أزمة النظام السياسي أم أزمة القوى الديمقراطيّة؟

أزمة النظام السياسي أم أزمة القوى الديمقراطيّة؟

بلغ السجال متمثّلًا في تنازع العهدة بين الحزب الأول ورئيس الجمهوريّة حدًّا غير معقول (ياسين القايدي/ الأناضول)

 

أشرنا في أكثر من مناسبة إلى خطر تفكّك الدولة. وقد بدا عليه أكثر من مؤشِّر. ومن أخطرِها هذا الصراع العلني في أعلى مؤسسات الدولة غير المكترث بما يتهدّد البلاد من مخاطر والفاقد للأدنى من تقاليد الديبلوماسية والذوق السياسي والوعي بعمق الأزمة وتركيبها وآثارها الكارثيّة. ويزداد المشهد تعقّدًا بما يلاحَظ من خلط في مواقف الأحزاب ومواقعها نتيجة غياب الرؤية السياسية المحيطة بمستجدّات المشهد السياسي المتسارعة واتجاهاتها.ومثّلت حكومة المشيشي الحاليّة أهمّٰ مستجدّ ارتبكت أمامه مواقف الأحزاب وعجزت عن بلورة موقف منها يستند إلى مرجعية الدستور والنظام السياسي المنبثق عنه، ويجعل من الالتزام بالديمقراطيّة واستكمال مسارها مهمّةً وأولويّةً.  

مثّلت حكومة المشيشي الحاليّة أهمّ مستجدّ ارتبكت أمامه مواقف الأحزاب وعجزت عن بلورة موقف منها يستند إلى مرجعية الدستور والنظام السياسي المنبثق عنه

نشأة النظام السياسي الجديد  

إثارة موضوع النظام السياسي كان مبكّرًا، والتبس بالمنعرجات التي عرفها مسار الانتقال الديمقراطي. بل إنّ ملامح المشكل طفت منذ تجربة المجلس الوطني التأسيسي في ظلّ الدستور الصغير، وهو المبادئ الكبرى والقوانين التي نظّمت العلاقة بين السلطات ومهمّ كلّ منها، في مرحلة كتابة الدستور.

ومع الشروع في كتابة الدستور ظهر توجّهان رئيسيّان في موضوع النظام السياسي:

  • توجّه يدفع نحو النظام السياسي البرلمانيّ. ويمثّله حزب العمّال الشيوعي وحركة النهضة. ويتقاطع موقف الحزبين في أهميّة النظام البرلماني في منع عودة الاستبداد ونظامه الرئاسوي الذي أخضع البلاد منذ 1956. هذا مع تفرّد النهضة بهاجسها الوجودي من ناحية واعتقادها بأنّ شعبيّتها تتناسب مع نظام سياسي يكون فيه البرلمان مصدرًا للشرعيّة ومجالًا للسلطة الأصليّة.    
  • وتوجّه يدفع باتّجاه النظام الرئاسي تمثّله أحزاب المؤتمر من أجل الجمهوريّة والتكتّل والديمقراطي التقدّمي. وثلاثتها تراهن على دور الزعامة وتاريخها النضالي معادلًا لامتداد بعض القوى الجماهيرية (النهضة). بل إنّ نجيب الشابي كان عشيّة سقوط النظام من المطالبين بتنقيح دستور 59 والمضيّ إلى انتخابات رئاسيّة وقيادة سياسيّة قادرة على المضيّ الفوري في الإصلاحات المطلوبة.   

بعد انتخاب المجلس الوطني التأسيسي لم يهدأ السؤال حول طبيعة النظام السياسي. وكان الدستور الصغير، وهو الوثيقة التي نظّمت الصلاحيّات بين الرئاسات الثلاثة (رئاسة الجمهوريّة، رئاسة المجلس الوطني التأسيسي، رئاسة الحكومة). وبدأت تتوضّح ملامح نظام سُمِّي يومها بنظام مجلسي. وكان هذا النظام في حقيقته أقرب إلى بروفة من النظام السياسي الذي سيتبلور في دستور الثورة.

