في أدب السجون: قصائد عمّار منصور المهرّبة من السجن نموذجًا

في أدب السجون: قصائد عمّار منصور المهرّبة من السجن نموذجًا

الكتابة الشعريّة هي وسيلة لمقاومة رداءة الفضاء السجنيّ الضيق (Getty)

 

كثيرًا ما مثّل السجن مكانًا ملهمًا للكتابة والإبداع، إذ يوجد أدب السجون أينما يوجد القهر والقمع السياسي، مهما كانت اللّغة والمكان والزمان. هو الأدب المخترق للمصر والعصر، وهو شكل من أشكال التعبير الذّاتية والأدبية والتّاريخية والسياسية. ولعلّ أشهر الكتابات العربية التّي تناولت السجن كموضوع للمعارضة السياسيّة "العصفور الأحدب" لمحمد الماغوط (1963) و"شرق المتوسط" لعبد الرحمان منيف (1975) و"مذكراتي في سجن النساء" لنوال السعداوي (1984) وغيرها من الأعمال التّي روت ونقلت تفاصيل الحياة في السجن وتطلّعات السجناء للحريّة والكرامة الإنسانيّة.

اختلفت آراء الشعراء والأدباء والكتّاب حول السجن وتنوّعت تمثّلاتهم لتجربته، فقد مثّل أدب السجون أدبًا واقعيًا يوثٌّق محطات حياة العديد من المثقفين المقاومين للاستبداد منذ زمن حكم الحبيب بورقيبة إلى حدّ الإطاحة بنظام بن علي واندلاع الثّورة. السجن هو ذلك العالم المغلق الذّي يسمح فيه بانتهاك الذّات البشرية وتؤجل فيه الأحلام إلى وقت بعيد. وقد اتّخذ بعض السجناء، خاصّة من الكتّاب والشعراء والنشطاء السياسيين وسجناء حريّة التعبير والرأي، من الكتابة وسيلة لمواصلة حلمهم بالحريّة. كيف كان ذلك؟ كيف يتحرّر السجين من سجنه معنويًا؟

ألف المناضل والصحفي والشّاعر عمّار منصور قصائد خلال فترة سجنه بسبب نشاطاته السياسية في السبعينيات تصنف ضمن "أدب السجون"

اخترنا الحديث عن المناضل السياسي والصحفي والشّاعر عمّار منصور، وهو من مواليد 1950 في قرية المنصورة من ريف قبلي، نشأ في أسرة فلاّحين وأظهر ولعه بالأدب منذ يفاعته، وقد تلقى تكويًنا جامعيًا في الآداب العربيّة كلّله بالنشاط السياسي الإيديولوجي داخل أسوار الجامعة التونسيّة. انضم للاتحاد العام لطلبة تونس وللتنظيم السريّ لحركة "آفاق تونس" (Perspectives)، وكان من الحالمين بتكوين حزب عمّالي ثوري يحمل هموم الشعب، لتحمله أفكاره إلى ظلمات السجون ليقضي فيها قرابة ثلاث سنوات من 1973 إلى 1976، ليغادر بعد ذلك السجن ويستأنف عمله الصحفي بإحدى الجرائد الوطنيّة.  

ولئن سلب السجن من الشّاعر عمّار منصور حريّته بسبب معارضته ونشاطاته السياسيّة، فإنّه لم يسلب منه قدرته وطاقته الإبداعيّة التّي سخّرها للالتزام بقضايا وجوديّة وفكريّة وسياسيّة وطنيّة وعالميّة. وهو يقول عن معنى الالتزام: 

"أعتقد ان التجربة أو المحنة التي مررت بها لم أخضها من باب الطموح الشخصي الضيق، وإنما من باب القناعات الفكرية والوجودية بالأساس وبدرجة أقل سياسية. لذلك أعتقد، ولا أدّعي، أن ما قمت به ليس (مزية) على هذه البلاد أو على أي شخص كان، وإنما أعتبرها محاولة بسيطة لإرضاء ضميري الحائر إلى درجة العذاب والذي لا يزال كذلك إلى الآن، معذب من عديد القضايا الوجودية سواء محلية أو قومية أو أممية وأعتقد أنها تشكل بؤرة التوتر في حياتي إلى اليوم".

