوجد بمدينة تونس العتيقة وقد أودع فيه المعارضون اليوسفيون فجر الاستقلال ليتعرضوا لأشنع انتهاكات حقوق الإنسان من تنكيل وتعذيب وتصفية جسدية.

أفادت هيئة الحقيقة والكرامة أن الشهادات الواردة عليها بينت أن فريق الجلادين في "صباط الظلام" يقوده كل من حسن العيادي وعلي ورق" ويقوم هذا الفريق باختطاف الضحايا واحتجازهم وتعذيبهم

تؤكد هيئة الحقيقة والكرامة أن تحرياتها انتهت بأن موقع "صباط الظلام" يوجد في نهج الظلام المتفرع عن نهج العروسة المتفرع عن نهج الباشا والموازي لشارع باب بنات، وهو عبارة عن زقاق ضيق مغطّى ويتكوّن المقر الذي يستمد اسمه من اسم الزقاق من منزل كان يُستعمل للاجتماعات ومقر للاحتجاز والتعذيب.

تعرّض اليوسفيون في "صباط الظلام" لأشنع الانتهاكات من تعذيب وتصفية جسدية (خاص وحصري: ألترا تونس)

 

وقالت إن الشهادات الواردة عليها بينت أن فريق الجلادين يقوده كل من حسن العيادي وعلي ورق، ويقوم هذا الفريق باختطاف الضحايا واحتجازهم وتعذيبهم. ولم تفض تحريات الهيئة إلى تأكيد عمليات القتل التي جرت في المكان والتي تشير بعض الشهادات إلى إلقاء جثثهم في بئر موجودة هناك.

وأوصت هيئة الحقيقة والكرامة بترسيم "صباط الظلام" كمعلم للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ووضعه على ذمة المعهد الوطني للتراث للقيام بالحفريات اللازمة لاستكشاف البئر وبقايا الرفاة إن وُجدت. ودعت من جملة توصياتها حول هذا المعلم لإدماجه ضمن المنظومة التعليمية مع تنظيم تظاهرة وطنية تكريمية لضحايا هذا الموقع.

زاوية سيدي عيسى

هي زاوية تقع بمدينة بني خلاد بنابل كانت مقرًا لحفظ القرآن الكريم وتعلم اللغة العربية قبل تحويلها زمن الاستقلال إلى مقر تابع للجان الرعاية البورقيبية لسجن اليوسفيين وتعذيبهم بقيادة عمر شاشية الذي اعتراف في شهادة أمام مركز التميمي في ديسمبر/كانون الأول 2003 بإشرافه على هذا المقر نافيًا عمليات التعذيب.

المقرّ الحالي لزاوية سيدي عيسى (خاص وحصري: ألترا تونس)

 

وأكدت هيئة الحقيقة والكرامة في تقريرها أن شهادات من مواطني مدينة بني خلاد أكدت أن الزاوية حوّلها عمر شاشية لمركز لتجميع اليوسفيين من المناطق المجاورة كمنزل بوزلفة ما خلف قطيعة بين سكان المدينتين وأثرت سلبًا على العلاقات بين العائلات.

وذكر أحد الشهود الذي امتنع عن ذكر اسمه عن وجود 3 أشخاص مكلفين بالتعذيب وهم الشاذلي موسى وحسن التاجوري وخميس التاجوري وشخص رابع مكلّف بنقل الجثث على "كرّيطة" (عربة مجرورة) في الليل لدفنها في مقبرة أطلق عليها تسمية "جبّانة الشرّ" أو إلقائها في بئر مجاورة.

وأوصت الهيئة بذلك ترسيم هذا العقار كمعلم أثري تاريخي مع وضع معلقات تبيّن تاريخه وأسماء الضحايا. ودعت إلى ضرورة رد الاعتبار للمعلم وتحويله إلى متحف الذاكرة الوطنية.

اقرأ/ي أيضًا: "دحروج" و"شافط" و"المسخ".. التخفي الذي كشفته هيئة الحقيقة والكرامة

قصر الأميرات بمنوبة

هو أحد قصور البايات بُني عام 1778 وكان يُعرف باسم "ٌقصر أم الأمراء منانة" التي توفيت عام 1882، وأصبح هذا القصر مقرًا لمدة وجيزة لعائلة الباي وتحديدًا لبناته الأميرات بعد إعلان النظام الجمهوري عام 1957. ثم تحول عام 1975 لسجن للنساء لكن تم التخلي ببناء سجن جديد محاذي له ولكن بقي القصر داخل أسوار السجن.

