الحوار في تونس.. عود على بدء

الحوار في تونس.. عود على بدء

بعض الأوراق كُشفت خلال أسبوع مفاجئ في تونس لكنها على أهميتها لا تساعد كثيرًا على استشراف مشهد متشرذم ومتعدد المتدخلين

 

مقال رأي

 

كانت الأيام القليلة الماضية حالمة في تونس. خُيل للكثيرين أن إعلان رئيس المنظمة الشغيلة (الاتحاد العام التونسي للشغل) عن انفراج في الأزمة التي تعرفها البلاد وتصريحه بقبول رئيس الجمهورية للحوار، وما ورد عن الرئاسة من تأكيد لاستعداد سعيّد للحوار "بالطريقة التي سيعلن عنها خلال الأيام القادمة"، كانت جميعها بوادر توجه نحو الحل، إلا أن بداية هذا الأسبوع حملت سيناريو غير منتظر أعاد كل شيء إلى نقطة الصفر بل ربما إلى الخلف خطوات.

أسقط رئيس الجمهورية قيس سعيّد انتظارات عديد التونسيين في الماء من خلال كلمة مطوّلة قدمها، خلال لقائه برئيس الحكومة هشام المشيشي ورؤساء حكومة سابقين يوم الثلاثاء الماضي. فاجأ سعيّد الجميع بالدعوة لحوار يمهّد لتغيير الدستور وتعديل النظام السياسي في البلاد وشكك في الحوار الوطني الذي عرفته البلاد سنة 2013 الذي وصفه بأنه "لم يكن حوارًا ولم يكن وطنيًا على الإطلاق".

فاجأ سعيّد الجميع بالدعوة لحوار يمهّد لتغيير الدستور وتعديل النظام السياسي في البلاد وشكك في الحوار الوطني الذي عرفته البلاد سنة 2013 الذي وصفه بأنه "لم يكن حوارًا ولم يكن وطنيًا على الإطلاق"

كان لافتًا أن كل كلمته ترتكز حول فكرة تغيير النظام السياسي والدستور الحالي المعتمد سنة 2014، في وقت كانت فيه أنظار الكثيرين تتجه نحو الوضع الاقتصادي والاجتماعي المتدهور والذي يوحي بالانفجار، وبدا ضمنيًا أن ما يقدمه في المقابل للأحزاب هو الحوار حول تغيير النظام الانتخابي ومعالجة إشكال الحكومة، التي لم يستقبل تقريبًا نصف أعضائها لآداء اليمين إبان التعديل الوزاري منذ حوالي 6 أشهر.

من المعلوم أن سعيّد لم يبد يومًا إعجابه بدستور الجمهورية الثانية/ دستور 2014 المنبثق عن المجلس الوطني التأسيسي، وهو أستاذ قانون دستوري أو عندما اضطلع بمنصب الرئيس، كما لم يبد يومًا تحمسًا خاصًا للنظام البرلماني المعدل وهو النظام السياسي الحالي في تونس والذي ينص عليه الدستور الحالي، لكن في ذات الوقت، انتخب سعيّد رئيسًا وفق هذا الدستور ولم يتحدث يومًا بوضوح عن رفضه له، أو عن رغبة في تعليقه لا خلال الحملة الانتخابية ولا بعد نجاحه في الانتخابات الرئاسية.

من جانب آخر، لا يملك سعيّد أي صلاحيات مباشرة لتغيير الدستور ومن خلاله تغيير النظام السياسي للبلاد. لا يملك حزبًا ممثلاً في البرلمان والتغيير يمر ضرورة عبر تصويت النواب. يحتاج سعيّد تصويتهم لا مفر وقد خسر من عهدته فترة ليست هينة (حوالي الثلث) وإن أراد تغيير النظام السياسي إلى رئاسي/ رئاسي معدل فهو يحتاج أغلبية موسعة. في المقابل، فإن نواب الكتلة الديمقراطية، التي تدعمه حاليًا (نواب التيار الديمقراطي وحركة الشعب وبعض المستقلين 38 نائبًا)، لن يفوا بالغرض ومحاولات تكوين كتلة معارضة أغلبية من مجموعة كتل في البرلمان قد فشلت في محاولة إسقاط الغنوشي من رئاسة البرلمان في مناسبة أولى وتاهت في تجربة ثانية لم تر النور إلى الآن ولابد لسعيّد من توفير هذه الأغلبية التي تصوت للتغييرات التي يراها.

