حوار| المحلل المالي نادر حداد: ثقة المقرضين الدوليين في تونس في تراجع

حوار| المحلل المالي نادر حداد: ثقة المقرضين الدوليين في تونس في تراجع

نادر حداد محلل مالي مع بنك استثماري ومساهم صحفي مع عدة صحف ومؤسسات إعلامية اقتصادية

 

وفق آخر أرقام البنك المركزي لشهر جوان/يونيو 2021، سجلت تونس احتياطيًا من العملة الصعبة بلغ 140 يوم توريد، فيما واصلت معدلات التضخم استقرارها حول عتبة الـ 5%. كذلك تراجع الانكماش الاقتصادي إلى حدود 3%، وتصفه الحكومة بالطبيعي وتبرره بالظروف الصحية التي أثرت على الأسواق العالمية منذ بداية عام 2020.

لوهلة تبدو الأرقام مطمئنة وعادية، لولا الأصوات المهددة بالانهيار الاقتصادي الوشيك المتعالية على الدوام فيما يشبه معزوفة "نداء الحلم" الحزينة للملحن البريطاني كلينت مانسال، والتي تشترك في عزفها توليفة تضم الحكومة أيضًا وحزامها السياسي من جهة، والمعارضة بمختلف ألوانها من جهة أخرى، إلى جانب مكونات مختلفة من المجتمع المدني والمتابعين للشأن العام، ما يثير جوًا مشحونًا بالارتياب والترقب المنهك، تؤكده مؤشرات السلطة البيولوجية كارتفاع معدلات البطالة، نسب الفقر، الهشاشة...

في خضم هذه الأجواء المبهمة بين الطمأنة والتحذير، يرافقنا في هذا الحوار نادر حداد، محلل مالي مع بنك استثماري ومساهم صحفي مع عدة صحف ومؤسسات إعلامية اقتصادية.

  • قبل الشروع في حوارنا، أردت الاستفسار حول ماهية المحلل المالي وما الفرق بين هذا الاختصاص أو العمل، والخبراء الاقتصاديين الذين يؤثثون المنابر الإعلامية التونسية منذ سنوات؟

لنتفق أوّلًا أنه لا يوجد اختصاص "خبير اقتصادي". بالنسبة للمحلل المالي، هو مستشار، متعاقد أو مستقل، يقدم خدمات لمؤسسات مالية، كالبنوك الاستثمارية، حول حركة الأسواق والأسهم... فيما يخص وصف "خبير اقتصادي" فهو يقوم على مغالطة لأن علم الاقتصاد علم متشعب، كسائر العلوم الأخرى، ولا يمكن أن يلم المرء بكل خباياه دفعة واحدة. يضم الاقتصاد عدة تفرعات على غرار المالية العمومية، سوق الأسهم، تمويل الشركات... لكن درج استعمال هذا الوصف في الإعلام التونسي على كل حال. بالنسبة لي، فهو لا يعجبني.

نادر حداد: الاقتصاد التونسي هجين فهو ليس رأسماليًا وليس اشتراكيًا، الدولة التونسية شريك اقتصادي وهي خصم في الآن ذاته

  • هناك عدة منظرين، كدافيد غرايبر وألان دونو، لا يعجبهم كذلك هذا الوصف ويعتبرون ما يقوم به هؤلاء الخبراء نوعًا من الأداء المسرحي في إطارات وسياقات معينة. هل تتفقون مع هذا الرأي؟

ما يقوله هؤلاء "الخبراء الاقتصاديون" يبقى تصورات وأراء تخص أصحابها فيها السياسي وفيها الذاتي ولا أساس علمي لها على كل حال. هناك خبايا داخل الإدارات والوزارات، كالسياسات، التوجهات والموازنات، لا يمكن أن تدرك من الخارج، ومن رأيي يجب الاستعانة بمسؤولي الحكومة في هذا المجال، طبعًا في حدود ما يسمح به واجب التحفظ الذي يلتزمون به. بالنسبة لما أقوم به، أراقب حركة السوق وأحاول تفسير أسباب صعود وهبوط الأسهم في البورصات بناء على معطيات ومتغيرات ووفق معادلات علمية مجردة.

  • نعيش لخبطة في توصيف الاقتصاد التونسي أو المنظومة الاقتصادية التونسية. هناك من يصفه بالليبرالي الحر واقتصاد السوق، هناك أيضًا من يصفه بالإقطاعي بالمفهوم القروسطي. كيف تصفونه؟

لست أول من يقول هذا وهناك كثيرون من تناولوا هذا الموضوع. هو اقتصاد هجين: ليس رأسمالي وليس اشتراكي. الدولة التونسية شريك اقتصادي وهي شريك وخصم في الآن ذاته. وهذه العملية ليست كينزية وليست كينزية ثانية (Néokeynésianisme) المعتمدة حتى الآن فيما يسمى بالعالم الحر. هناك مجالات أين تتدخل الدولة بعمق مثل قطاع البنوك، وهناك قطاعات تتراجع فيها الدولة بشكل ملحوظ كالصحة والتعليم.

  • نعيش منذ الستينات أزمات اقتصادية مزمنة ودورية، تقريبًا كل عشر سنوات منذ الستينات. تختلف حول أسبابها التشخيصات بين الفساد والمحسوبية، وبين من يرى الأسباب هيكلية تخص التشريعات والنصوص المنظمة. بشكل موجز، ما هو تشخيصكم الخاص؟

الإجابة لا تتطلب علمًا واسعًا إذ يستطيع أي مواطن أن يرى أسباب الأزمة. أولًا منظومة الرخص، وثانيًا العراقيل الإدارية والتعطيلات البيروقراطية. عندما سُنّت، أو استُوردت، الإجراءات الإدارية، كان عدد السكان بسيطًا، حوالي 2 أو 3 مليون نسمة. الآن تضاعف هذه السكان حوالي 4 مرات، مع الكثافة السكانية المرتفعة حول الأقطاب الاقتصادية ما سبب اختناقًا للحركة التسييرية الإدارية. وتتعدد الأسباب كغياب التعامل الرقمي، السلاسة في المعاملات... إصلاح كل هذا يبقى رهين الإرادة السياسية، ولم نرَ أي إجراء اقتصادي جريء طيلة ما مضى من سنوات.

