حوار| شوقي قداس: ثقافة حماية المعطيات الشخصية غائبة في تونس

حوار| شوقي قداس: ثقافة حماية المعطيات الشخصية غائبة في تونس

شوقي قداس رئيس الهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية

 

رغم تقنينها في نصوص واضحة منها ما هو في الدستور ومنها ما هو في شكل قوانين أساسية وقرارات وأوامر، إلاّ أنّ ثقافة حماية المعطيات الشخصية لا تزال متواضعة في تونس وتكاد تكون منعدمة، وفق رئيس الهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية شوقي قداس. إذ تعاين الهيئة باستمرار تجاوزات عدّة تخرق قانون حماية المعطيات الشخصيات، يرتكبها أشخاص عاديون وأجهزة الدولة على حدّ سواء.

"ألترا تونس" توجّه إلى شوقي قداش لمعرفة موقف الهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية من تجاوزات بعض أجهزة الدولة فيما يتعلّق بنشر معطيات خاصة بمرضى فيروس كورونا مؤخرًا، وأيضًا بخصوص التجاوزات الصادرة من بعض النقابات الأمنية، وهو ما أثار ردود أفعال مندّدة لدى الرأي العام، وذلك إضافة إلى التطرق إلى أبرز المواضيع والشكايات التي ترد على الهيئة.

اقرأ/ي أيضًا: النفاذ إلى المعلومة: حق دستوري لم تهضمه الإدارة التونسية

  • كيف تصرّفت الهيئة إزاء كشف بعض البلديات لمعطيات خاصة بمصابين بفيروس كورونا؟

ليست لدينا الإمكانيات المادية والبشرية الكافية لمراقبة كلّ ما يحدث أو يُنشر. ولكن يوجد عدة أشخاص ممّن لديهم ثقافة حماية المعطيات الشخصية، فكلّما لاحظوا تجاوزًا يتم إعلامنا عبر الاتصال بنا ومن ذلك عبر الرسائل. ونحن نقوم بالتثبت من كلّ المعلومات التي تصلنا بالاطلاع على الصحيفة أو صفحة فيسبوك التي تتضمن معطيات شخصية، ونحاول الاتصال بمن قام بخرق قواعد المعطيات الشخصية.

فيما يخصّ تجاوزات بعض البلديات في علاقة بالمصابين بفيروس كورونا، فقد ورد على الهيئة شكاية خاصة ببلدية ساقية الزيت وتواصلنا مع البلدية، وعبرنا عن رفضنا لنشر معطيات خاصة بأشخاص مصابين بالفيروس باعتباره يمثل خرقًا القانون. وقد تفهمت البلدية وحذفت ما نشرته على صفحتها وتم تجاوز الأمر. ووصلنا بهذا الإجراء إلى غايتنا وهي توعية البلدية بعدم نشر المعطيات الشخصية.

شوقي قداس: ليست لدينا الإمكانيات المادية والبشرية الكافية لمراقبة كلّ ما يحدث أو يُنشر ونرفض نشر المعطيات الشخصية الخاصة بمصابين بكورونا

لكن في بعض الأحيان، نواجه بعض الإشكاليات، مثلما حصل مع بلدية بنان، على الرغم من أننا أعلمناها بخرقها القانون، إلا أنّها تمادت في ذلك. فتواصلنا مع رئيس البلدية، لا سيما وأنّه تمّ نشر قائمة تضمّ أسماء 15 شخصًا، ولاحظنا التفاعلات على صفحة البلدية. ولكن لم نر أي تجاوب من رئيس البلدية بل تمسك برأيه بأنّ في ذلك مصلحة للأشخاص. لذا لجأنا للإعلام وأصدرنا بيانًا أعلنا فيه بوضوح أن ذلك يعتبر خرقًا لمقتضيات قانون حماية المعطيات الشخصية، وأنّه لا يمكن للبلدية أن تؤول القانون الذي ينصّ على أنّ للهيئة السلطة الحصرية لتأويل القانون، وتقول ما هو جائز وما هو غير جائز وذلك تحت رقابة القضاء. فإذا كان تأويل الهيئة خاطئَا، يُمكن رفع قضية لدى محكمة الاستئناف.

