حوار| رئيس هيئة الوقاية من التعذيب: الأمن مارس الاستعراض بعد 25 جويلية!

حوار| رئيس هيئة الوقاية من التعذيب: الأمن مارس الاستعراض بعد 25 جويلية!

رئيس الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب فتحي جراي

 

تعتبر الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب من أبرز الهيئات التي أصدرت التقارير وتابعت عمليات الإيقاف وفرض الإقامة الجبرية في إطار الإجراءات الاستثنائية لِما بعد 25 جويلية وما اتخذه رئيس الجمهورية قيس سعيّد من قرارات.

 "الترا تونس" التقى رئيس الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب فتحي جراي حول عدد من المواضيع فكان الحوار التالي:

  • هيئة الوقاية من التعذيب كانت حاضرة بقوة بعد 25 جويلية سواء من خلال زيارة عدد من الذين كانوا قيد الإقامة الجبرية أو الموقوفين أو حتى كملاحظ خلال المسيرات التي تم تنظيمها. ماهي أبرز ملاحظاتكم؟ وهل سجلتم تجاوزات؟

ما قمنا به من تحركات وأنشطة ليس استثناء وإنما هذا يندرج في إطار عملنا ومهمتنا وليس منة ولا جميلًا، لكن طبعًا بعد 25 جويلية كانت هناك جملة من المتغيرات، نحن بطبيعة الحال نتعامل معها.

وبحسب القانون، مطلوب منا أن نرصد وضعيات الاحتجاز وظروفها داخل أماكن سلب الحرية من نوعية المعاملة والحياة.

إلى جانب ذلك نتلقى إشعارات من المواطنين ونقوم بزيارات تقصٍّ وقائية وقمنا بإصدار تقرير فيه تفاصيل ما سجلناه خلال شهر أوت/أغسطس 2021.

ونحن نشير في تقاريرنا إلى الجانب الإيجابي إذا توفر، لكن أيضًا رصدنا عددًا كبيرًا من الإخلالات والتجاوزات والانتهاكات من قبيل عدم احترام قوانين الضمانات الأساسية المكفولة بنص القانون لذوي الشبهة وهي ضمانات وضعها المشرع لاحترام حقوق الشخص المظنون فيه وخاصة حقوق حفظ كرامته وسلامته الجسدية والمعنوية وعدم ترهيبه أو ترهيب أسرته وإعلامهم بمكان وجوده وإعلامه هو بطبيعة التهمة..

فتحي جراي: الهيئات العمومية مستقلة ومحايدة وهي ركن من أركان الديمقراطية في تونس ودعامة من دعامات إقامة العدل وتكريس الحريات الأساسية وبالتالي لا بدّ من مساعدتها على القيام بدورها 

ولاحظنا أيضًا أن القضاء العسكري تعهد في قضايا تتعلق بمدنيين، وهو ما نعتبره منافيًا للقاعدة الأصلية، فالمدنيون يتقاضون أمام القضاء المدني والعسكريون يتقاضون أمام القضاء العسكري.

أيضًا أشرنا إلى أن ظروف الاحتجاز سواء في مراكز الاحتفاظ والبحث أو السجون مازالت لم ترتقِ إلى المعايير الدولية من ناحية نوعية الحياة أو حتى نوعية المعاملة. وهنا أود أن أشير إلى أن غياب هذه المعايير دفع عددًا من الدول إلى عدم السماح بتسليم مطلوبين تونسيين في الخارج لبلادهم لأنها تخشى عليهم من التعرض لانتهاكات تمس من كرامتهم الجسدية والمعنوية.

اقرأ/ي أيضًا:  بعضهم أدخل السجن وغادر أو في الإقامة الجبرية: أين هم نواب البرلمان؟

وقد لاحظنا أيضًا أن الأمن -وهو المخول قانونًا باستعمال القوة عند الضرورة- أصبح بعد 25 جويلية يمارس نوعًا من الاستعراض في الإيقافات ويستعمل وسائل قوة أكثر مما تتطلبه الوضعية وخاصة فيما يتعلق بالشخصيات العامة وهو ما حدث مثلًا مع النائب عن ائتلاف الكرامة سيف الدين مخلوف أمام مؤسسة سيادية قضائية وهي المحكمة العسكرية. وأعتبرها صورة صادمة خاصة وأنها تصدر عن أعوان الأمن الذين يمثلون أعوان دولة ومطالبون بتطبيق القانون وأن يكونوا الأكثر التزامًا به.

وزياراتنا بطبيعة الحال للسجون ومراكز الاحتفاظ تكشف دائمًا تواصل الاكتظاظ رغم الوضع الوبائي بالإضافة إلى الأكل المتردي والخدمات الصحية المتواضعة.

لكن هناك أيضًا اجتهادات، فالشخصيات العامة التي تم إيواؤها في السجن تمت معاملتها معاملة طيبة ونوعية وفيها نوع من التمييز الإيجابي مقارنة بالبقية.