مع أطوار تشكيل الحكومات برز إلى السطح ما كان كامنًا من سوء تفاهم بين رئاسة الجمهوريّة ورئاسة البرلمان وبلغ السجال متمثّلًا في تنازع العهدة بين الحزب الأول ورئيس الجمهوريّة حدًّا غير معقول

حسم دستور 2014 موضوع النظام السياسي فكان النظام شبه برلماني. غير أنّ نتائج الانتخابات وفوز حزب نداء تونس واجهةِ النظام القديم السياسيّة، وصعود شخصيّة سياسيّة بحجمها القيادي والزعماتي وبإرثها البورقيبي إلى رئاسة الجمهوريّة اختصر الرئاسات الثلاثة في رئاسة الجمهوريّة لمدّة سنتين، قبل تولّي يوسف الشاهد رئاسة الحكومة عن نداء تونس وتمرّده في سنتيْ عهدته الأخيرتين عن رئيسه الباجي وحزبه الذي عَرَف انقسامات متتالية شتتت كتلته البرلمانيّة وأثّرت على دوره في الحكومة والبرلمان. ومحصّلة كل هذا أنّ النظام شبه البرلماني لم يصبح حقيقة سياسيّة ماثلة إلاّ بعد انتخابات 2014، إذا استثنينا سنوات التأسيس الثلاثة من النظام المجلسي.  

ملامح الأزمة فيه

مع انتخابات 2019 عرف النظام السياسي شبه البرلماني طورًا جديدًا اتّسم بتوتّر أعلى وعطالة أشدّ، من خلال الصعوبات التي واجهها تشكيل الحكومة. ففي أقلّ من سنة تشكّلت ثلاث حكومات. توسّطتها حكومة إلياس الفخفاخ التي استمرّت ستّة أشهر قبل استقالتها بسبب شبهة تضارب مصالح تعلّقت برئيسها. ورغم أنّ الكتل البرلمانيّة التي شاركت في تأليف الحكومة محسوبة على "المزاج الثوري" فإنّ ما كان من مناكفات وسجالات بين قياداتها الحزبيّة في وسائل الإعلام شوّش على عمل الفريق الحكومي وانسجامه. ومع أطوار تشكيل الحكومات برز إلى السطح ما كان كامنًا من سوء تفاهم بين رئاسة الجمهوريّة ورئاسة البرلمان وبلغ السجال متمثّلًا في تنازع العهدة بين الحزب الأول ورئيس الجمهوريّة حدًّا غير معقول.

ضاعف استهداف مؤسسة البرلمان من خلال إصرار الحزب الدستوري الحر وريث حزب التجمّع المنحلّ من شلل المؤسسة الأصليّة ومنعها من أهمّ ما في أجندته البرلمانيّة

وضاعف استهداف مؤسسة البرلمان من خلال إصرار الحزب الدستوري الحر وريث حزب التجمّع المنحلّ من شلل المؤسسة الأصليّة ومنعها من أهمّ ما في أجندته البرلمانيّة. وصارت الصراعات في أعلى مؤسسات الدولة مؤشّرات خطيرة على تفكّك الدولة وعجز الحكومات المتعاقبة عن إنفاذ الأدنى من السياسات والبرامج.

وكان لعودة فيروس كورونا بقوّة مع منتصف شهر أوت/أغسطس أثرًا بالغًا على أداء الحكومة وعلى انحدار نسبة النموّ السلبي دركات مفزعة. ولا يمكن ألاّ يصِل كلّ هذه الأعطاب السياسيّة والاقتصاديّة والصحيّة بالنظام السياسي شبه البرلماني. وإذا جرى عرض لأسباب المتعدّدة كان النظام السياسي شبه البرلماني في طليعتها.