وتحدثت في الإعلام عن تلك التجاوزات وإمكانية توجه الهيئة لوكيل الجمهورية. وتحدثتُ عن العقوبات خاصة عقوبة السجن التي قد تطال رئيس البلدية. ويبدو أنّه خاف، وإلى حدّ الآن غير مقتنع، ولكن تهديد السجن هو ما دفعه إلى سحب المنشور من صفحة البلدية. كما وردت علينا شكاية من بلدية ضد بلدية أخرى قامت بنشر أسماء وسنحيلها إلى وكيل الجمهورية للنظر فيها.

ومثل هذه التجاوزات لا ترتكبها البلديات فقط، إذ أنّ عديد الهياكل الأخرى تقوم بتجاوزات ليس فقط بعلاقة بكورونا بل تشمل عديد المجالات الأخرى.

  • كيف تتصرف الهيئة مثلًا مع التجاوزات التي ترتكبها النقابات الأمنية؟

نفس الأمر، بلغتنا عدّة اتصالات من قبل مواطنين رافضين لنشر اسم أو صور شخص على مواقع التواصل الاجتماعي أو معطيات تتعلق بأحد المقبوض عليهم. ونحن نحاول الاتصال بالجهات المعنية، لأننا إذ اكتفينا بالمراسلات، فإنّ مصلحة كاملة في الهيئة ستبقى فقط ترسل الرسائل. لكن لدينا وسائلنا الخاصة وهي التواصل مع المسؤولين في تلك النقابات. ويوجد بعض الأشخاص لديهم دراية بمسائل حماية المعطيات الشخصية، ويقومون بالتدخل لحذف تلك المنشورات التي تكشف معطيات أشخاص. لكن في صورة تأكدنا من عدم التفاعل، نضطر إلى تقديم شكاية إلى وكيل الجمهورية.

اقرأ/ي أيضًا: من المسؤول عن تسريب معطيات المبلغين عن الفساد؟

  • بم تتعلّق أغلب الشكايات التي ترد على الهيئة؟

خرق المعطيات الشخصية كثيرة وموجودة في عديد المجالات لكن النسبة الكبيرة من الشكايات التي تصلنا تتعلق أساسًا بوسائل المراقبة البصرية. وعدد الإحالات على الهيئة التي تهم هذا الأمر تبلغ أكثر من 70 في المئة. والشاكي غالبًا قبل قدومه للهيئة يكون قد قام بمعاينة عبر عدل منفذ مع تقديم صور، ونحن نقوم بمعاينة الخرق، والتثبت ما إذا كان الشخص قد قام بتركيز كاميرا مراقبة دون ترخيص، أو ما إذا كانت عملية تركيز الكاميرا مخالفة للترخيص المتحصل عليه أو معاينة ما إذا قام الشخص بتركيز الكاميرا على الطريق العام أو كاميرا مطلة على منزل أحد الجيران. وفي هذه الحالات، نحيل الملف إلى وكيل الجمهورية.

شوقي قداس: هناك تركيز كبير على مسألة كاميرات المراقبة، دون الاهتمام ببعض المعطيات التي تسجلها بعض الأجهزة أو الهياكل الخاصة على غرار المصحات وترسلها إلى جهات أجنبية