  • ألا تعتقدون ان المعاملة الطيبة لا بدّ أن تتوفر لكل السجناء وأن الجميع سواسية أمام القانون؟

بطبيعة الحال، الهيئة لا تسأل حتى عن التهمة الموجهة للسجين بل إن كل ملاحظاتنا وأسئلتنا تتعلق بظروف الاحتجاز وظروف المعاملة في أماكن سالبة للحرية.

والهيئة لا تميز بين الأشخاص مسلوبي الحرية وجميعهم سواء أمام القانون وكل حقوقهم مصانة بما فيها الشغل والتكوين والترفيه وإكمال الدراسة والزيارة، فقط هو مسلوب الحرية بقوة القانون وإنصاف العدالة.

  • هل هناك مخاوف ومخاطر على الهيئات بعد 25 جويلية خصوصًا بعد ما حدث مع الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد؟

الهيئات تعاني من بعض المشاكل تتمثل أساسًا في أن بعضها لا يتمتع بوضعية قانونية نهائية وهيئة مكافحة الفساد واحدة منها، ولهذا يسهل اتخاذ قرار في شأنها سواء أكان إداريًا أو سياسيًا.

لكن المفترض أن الهيئات عمومية مستقلة ومحايدة ولا بدّ من مساعدتها على القيام بدورها وهي ركن من أركان الديمقراطية في تونس وهي دعامة من دعامات إقامة العدل وتكريس الحريات الأساسية.

 وأثبتت التجربة أن هذه الهيئات في دول أخرى فيها ديمقراطيات راسخة نجحت في تكريس الحوكمة والشفافية. وبالتالي، لا بدّ أن نتمسك بها إذا أردنا فعلًا أن نضع البلاد على طريق الديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطنة.

فتحي جراي: السلطة المطلقة مفسدة مطلقة، ولا يمكن أن تُجمع كل السلط في يد رجل واحد لفترة طويلة مهما كانت وطنيته وسلامة طويته

حاليًا، كل الهيئات في وضع انتقالي وغير نهائي وقد تطالها قرارات ذات طابع سياسي، لكن في الأصل هذه الهيئات مستقلة تمامًا عن السلطة التنفيذية وكل السلطات الأخرى. كما أنها مستقلة بكل أعضائها وهو أمر في منتهى الأهمية ونشتغل عليه منذ فترة من أجل دعم استقلالية الهيئات من خلال ما أسميناه رابطة الهيئات العمومية المستقلة.  وهي مربط نشيط يربط بين السلطات ودورها نشيط تعديلي.

 والهيئات مطالبة بدعم حقوق الإنسان والشفافية والحوكمة المفتوحة مع القيام بواجباتها كاملة.. فلا يمكن أن نتحدث عن الحق دون الحديث عن الواجب.

ونحن نتوقع في الوضع الحالي للبلاد صدور بعض القرارات السياسية في شأن هذه الهيئات، ونتمنى أن تحترم هذه الهيئات استقلاليتها لأن في ذلك مصلحة عليا للبلاد.

  • بالحديث عن استقلالية الهيئات، ألا ترون أن إلحاق ميزانية الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب برئاسة الحكومة يتعارض مع مبدأ الاستقلالية؟

لقد تحدثنا دائمًا في هذا الموضوع وقلنا إن استقلالية الهيئة منقوصة من جهة رصد الميزانية المناسبة لنا إذ تخصص لنا كل سنة ميزانية أقل من احتياجاتنا وذلك يمس من استقلاليتنا.

  •  منذ الثورة إلى اليوم، تم تناول موضوع السجون التونسية في ندوات وملتقيات وزيارات وتوصيات.. هل تغير واقع السجون في الـ10 سنوات؟

 أعتقد أن وضعية السجون التونسية لم تتغير كثيرًا للأسف الشديد، لأننا أمام عقلية مترسخة مقاومة للتغيير وتتمسك بالأساليب القديمة، فمثلًا البحث الأمني لا يزال قائمًا على الحصول على اعترافات أو "انتزاعها".

العقلية الأمنية لا تزال قديمة وبعيدة عن التغيير رغم أن الموقف الرسمي للدولة التونسية واضح وهو أن أساليب التعذيب وضروب المعاملة اللاإنسانية والمهينة لم تعد سياسة ممنهجة في تونس.

لكن في المقابل، خلو المؤسسات من التعذيب لم يتحقق ولا نزال بعيدين عن المعايير التي صادقت عليها تونس في اتفاقيات دولية.

  • شاهدنا حالات تحولت إلى قضايا رأي عام كسحل شاب في سيدي حسين من قبل عون أمن وتجريده من ملابسه وحرق الأعضاء التناسلية لآخر في مركز إيقاف.. هل تمت محاسبة مرتكبي هذه الأفعال أم أن سياسة الإفلات من العقاب متواصلة؟

الإفلات من العقاب ذهنية قائمة وأمر واقع للأسف، لكن مع ذلك نحن كهيئة وفي كل هذه الوضعيات أو غيرها نقوم بالتقصي والتحريات اللازمة ونقوم  بإحالة قضائية لهذه الوضعيات، إلا أن المسار القضائي في البلاد للأسف بطيء جدًا وإلى الآن في تونس المعاصرة لم يتم الحكم بشكل بات في أي  قضية متعلقة بالتعذيب...وهذا في اعتقادي مؤشر لا يطمئن.