في إطار هذه الوضعية المعقدة، يمكن محاولة فهم ما ذهب إليه رئيس الجمهورية من خلال كلمته المطولة وما يقصده من "حوار" وأي انتظارات قد يحملها إزاء هذا "الحوار".

في إطار وضعية معقدة بين رغبته في تغيير النظام السياسي والدستور وعدم توفر الإمكانية مباشرة دون دعم النواب ومن خلفهم الأحزاب، يمكن محاولة فهم ما ذهب إليه سعيّد من خلال كلمته الأخيرة 

ما لم يتوقعه الرئيس هو أن يثير تصريحه حول "لا وطنية حوار 2013" غضبًا عارمًا من المنظمين لذاك الحوار وخاصة من الاتحاد العام التونسي للشغل، كبرى المنظمات الوطنية في البلاد وصاحب التأثير الواسع في الشأن العام.

حافظت المنظمة الشغيلة على علاقة ظاهريًا مميزة مع رئاسة الجمهورية وكان الرئيس أول من قدمت له مبادرتها الجديدة بالحوار الوطني منذ نهاية أكتوبر/ تشرين الأول الماضي معلنة أنه سيشرف على الحوار وانتظرته مطولاً للتجاوب معها لكن رد الفعل إزاء نعت حوار 2013 باللا حوار واللا وطني كان حادًا.

منذ 2011، سعى الفاعلون في المشهد السياسي التونسي على اختلافهم إلى كسب ود اتحاد الشغل، لم يشذ سعيّد عن القاعدة وإن بالحفاظ على شيء من التحفظ تجاه جميع الفاعلين في المشهد السياسي في حقيقة الأمر. ولم يكن من مصلحة الاتحاد أيضًا الدخول في خلاف أو صراع مع رئيس الجمهورية وهو الذي تم انتخابه بعدد لافت من الناخبين تجاوز المليونين ونصف ويحظى بشعبية وفق مختلف سبر الآراء بالبلاد وأيضًا بالنظر إلى غياب الشخصية المجمعة في مشهد تونسي متشتت ومتنافر أفرزته انتخابات 2019.

لكن لكل حظوة حدود، ويبدو أن إهانة حوار 2013 كان خطًا أحمر بالنسبة للاتحاد العام التونسي للشغل، ولكن أيضًا لمن رافقه من منظمات وطنية في الإشراف على ما صار يعرف بـ"الحوار الوطني" وحظي بتتويج لافت بنوبل للسلام حينها.

لم يكن من مصلحة اتحاد الشغل الدخول في خلاف أو صراع مع رئيس الجمهورية وهو الذي تم انتخابه بعدد لافت من الناخبين ويحظى بشعبية واسعة وبالنظر إلى غياب الشخصية المجمعة في مشهد تونسي متشتت ومتنافر أفرزته انتخابات 2019

تتالت البيانات والتصريحات انطلاقًا من رئيس المنظمة الشغيلة القائل "رئيس الجمهورية أخطأ المرمى هذه المرة، الحوار قادته قامات كبيرة، لا ننتظر شهادة الرئيس أو غيره ومن يحترمنا نحترمه ومن لا يحترمنا لا نحترمه مهما كان موقعه"، وصولاً إلى الهيئة الوطنية للمحامين التي استنكرت التصريح معتبرة أنه "صادم" ودعت الرئيس إلى "عدم المساس بالمكاسب التاريخية التي شهد بها المجتمع الدولي عبر إسناد الرباعي الراعي للحوار الوطني جائزة نوبل للسلام، والانكباب على إيجاد الحلول الجدية والكفيلة بتجاوز البلاد لأزمتها الراهنة".