أوصت هيئة الحقيقة والكرامة بترميم قصر الأميرات وتحويله إلى مركز للذاكرة الوطنية للنساء ضحايا الانتهاكات وإيجاذ منفذ له ليصبح قابلًا للزيارة

وأكدت هيئة الحقيقة والكرامة أن هذا القصر بات مهملًا اليوم يوضع فيه كل الأجهزة والمواد المستعملة في السجن رغم أنه مصنف كمعلم تاريخي أثري منذ عام 1999. وأودعت فيه كسجن عديد السجينات السياسيات ممن تعرّضن للتنكيل والتعذيب والاغتصاب داخل أسوار السجن.

وأوصت الهيئة بتخصيص ميزانية كافية لترميم قصر الأميرات الذي يُعرف أيضًا بقصر مراد باي وإعادة تهيئته تحت إشراف المعهد الوطني للتراث وتحويله إلى مركز للذاكرة الوطنية للنساء ضحايا الانتهاكات وإيجاذ منفذ له ليصبح قابلًا للزيارة من طرف المواطنين.

سجن الناظور ببنزرت

بنى الفرنسيون هذا السجن عام 1932 كحصن عسكري قبل أن يتحول إلى سجن في فترة الاحتلال ثم استمر كمعتقل للمعارضين منذ زمن الحبيب بورقيبة وثم زمن المخلوع زين العابدين بن علي.

تعرّض السجناء في سجن الناظور ببنزرت لشتّى أشكال التنكيل والتعذيب (صالح الحبيبي/أ.ف.ب)

 

واستقبل هذا السجن المورّطين في محاولة الانقلاب على بورقيبة عام 1962 وأودعوا في دهليز السجن، الذي كان مخزنًا للسلاح زمن الاحتلال الفرنسي، وتعرض فيه السجناء لشتى أشكال التنكيل والتعذيب قبل غلق هذا الدهليز عام 1969.

وأوصت هيئة الحقيقة والكرامة بترسيم هذا المعلم كموقع للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وتحويل جزء من الممر المؤدي إلى الدهليز إلى متحف لحفظ الذاكرة الوطنية مع تخصيص منفذ لتمكين العموم وخاصة التلاميذ من زيارة هذا المعلم لاستخلاص العبر.

كرّاكة غار الملح

يتكوّن هذا السجن من ثلاث قلاع حربية في عهد الخلافة العثمانية تحولت إلى 3 سجون لانتهاكات حقوق الإنسان من عهد الاحتلال الفرنسي إلى فترة ما بعد الاستقلال.

سُجن وعُذّب المتورّطون في المحاولة الانقلابية عام 1962 في كرّاكة غار الملح التي لازالت فيها بقايا السلاسل موجودة إلى اليوم

استغل الاحتلال القلاع أو الحصون الثلاث كسجون اثنان منها لمساجين الحق العام والثالث مخصّص للمقاومين، وتواصل تخصيص الحصن الثالث زمن بورقيبة لمعارضيه وتحديدًا للمتورطين في المحاولة الانقلابية عام 1962.

ومازالت إلى اليوم الزنازين على حالتها بحيطانها وإسفلتها المتآكل بسبب العوامل الطبيعية، كما لازالت بقايا السلاسل موجودة.

مركز الشرطة بقعفور

هو مركز الشرطة بمدينة قعفور من ولاية سليانة الذي عُذّب فيه المعارض نبيل البركاتي طيلة 11 يومًا إلى غاية العثور على جثته هامدة ملقاة في قناة لصرف المياه يوم 9 ماي/آيار 1987.

 وقع حرق هذا المبنى إبان الثورة وتم التخلي عن جزء منه، وأوصت هيئة الحقيقة والكرامة بتخصيص هذا الجزء إلى مركز لحفظ الذاكرة يحمل اسم نبيل البركاتي تخليدًا لذكراه.

 

اقرأ/ي أيضًا:

كمال المطماطي.. الوفاة تحت التعذيب والجثة تبحث عن قبر

قلع أظافر ورصاصة في الرأس.. عن قصة مقتل نبيل بركاتي