فتحي جراي: بعد 25 جويلية الأمن أصبح يمارس نوعًا من الاستعراض في الإيقافات ويستعمل وسائل قوة أكثر مما تتطلبه الوضعية وخاصة فيما يتعلق بالشخصيات العامة

عمومًا، الهيئة قامت منذ تأسيسها في 2016 بإحالة 100 ملف على القضاء، وأكثر من 600 إحالة إدارية.

ورغم هذا المجهود فإننا في حاجة إلى تعاون هيئات أخرى، كهيئة حقوق الإنسان وغيرها، في معاضدة مجهودنا والعمل على الوقاية.

كما أننا مضطرون لمتابعة الملفات بعد إحالتها والقيام بالتحريات في الإشعار رغم أن ذلك ليس من دورنا، باعتبار أن دورنا الأساسي يتمثل في الحيلولة دون وجود ما يمس بحقوق المسجونين من أجل محاكمة عادلة.

  • بعد 25 جويلية، هناك حديث عن احتمال قطع التمويل على الهيئات من قبل منظمات خارجية. هل هذا ممكن برأيكم؟

لا أعتقد أن هذا الكلام ينطبق على الهيئات لأن تمويلها من الدولة ولديها شركاء من منظمات أممية تساعدها في مشاريع وبرامج عمل وفي بحوث وندوات ودورات تدريب. وهذه المساعدات انحسرت بالفعل منذ سنة 2020، لكن بسبب جائحة كورونا.

اقرأ/ي أيضًا:  الإعلام في تونس بعد 25 جويلية: حرية مهددة ومخاوف من عودة سطوة السلطة عليه

وإلى حد الآن، لم نر جهة أعلنت تراجعها عن برامجها معنا، بالعكس هناك حرص من الشركاء على تواصل التعاون.

لكن قد ينطبق ذلك على منظمات وجمعيات.

  • في ظل هذه الأوضاع الاستثنائية، برأيكم ما المطلوب في المرحلة المقبلة؟

بالنسبة لنا نريد إرادة حقيقية لإنفاذ القانون وتطبيقه بكل عدل وإنصاف وموضوعية ودون مجاملة أو تحامل.

ومن المهم جدًا توضيح الرؤية وتسقيف المرحلة الاستثنائية وطمأنة الناس بأن هياكل الدولة ومؤسساتها ستعود لسير عملها الطبيعي وأن كل المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات. هي رسائل للداخل وللخارج والجميع في انتظارها لأن الوضع الاستثنائي لا يطمئن، ويُتوقع أن تحدث فيه هزات أو قد تكون هناك إجراءات قاسية على بعض الأطراف.

 لذلك فمن المهم أن تكون هذه الفترة الاستثنائية قصيرة ولا تطول ولا بدّ أن نضمن تفعيل الدستور وعلوية القانون وأن نكون شعبًا واحدًا لا شعبين.

فتحي جراي: من المهم جدًا توضيح الرؤية وتسقيف المرحلة الاستثنائية وطمأنة الناس بأن هياكل الدولة ومؤسساتها ستعود لسير عملها الطبيعي وأن كل المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات

كما نرجو ألّا يدخل السجن أي مظلوم، وحتى من يخالف القانون وزلت به القدم عليه أن يشعر أنه سيلقى محاكمة عادلة. بل إننا ندعو لعقوبات بديلة.

نحن في حاجة للتصالح على قاعدة علوية القانون، كما لا بدّ أن نضمن للناس شعورًا بالأمان وأن يكون القضاء مستقلًا وأن تكون هناك جهة عادلة ومستقلة لا تخضع لأي توظيف سياسي أو أيديولوجي تحسم الخلافات حينما تحدث.

  • هل ترون أن رئيس الجمهورية فيه هذه المواصفات؟

حتى لو كان رئيس الجمهورية شخصًا مثاليًا، فإن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة، ولا يمكن أن نجمع لفترة طويلة كل السلط في يد رجل واحد مهما كانت وطنيته وسلامة طويته، لذلك من المهم جدًا أن يتم الفصل بين السلطات وأن تشتغل كل سلطة وتقوم بدورها، وأن يكون هناك عقد اجتماعي حول النظام السياسي الذي يريده كل التونسيين في إطار مقاربة تشاركية، فالقرار الجماعي والمشروع الوطني الجامع أفضل الضمانات للذهاب بتونس إلى  بر الأمان...

 

اقرأ/ي أيضًا:

حوار|حمزة المؤدب: رهان المرحلة إدارة التناقضات وأشك أن سعيّد قادر على ذلك

حوار/أيمن بوغانمي: النظام الرئاسي كارثي والنظريات المجالسية ضرب من الطوباويات