نادر حداد:  للدولة التونسية ديون مثل كل الدول التي تلجأ للاقتراض. وإقراضها يعتبر أمرًا إيجابيًا ويعني أن هناك ثقة في قدرة الدولة على السداد، لكن نسبة الثقة في الدولة في تراجع منذ سنوات، وعند تراجع الثقة ترتفع نسبة الفائدة وتتقلص فترة تسديد الدين وفائدته

  • قرأنا في إحدى تدويناتكم على منصات التواصل الاجتماعي، أن تونس تجاوزت، على الأقل هذه السنة، خطر العجز عن السداد، ما يعبر عنه بالإفلاس. هل هذا ما قصدتموه وكيف ذلك؟

بعيدًا عن الشعبوية ومثل كل دولة في العالم، للدولة التونسية ديون مثل كل الدول التي تلجأ للاقتراض. وعندما يقع إقراضها فهذا يعتبر أمرًا إيجابيًا مما يعني أن هناك ثقة في الدولة وفي قدرة اقتصادها على السداد. مع الأسف نسبة الثقة في الدولة التونسية في تراجع منذ سنوات، وعند تراجع الثقة ترتفع نسبة الفائدة وتتقلص فترة تسديد الدين وفائدته. وهذا هو الإشكال. بخصوص نص التدوينة، فقد تراجعت مقايضة الائتمان الافتراضي إلى ما دون 800 نقطة. ما يعني تراجع نسبة الخطر وأن تونس ستفي بخلاص ديونها للفترة القادمة، وبالنسبة لهذه السنة طبعًا. بخصوص السنة المقبلة فهي في حكم المجهول نظرًا لحرب الرمال المتحركة التي تشهدها الساحة السياسية.

اقرأ/ي أيضًا: الدين الخارجي: خرافة "الإفلاس" والسيناريوهات المفترضة من خلال تجارب مقارنة

  • في كل مرة تلجأ فيها دولة ما إلى صندوق النقد الدولي إلا ويفرض نفس الوصفة التي تعرفون. لكن أغلب التجارب تدل على فشل هذه الوصفات. هل ترون أن هذه الوصفات/التوصيات تتلاءم مع خصوصية الاقتصاد التونسي؟

صندوق النقد الدولي ليس جمعية خيرية. هو مؤسسة ربحية فيها مساهمون ولها سياساتها وتوجهاتها الخاصة. فإذا ما توجهنا لها علينا تحمل مسؤولية ما ستمليه. لكن السؤال الأفضل حسب رأيي هو كيف وصل بتونس الحال للاقتراض من صندوق النقد؟ الأجدى أن على المسؤولين البحث في أسباب الفشل ومعالجتها بدل البحث عن سبل ملاءمة توصيات الصندوق مع المنظومة المحلية. والأسباب معلومة على فكرة ووقع تناولها مرارًا وتكرارًا من قبل الكثرين. بالنسبة للوصفة المقترحة على الدول العربية، كالمغرب، الأردن، تونس ولبنان، فهي متشابهة لأن اقتصاديات هذه البلدان ليست حقيقية حيث تتلاعب الحكومات بالأرقام والمؤشرات: كمنظومة الدعم ومؤشرات البطالة وإسناد العملات المحلية، ما يمكن أن نسميه التمويه الاقتصادي.

نادر حداد: صندوق النقد الدولي ليس جمعية خيرية، هو مؤسسة ربحية فيها مساهمون ولها سياساتها وتوجهاتها الخاصة. فإذا ما توجهنا لها علينا تحمل مسؤولية ما ستمليه. لكن السؤال الأفضل هو كيف وصل بتونس الحال للاقتراض من صندوق النقد؟ 

  • هل تقدر هذه الحكومة على تنفيذ توصيات صندوق النقد الدولي والتي سبق أن طلب تنفيذها منذ 2016؟

لو استمرت هذه الحكومة، وهذا رهين قرار سياسي، فلا يوجد حل آخر غير ذلك. وهذا مؤسف ومهين. يعني من المؤسف أن تتصادف الجائحة وما تبعها كالأزمة الاقتصادية، مع أضعف حكومة وفي ظل مناخ سياسي مرتبك يسوده الخلاف وانعدام بوادر الانفراج، على المدى القريب على الأقل.

  • أخيرًا، تقييمكم للأداء الحكومي حتى الآن؟

حقيقة هناك كثيرون من يعتقدون أن أداء هذه الحكومة ضعيف حتى الآن. وأنا منهم، اتصاليًا على الأقل. لكن واقعيًا، ماذا ننتظر بعد تراكمات تعود لسنوات مضت ثم جائحة عالمية وأزمة اقتصادية خانقة، بالإضافة إلى خلاف سياسي حاد؟ حتى لا أكون مجحفًا، أفضل ألا أعلق على الأداء الاقتصادي للحكومة في الوقت الحالي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حوار: المختص الاقتصادي رضا الشكندالي يقدم مقاربة متكاملة لإنقاذ ميزانية 2021

حوار| آرام بلحاج: تعهدات تونس مع صندوق النقد قد تؤدي إلى انفجار اجتماعي