وحتى منظمة الأعراف (الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية الحليف/العدو لاتحاد الشغل) فقد أصدر بيانًا ومما ضمنه قوله إن تجربة الحوار الوطني "أنقذت تونس من الأزمة السياسية الخانقة التي عرفتها سنة 2013، وهي تجربة حظيت بإجماع وطني وعالمي فريد، وجلبت لتونس جائزة نوبل للسلام لسنة  2015، وتحولت إلى نموذج ومرجع إقليمي وعالمي اعتمد في تجارب أخرى من بلدان الربيع العربي بدفع من الأمم المتحدة".

في سياق الغضب الواضح من كبرى المنظمات الوطنية تجاه سعيّد، وهو الأول من نوعه منذ انطلاقه في مهامه نهاية سنة 2019، يقدم نور الدين الطبوبي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، تصريحًا لافتًا في قناة تونسية خاصة، يقول فيه إن سعيّد كان قد اقترح في لقائه الأخير معه العودة إلى دستور 1959 بعد إدخال تنقيحات عليه وتنظيم استفتاء شعبي حوله.

وقال الطبوبي، في ذات القناة، إن الرئيس أمده بقائمة أسماء 4 وزراء وطلب عرضها على رئيس الحكومة هشام المشيشي لتغييرهم مقابل بقاء حكومته، مشيرًا إلى أنه اتصل بالمشيشي وأعلمه بذلك إلا أن سعيّد تراجع عن ذلك واتصل به ليعلمه بضرورة استقالة حكومة هشام المشيشي برمتها، حسب تعبيره، معبرًا عن استغرابه من ذلك.

كانت التصريحات الأخيرة للرئيس الأكثر وضوحًا وتعبيرًا مباشرًا، وهو ما يفسر حدة المواقف حولها وما حصل من تململ وتطورات في مواقف الأحزاب الفاعلة في المشهد التونسي حتى الداعمة له

هكذا يتضح، مع كل تصريح أو كلمة جديدة للرئيس، البعض من رؤيته للحكم وللمرحلة القادمة في تونس لكن يمكن اعتبار التصريحات الأخيرة الأكثر وضوحًا وتعبيرًا مباشرًا، وهو ما يفسر حدة المواقف حولها من المنظمات الوطنية في تونس ولكن أيضًا ما حصل من تململ وتطورات في مواقف الأحزاب الفاعلة في المشهد التونسي، خاصة تلك المساندة "بشراسة" للرئيس التونسي.

مع انطلاق سعيّد في الكشف عن البعض من أوراقه، استفز ذلك الحلفاء قبل الأعداء، إذ لم تكن النهضة تنتظر جديدًا من الرئيس التونسي ويتضح يوميًا توتر علاقتها برئيس الجمهورية وقد استغل قادتها الوضع لتجديد التذكير بأهمية الحوار مخرجًا من الأزمة الحالية، وبشكر اتحاد الشغل على دوره، وبتأكيد خطورة الوضع الاقتصادي والاجتماعي والصحي وهي المسائل الأولى، بالنسبة لها، بالنقاش والحل.

أما أحزاب كالتيار الديمقراطي وحركة الشعب، وهي التي انتظرت أن تكون شريكاً مع سعيّد في الحل وتوقعت أن توجهه المستقبلي سيكون بالتنسيق معها، كان ما قدمه رئيس الجمهورية بعيدًا عن ذلك كل البعد على الأقل في المرحلة الراهنة ولا إثبات عن الالتقاء مستقبلًا بعد إجراء التعديلات المرغوبة على الدستور أو التوجه نحو دستور 59، كما صرح الطبوبي.