ويضيف مسترسلًا "ربما على هذا الأساس، فإن تجربتي السجنية، وكذلك الأشعار التي كتبتها وأنا داخل السجن لم يطّلع على بعض جوانبها بل لم يسمع بها كثير من الأصدقاء والزملاء إلا فيما شذّ وندر إلى درجة أن بعض الناس يستغربون تمام الاستغراب إذا ذكر بعضهم أن فلانًا شاعر أو كان سجينًا سابقًا. كأنني دفنت نفسي بنفسي أو كأني خرجت من سجن لأدخل الى آخر. أمقت الافتعال والتصنّع وقد أكون مخطئًا في هذا وقد يعود ذلك الى حكم سلبي مطلق على تجربتي من ألفها إلى يائها ولكنه في الحقيقة يشكل احترامًا فعليًا لتلك التجربة".

اقرأ/ي أيضًا: عبد الحميد الجلاصي.. حصاد السجن التونسي

تمخضات تجربة عمّار منصور في السجن

كان عمّار منصور يدوّن قصائده الأولى على أوراق التبغ بواسطة أعواد الثقاب المغموسة في رماد السجائر، وقد كتب كلّ قصائده في الفترة الممتدة من 1974 إلى 1976 بالسجن المدني بتونس وببرج الرّومي.

خلّفت علاقة السجين بالفضاء السجنيّ أضرارًا نفسيّة وانطباعًا عن العالم الوحشي داخل الزنزانة. هل هذا ما ولّد الرغبة في الكتابة الملحة في داخل الشّاعر؟ هل أراد الشّاعر أن يخلق فسحة من الأمل هربًا من ظلمات وأسوار السجن؟

كان عمّار منصور يدوّن قصائده الأولى على أوراق التبغ بواسطة أعواد الثقاب المغموسة في رماد السجائر، وقد كتب كلّ قصائده في الفترة الممتدة من 1974 إلى 1976 بالسجن المدني بتونس وببرج الرّومي

إنّ القارئ لما بين سطور شعر عمّار منصور، يلاحظ أنّ أدب السجون ليس مجرّد حديث عن السجن وتعبير عن التجربة داخل السجن، بل هو عمل إبداعي ينبثق من عمق معاناة الشّاعر ومن إحساسه بالظلم ومن حرمانه من ممارسة حريّته في التعبير عن آراءه حول السياسة والنظام، يذهب الشّاعر إلى أكثر من هذا رغبة منه في مشاركة ألمه وحزنه، قائلًا في هذا السياق:

"لو أستطيع نقل وحشيّتي
لو أستطيع نقل حيرتي
لو أنقل الإحساس بالعدم
لو أنقل الإحساس بالألم
لو أنقل الاحساس بالإهانة
إلى جميع النّاس
من هذه الزنزانة.."

اقرأ/ي أيضًا: جيلبار نقّاش يقدّم "كريستال" في حلتها العربية: أقف وحيدًا على أرض الحرية

على المستوى الدلالي، لا شكّ أنّ هذا النّص الشعري يختزل محنة الشّاعر في سجنه ويرسم ملامح البنية النفسيّة للشاعر، إذ توحي هذه الأبيات الشعريّة عن فضاء سجني مرادف للقتل الرمزي والتعذيب والقهر، أمّا الكتابة فهي إحياء للمعنى والوجود. وكأنّ كلّ محاولة لقطع السجين مع العالم الخارجي، كانت تقابلها كتابة شعريّة كفعل إصرار على الوجود والبقاء، كأننّا إزاء "أنا" واعية وكوجيتو جديد "أنا أكتب إذًا أنا موجود".   