ونحن لا نرفض تركيز كاميرات مراقبة. إذ قمنا بمنح أكثر من 8 آلاف رخصة في تركيز كاميرات مراقبة، ورخصنا لوزارة الداخلية والديوانة لتركيز أجهزة مراقبة، إضافة إلى الترخيص للبلديات بتركيز أجهزة في الطريق العام. ونحن نسمح بتركيز هذه الأجهزة طبق قانون حماية المعطيات الشخصية للعام 2004، والذي ينص على أنّه لا يمكن تركيز كاميرات مراقبة إلا في ثلاث أماكن، وهي أماكن العمل الجماعي أي مكان عمل فيه عدد كبير من الأشخاص، وكلّ ما له علاقة بالنقل من مطارات ومحطات نقل وحتى داخل بعض وسائل النقل، إضافة إلى الأماكن المفتوحة للعموم مثل دكان أو إدارة. ودون الثلاثة أماكن هذه، لا يُسمح بتركيز كاميرات مراقبة، ولا يمكن لأي شخص تركيز كاميرا مراقبة أمام بيته من تلقاء نفسه. ففي كل العالم لا يوجد قانون يسمح للأشخاص بتركيز كاميرات مراقبة تطل على الشارع. لذا فإنّ أكبر عدد من التراخيص التي تمنحها الهيئة هي تراخيص تركيز كاميرات مراقبة وفي نفس الوقت أكبر الشكايات التي ترد على الهيئة لها علاقة أيضًا بكاميرات المراقبة.

لكن هناك تركيز كبير على مسألة كاميرات المراقبة، دون الاهتمام ببعض المعطيات التي تسجلها بعض الأجهزة أو الهياكل الخاصة على غرار المصحات وترسلها إلى جهات أجنبية، وهذا بسبب غياب ثقافة حماية المعطيات الشخصية.

كما أن الإعلام مقصّر في مسألة نشر ثقافة حماية المعطيات الشخصية وهو حق لا يقل أهمية عن بقية الحقوق. وقد أرسلنا من جهتنا مراسلة شخصية لجميع أعضاء البرلمان، 217 نائبًا، ومراسلة لكل الوزراء الجدد للفت الانتباه إلى ما يجب أن يحصل، وأنه لدينا قانون خاص بحماية المعطيات الشخصية، وأننا صادقنا على معاهدة دولية، إضافة إلى إعلامهم بوجود مشروع قانون منذ سنة 2018 بالبرلمان لم يطلع عليه أي أحد.

  • ما ردك على الادعاء بأنّ حماية المعطيات الشخصية قد تكون عائقًا أمام النفاذ إلى المعلومة لكشف فساد ما؟

هناك معادلة بين الحقوق ولا حق يسبق أي حق آخر. إذ يوجد حق في النفاذ إلى المعلومة، في المقابل لدينا حق في حماية المعطيات الشخصية. والمشرع في هذه المسألة خاصة في الفصل 24 من الاستثناءات في قانون النفاذ إلى المعلومة نصّ على حماية المعطيات الشخصية. فيما ذكر في الفصل 27 من القانون أنّ كلّ هيكل يرد عليه مطلب في النفاذ إلى المعلومة وفيه معطيات شخصية، يحجب المعطى الشخصي ويمنح المعلومة. وهنا تم حل الإشكال. فمن جهة منح المشرع الحق في النفاذ إلى المعلومة، وفي نفس الوقت قام بحماية المعطيات الشخصية.

شوقي قداس: مشروع قانون حماية المعطيات الشخصية موجود في البرلمان منذ عام 2018 والإعلان مقصّر في نشر ثقافة حماية معطيات الشخصية

كما أنّ قانون النفاذ إلى المعلومة أدى إلى عدد  كبير من مطالب النفاذ التي ترد على الهيئة ما جعلها غير قادرة على النظر فيها كلها، وتأخذ قرارات أكثرها باتت تحال على الاستئناف أمام المحكمة الإدارية، التي تعاني من جهتها نقصًا في الإمكانيات البشرية. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

المستفيد من أول قرار للنفاذ إلى المعلومة: هذه قصتي مع مطالب النفاذ (2/1)

المستفيد من أول قرار للنفاذ إلى المعلومة: هذه قصتي مع مطالب النفاذ (2/2)