الحزبان في موقع محيّر حاليًا: أي توجه يخوضان؟ هل يمكن أن يعارضا الرئيس الذي أطلق خلال كلمته المطولة يوم الثلاثاء أن من "سيعارضه في توجهه سيكون في قمامة التاريخ" كما سماها؟ هل سيتبعانه مهما كانت تغييراته وتوجهاته وانعكاساتها على البلاد ومسارها الديمقراطي؟

أولى ردود الفعل من قيادات الحزبين كانت حذرة خاصة من جانب حركة الشعب التي تحاول الحفاظ على ارتباط صورتها شعبياً مع الرئيس وإن كانت أيضًا تعتبر اتحاد الشغل خطًا أحمر تتجنب أي تدهور للعلاقة معه، في المقابل كانت قيادات التيار أكثر تحررًا نوعًا ما وانتقد عدد منها ما ذهب إليه رئيس الجمهورية وحذروا منه. 

يبدو المشهد العام في تونس حاليًا رافضًا للعودة إلى دستور 1959 مع تحذيرات من أحزاب وسياسيين وأساتذة قانون حول هذه الخطوة ومع توجه واسع للمطالبة بخطوات اقتصادية واجتماعية عاجلة

هكذا كانت خطوة الرئيس، التي اعتقد غالبًا أنها مدروسة من حيث التوقيت وحاجة الطرف المقابل (الأحزاب، الحكومة، ضغط المنظمات الوطنية للخروج من المأزق) إلا أنها انقلبت عليه جزئيًا وليس كليًا، إذ حتى أكثر الأطراف الغاضبة مؤخرًا (اتحاد الشغل) لم يتجه نحو حوار دون رئيس الجمهورية رغم تلويح بعض قياداته بذلك خلال اليومين الأخيرين بل تراجع عن ذلك، معتبرًا أنه يرى أن "مقترحه للحوار معلق حاليًا في انتظار الجديد وأنه يفضل أن يكون الرئيس جامعًا لكل التونسيين"، مع التحذير أنه لن يصمت طويلاً في حال تواصل الوضع وقد يدعو لانتخابات مبكرة تشريعية ولكن أيضًا رئاسية، وفق ما فهم من قياداته وعلى رأسها أمينه العام.

أراد سعيّد أن يمر للفعل وقد كان لأكثر من سنة ونصف في موضع رد الفعل دائمًا، ربما حاول جس نبض المشهد السياسي في البلاد حول إمكانية العودة لدستور 1959 كمسودة لدستور جديد وتعليق العمل بالدستور الحالي. الأكيد أنه بدأ يقترب أكثر من جوهر رؤيته ويبتعد عن الشعارات، الأكيد أيضًا أن فكرة تغيير النظام السياسي والدستور هي الأولوية لديه وحول هذا دارت كل كلماته ومقابلاته الأخيرة. غالبًا استوعب سعيّد أيضًا ما بدا للآن من رفض للعودة إلى دستور 1959 وتنقيحه ومن تحذيرات من أحزاب وسياسيين وأساتذة قانون حول هذه الخطوة ومن توجه واسع للمطالبة بخطوات اقتصادية واجتماعية عاجلة.

الأكيد أيضًا أن بعض الأوراق كُشفت، خلال أسبوع مفاجئ في تونس، لكنها على أهميتها لا تقدم صورة كلية ولا يمكن أن تقرأ لاستشراف مستقبل الوضع تونسياً بالنظر لتقلب الفاعلين في المشهد وصعوبة التكهن بما سيذهب فيه رئيس الجمهورية خاصة. في الأثناء، الثوابت الوحيدة هي تعطل الحوار بل وعودته إلى نقطة الصفر، مزيد تدهور الوضع الصحي والاجتماعي والاقتصادي واحتقان وغضب شعبي واسع ولن يكون ذلك دون استتباعات إذا لم تتضح إلى العلن حلول عاجلة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

سعيّد يقترح العودة لدستور 59 وتنقيحه.. ردود فعل الأحزاب السياسية

فشل النخبة التونسية في تحقيق التسوية التاريخية المطلوبة