أدب السجون.. أدب مقاوم للسلطة وأدب حالم

كانت الكتابة الشعريّة وسيلة لمقاومة رداءة الفضاء السجنيّ الضيق وفرصة لخلق مساحة نفسيّة ومعنويّة للحلم متجسدة في قيم إنسانيّة عليا مثل الحريّة والثورة والانتصار والملاحم، هي كتابة تمتزج فيها مرارة الواقع بالحلم الثوري، هكذا كتب شاعرنا:

"يا رسل الخراب والدّمار..
وعدنا آت غدا ولن يخيب موعد الأمطار،
و الأحرار
وستدخل الثّورة كلّ دار
و يكتب الشّعب على أقفالكم ملاحم انتصار.."

إنّ توق الشاعر إلى الثورة والتحرّر من السياسي المستبد جعله يقتنع بأنّ التجربة السجنيّة ليست مجرد تجربة إبداعيّة، بل هي أيضًا توثيق لمرحلة تاريخيّة معينة وشهادة على العصر آنذاك بما يتضمنه من استبداد للمعارضين السياسيين بكافة أطيافهم الايديولوجيّة.

كانت الكتابة الشعريّة وسيلة لمقاومة رداءة الفضاء السجنيّ الضيق وفرصة لخلق مساحة نفسيّة ومعنويّة للحلم متجسدة في قيم إنسانيّة عليا مثل الحريّة والثورة والانتصار والملاحم

لم تقتصر الكتابة الشعريّة فقط على تصوير معاناته الفردية ومحنته في السجن، بل تجاوزت ذلك إلى إعادة تشكيل علاقة الشاعر بالوطن والنظام السياسي، وتأكيد الشّاعر ضمنيًا على أنّ الانخراط في النضال ضدّ النظام السياسي هو اختيار ينبع عن وعي عميق بمشاكل البلاد وعقل ناقد للمجتمع، مصوّرًا ذلك في هذه الأبيات:

يسألونك عن تونس
ديمقراطيّة
ينتخب النّاس الصحف الرسميّة
والتّاريخ الرّسمي
والفنّ الرسمي
ينتخبون الأزياء الرّسمية
تونس لا تؤنس
لا إمساك وتشطيب
وصياح فتاة مخنوقة
في جوف اللّيل
من جرّاء التعذيب.."

يبدو أنّ الكتابة الشعريّة كانت الوسيلة الأنسب للتعبير عن مغامرة وجوديّة بحثًا عن ذاته من جديد في مكان يسلب منه حريّته وكرامته الانسانيّة، وتحدّي المكان بحدّ ذاته على اعتبار أنّ مواصلة الكتابة من وراء قضبان السجن هو أمر شاق بالأساس لمواصلة نقل معاناته اليوميّة وحرمانه من لذّة التدخين قائلًا: "الكتابة في السجن ]هي[  فعل مقاومة وإيمان وصدق...  قصائدي التي كتبتها على أوراق السجائر ولا أقصد أوراق علبة السجائر بل لفافة السيجارة، كنت أحرم نفسي من لذة التدخين وأتلف التبغ لأغنم ورقة السيجارة وأصيرها ورقة كتابة قابلة للتهريب خارج السجن" مطلقًا العنان لنفسه، ليجد نفسه من جديد أمام القبول بتجربة السّجن كواقع مرير يجب عيشه وتجاوزه والبدء من جديد نحو عالم أرحب ليكتب:

" وابدأ من البدء كأنّ ما مضى انقضى
ولم يكن ما كان
افتح كتاب الشّوق من جديد
ولتغرق الأحزان في الأحزان".

 

اقرأ/ي أيضًا:

السجون التونسية زمن الاستبداد.. مسرح للانتهاكات المهينة للذات البشرية

"دحروج" و"شافط" و"المسخ".. التخفي الذي كشفته هيئة الحقيقة والكرامة