اقرأ/ي أيضًا: هل تونس بحاجة إلى تغيير النظام السياسي؟

في العهدة البرلمانيّة 2015 ـ 2019 كان أكثر مهاجمي النظام السياسي الجديد الذي جاءت به ثورة من المنتسبين إلى النظام القديم. ويعود هذا الموقف إلى أسباب عدّة منها إيلافهم النظام السياسي الرئاسوي في العهدين البورقيبي والنوفمبري، ومناهضتهم للدستور أصل النظام السياسي الجديد، ولكلّ ما له علاقة بالمنظومة الديمقراطيّة التي شُرع في وضع أسسها مع انطلاق عمليّة التأسيس. ولم يكونوا ينظرون إلى تأسيس 2011 إلاّ على أنّه في مواجهة تأسيس 1956 . إلى جانب رغبة الباجي قائد السبسي في أن يتوّج مسيرته السياسيّة رئيسًا مثل بورقيبة بكامل الصلاحيات. ومع احتداد الأزمة الماليّة الاجتماعيّة واتساع تداعياتها لتشمل معيشة المواطن وتهدّد توازن مداخيله وعجز الحكومات المتعاقبة عن مباشرة ما أُعلن عنه من إصلاحات، وجدوا في كلّ هذا ما يشجّع على رفع الصوت والمقارنة بما قبل الثورة، رغم أنّهم كانوا في الحكم وماسكين بأكثر عدد من الوزارات وبالسياديّ منها خصوصًا. ولم يقتصر نقد النظام السياسي الجديد على المحسوبين على القديم وإنّما تجاوزهم إلى أنصار الجديد نفسه، وإلى خبراء القانون الدستوري وبعض خبراء الاقتصاد والعلوم السياسيّة، ليصبح الأمر أقرب إلى القناعة العامّة.

اختلاف القوى الديمقراطيّة

نبّهت انتخابات 2019 التشريعيّة التي نتج عنها من مشهد برلماني مشتّت إلى مساوئ النظام الانتخابي القائم على التمثيليّة النسبيّة ونظام أكبر البقايا. وقد كان هذا النظام وُضِع للانتخابات التأسيسيّة توقّيًا من فوز أحد الأحزاب الكبرى بالأغلبيّة، ورغبةً في مشاركة أوسع في صياغة الدستور داخل مجلس تأسيسي ممثّلِ لأوسع الطيف السياسي والحساسيّات الحزبيّة. ويبدو أنّ هذا النظام الانتخابي لم يعد صالحًا بعد كتابة الدستور. بل صار مانعًا من أن تُبنى الحياة البرلمانيّة والحزبيّة على كيانات حزبيّة واسعة لها القدرة على بناء تحالفات تمكّن من سنّ القوانين واستكمال بناء المؤسسات الدستوريّة والتعديليّة وإنفاذ السياسات بأغلبيّة مريحة.

بقي المشهد سجالًا بين الثورة والثورة المضادّة حينًا والقديم والجديد حينًا آخر، وتطوافًا بين أسباب للأزمة توتّرت بين النظام السياسي والنظام الانتخابي والمنوال التنموي

وإذا كان هذا التقدير لا يستقيم كثيرًا، فتجربة التوافق بين حركة النهضة ونداء تونس لم تقدر على إنجاز المطلوب من استكمال المؤسسات وفي مقدّمتها المحكمة الدستوريّة، والتقدّم في الإصلاحات، ومواجهة الأزمة الماليّة الاقتصاديّة، رغم امتلاك الحزبيْن باجتماعهما على الأغلبيّة، ممّا يشير إلى أنّ أصل المشكل في الأحزاب وأدائها السياسي وتأخّرها في بناء التوافقات والتحالفات المطلوبة.

وبقي المشهد سجالًا بين الثورة والثورة المضادّة حينًا والقديم والجديد حينًا آخر، وتطوافًا بين أسباب للأزمة توتّرت بين النظام السياسي والنظام الانتخابي والمنوال التنموي. ولكنّ المهمّ في كلّ هذا انبثاق فرز جديد على قاعدة العلاقة بالديمقراطيّة ومنظومتها الجديدة تبطل ما سبق من ثنائيات صراع كالقديم والجديد لم تعد قادرة على تغطية كلذ المشهد السياسي والإحاطة بمستجدّاته.

ظهرت قوّتان الأولى في رئاسة الجمهوريّة يمثّلها قيس سعيّد بفوزه التاريخي على منافسه نبيل القروي رئيس حزب قلب تونس، وببرنامجه المناهض للديمقراطيّة التمثيليّة والداعي إلى الانتخاب على الأفراد مستعيرًا عنوانًا مركزيًّا من عناوين الثورة "الشعب يريد". ومن ثمّ هو مناهض للدستور والنظام السياسي المنبثق عنه. وكان أداء الرئيس قيس سعيّد ومواقفه في العشر اشهر الأخيرة كافيين لينعت برنامجه وعرضه السياسي الغامض بالشعبويّة.

وأمّا القوّة الثانيّة فيمثّلها الحزب الدستوري الحر وريث حزب التجمّع. ولا يُخفي هذا الحزب الذي تقوده عبير موسي مناهضته للثورة والدستور وتمجيده لنظام الاستبداد وعهوده. لذلك ينعت مسلكه السياسي بالفاشيّة. وقد مثّل الثلاثي ديمقراطيّة شعبويّة فاشية نموذجًا تفسيريًّا جديدًا للمشهد السياسي وشاهدًا على تحوّلاته العميقة.

الديمقراطيّة إذا فقدت مقدّماتها فمن المستحيل أن تبلغ نتائجَها المرجوّة

ويتقاطع الطرفان في استهداف الديمقراطيّة. وكان منتظرًا أن يمثّل هذا الاستهداف نقطة التقاء لا تختلف فيها القوى الديمقراطيّة. وهي القوى التي تستمدّ ديمقراطيّتها من مرجعيّة الثورة والدستور والديمقراطيّة والالتزام بمسار الانتقال الديمقراطي، واستكمال بناء المؤسسات الديمقراطيّة والانتخابات الحرة والشفافة، والتداول السلمي على السلطة على ضوء نتائجها النهائيّة.

القوى الديمقراطيّة الواقعة بين القوّتين المذكورتين لم تكن حاسمة في التزامها بالدفاع عن الدستور والنظام السياسي واعتبرت في أكثر من مناسبة استهداف الديمقراطيّة والدستور وجهة نظر. وهو ما منع رسم تمايزٍ واضح بينها وبين الشعبويّة والفاشيّة ومن التقاء موضوعي معهما في سحب الثقة من رئيس المجلس التأسيسي، وسكوت عن خرقهما صريح الدستور.

لا خلاف في أنّ ما يعرفه مسار الانتقال إلى الديمقراطيّة من تعثّر نتيجة أسباب متعدّدة يتمّ عرضها بطريقة آليّة في الغالب ومن بينها النظام السياسي والقانون الانتخابي وغيرهما. ودون ترتيب يفصح عمّا يكون منها سببًا وما يكون منها نتيجة.

نعتبر أنّ سببين رئيسيين يمثلان عقبةً أمام المسار الديمقراطي في بلادنا، ويعطّلان بلوغه غاياته هما ما كنّا أسميناه في مقالات سابقة بتذرّر السلطة أو انفصال السلطة عن الحكم. وهذا لا علاقة له مباشرة بالنظام الانتخابي أو النظام السياسي. فقد يفوز حزب من الأحزاب بأغلبيّة مريحة أو مطلقة ولكنّ انفصال السلطة عن الحكم لا يمكّن من توفّر النصيب الكافي من السلطة لتنفيذ السياسات.

رغم تعثّر المسار الديمقراطي في ظلّ الأزمة المالية الاقتصاديّة الخانقة والوباء المستفحل فإنّ جولات في هذه السنة السياسيّة الأولى تكشف أنّ للديمقراطيّة عقلًا وقدرة على أن تكسب الرهانات المفصليّة

وأمّا السبب الثاني فيتمثّل في القوى السياسيّة وفي علاقتها بالديمقراطيّة مرجعيّةً وآليّةً ومسارًا. وهي علاقة غير متأكّدة عند الجميع، وهذا كان مانعًا من رسم حدودها السياسيّة بوضوح ومن ثمَّ علاقتها مع الجهتين المستهدفتين للديمقراطيّة.

فالأزمة في جوهرها أزمة قوى ديمقراطيّة قبل أن تكون أزمة نظام سياسي أو غيره. فالديمقراطيّة إذا فقدت مقدّماتها فمن المستحيل أن تبلغ نتائجَها المرجوّة. ورغم تعثّر المسار الديمقراطي في ظلّ الأزمة المالية الاقتصاديّة الخانقة والوباء المستفحل فإنّ جولات في هذه السنة السياسيّة الأولى ومنها ملابسات تشكيل حكومة السيّد هشام المشيشي التي انطلقت حكومةَ الرئيس الثانية وانتهت حكومةً سياسيّةً بحزام برلماني معتبر، ومنها كذلك فشل تعطيل البرلمان واستهداف إحدى أهم مؤسسات الديمقراطيّة...هذه الجولات تكشف عن أنّ للديمقراطيّة عقلًا وقدرة على أن تكسب الرهانات المفصليّة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل يجب تغيير نظام الحكم في تونس؟

عندما تُؤتى المنظومة الديمقراطيّة من داخلها