تونس.. أين تهدّد كلفة الإنتاج والاستيراد الأمن الغذائي

تونس.. أين تهدّد كلفة الإنتاج والاستيراد الأمن الغذائي

472 مشاهدة
يطالب مزارعو الطماطم بالترفيع في الأسعار على مستوى الإنتاج (مريم الناصري/ الترا تونس)

يعتبر تحقيق الاكتفاء الذاتي وحماية الأمن الغذائي أحد أهمّ المسائل الحساسة التي تحقق الاستقلال الغذائي، وتحصيل قوت الشعب وتجنيب الدولة الارتهان إلى الخارج. كما تعتبر الفلاحة أحد أهم القطاعات الحيوية في النسيج الاقتصادي، لاسيما من ناحية القدرة التشغيلية والصادرات والمساهمة في الناتج المحلي الخام. إذ يستأثر القطاع الفلاحي بتوفير 12 في المائة من الناتج الداخلي الخام، و11 في المائة من مجموع صادرات البلاد وفق وزارة الفلاحة. كما يتوزع الإنتاج الفلاحي بالأساس على تربية الماشية بنسبة 37 في المائة والأشجار المثمرة بنسبة 26 في المائة. فيما يساهم الخواص في هذا القطاع بنسبة 75 في المائة.

اقرأ/ي أيضًا: بفضل تطور قيمة الصادرات الغذائية: تسجيل فائض في الميزان التجاري الغذائي

لكن رغم تميّز تونس بمناخ مناسب وتوفر الأراضي الفلاحية الممتدة على 360 ألف هكتار، إلاّ أنّ القطاع الفلاحي يواجها مشاكل كبرى، خاصة على مستوى الإنتاج في أغلب الزراعات، والإنتاج في القطاع الحيواني من دواجن وألبان ولحوم وبيض، نتيجة الارتفاع المتواصل لتكلفة الانتاج من أسمدة وأدوية ونقل وتعبئة، وارتفاع ديون الفلاحين لدى البنوك.

رغم تميّز تونس بمناخ مناسب وتوفر الأراضي الفلاحية الممتدة على 360 ألف هكتار إلاّ أنّ القطاع الفلاحي يواجها مشاكل كبرى (مريم الناصري/ الترا تونس)

تراجع معدّل استعمال البذور المحلّية في تونس من 70 في المائة سنة 1975 إلى ما يقارب 5 في المائة فقط حاليًا

وأولى مشاكل الإنتاج كانت بتبعية إنتاجية من خلال استيراد البذور، إذ تراجع معدّل استعمال البذور المحلّية في تونس من 70 في المائة سنة 1975 إلى ما يقارب 5 في المائة فقط حاليًا، حسب كاتب الدولة المكلف بالإنتاج الفلاحي السابق ووزير التجارة الحالي عمر الباهي، لتستورد تونس البذور خاصة من أمريكا والصين وفرنسا حسب وزارة الفلاحة. وهو ما أثقل كاهل الفلاحين أكثر نتيجة ارتفاع أسعار تلك البذور.

وكثيرًا ما تتداول أخبار عن لجوء الدولة إلى استيراد منتج ما للضغط على الأسعار. وهو ما يثير استياء المنتجين من الاستيراد العشوائي لبعض المنتجات الفلاحية رغم وفرة الإنتاج في تونس. ويقول رئيس النقابة التونسية للفلاحين كريم داود لـ"الترا تونس" إن أهم معركة اليوم هي معركة الأمن الغذائي، وتتطلب الإصغاء للفلاحين والمنتجين لوضع رؤية شاملة للفلاحة التونسية، على مستوى أغلب المنتجات الحيوية كالحبوب والخضراوات والألبان والدواجن وغيرها من القطاعات التي يطالب أصحابها بالترفيع في كلفة البيع عند الإنتاج، نتيجة ارتفاع تكلفة الإنتاج جراء غلاء الأدوية والأسمدة وحتى اليد العاملة. 

وأضاف محدّثنا أنّ مشاكل الفلاحة أدّت إلى تراجع حجم الاستثمارات الفلاحية وعزوف الشباب عن العمل الفلاحي، الذي بات يكبّد صغار الفلاحين ديونًا كبيرة غير قادرين على تسديدها.

رئيس النقابة التونسية للفلاحين لـ"الترا تونس": أهم معركة اليوم هي معركة الأمن الغذائي وتتطلب الإصغاء للفلاحين والمنتجين لوضع رؤية شاملة للفلاحة التونسية

تراجع معدّل استعمال البذور المحلّية في تونس من 70 في المائة سنة 1975 إلى ما يقارب 5 في المائة فقط حاليًا (مريم الناصري/ الترا تونس)

أزمة الطماطم المعدّة للتحويل

وإن احتلّت تونس المرتبة العاشرة عالميًا من حيث إنتاج الطّماطم من خلال احتوائها على ما يناهز الثّلاثين وحدة تحويل. إلاّ أنّ مزارعي الطماطم يطالبون منذ سنة 2011 بتحسين ظروف الإنتاج والترفيع في الأسعار على مستوى الإنتاح، ولاسيما منها المعدّة إلى التحويل. إذ تمّ خلال سنة 2008 تحيين سعر الطماطم إلى 105 مليم للكيلوغرام الواحد، ليصبح سنة 2010 حوالي 115 مليم للكيلوغرام من الطماطم. ليطالب اليوم الفلاحون بسعر للكيلوغرام إلى ما بين 150 و170 مليمًا نظرًا لارتفاع تكاليف الإنتاج وارتفاع تكلفة اليد العاملة والكهرباء والمحروقات والأسمدة.

ونتيجة لعدم الاستجابة إلى تلك المطالب منذ أكثر من سبع سنوات تراجعت المساحات المزروعة خاصة بولاية نابل التي تعتبر المنتج الأول للطماطم. كما تراجعت مساهمة الولاية في الإنتاج الوطني للطماطم من  65 في المائة إلى 25 في المائة.

ويوضح محمد بن حسن، كاتب عام الجامعة الجهوية لمنتجي الطماطم، لـ"الترا تونس" أنّ منتجي الطماطم يطالبون باعتماد سعر مرجعي يساوي 170 مليم للكيلوغرام الواحد مراعاة لمصلحة الفلاح نتيجة ارتفاع تكلفة الإنتاج إضافة إلى بعض الأمراض التي لحقت بعض محاصيل الطماطم وتسببت بالأساس في تقلص المساحات المخصصة بحوالي 3 آلاف هكتار والتقليص في الإنتاج. 

على صعيد آخر أكد بن حسن أنّ الأزمة تخص بالأساس الطماطم المعدّة للتحويل، مشيرًا إلى أنّ الجامعة دعت منذ الشهر الماضي إلى مقاطعة زراعة الطماطم المعدّة للتحويل إلى حين إيجاد حلول لمطالبهم.  

اقرأ/ي أيضًا: قطاع الدواجن في تونس يواجه التهميش وخطر التوريد "المشبوه"

سعر البطاطا على مستوى الإنتاج

وقدرت المساحات المبذورة من البطاطا خلال الموسم الفصلي 2018 بقرابة 11 هكتارًا لتؤمن إنتاجًا قد يبلغ 250 ألف طن من البطاطا مما سيسمح بتغطية حاجات البلاد على مدى 7 أشهر وتوفير بذور الموسم الفصلي الآخر. وقد عبّر منتجو البطاطا من جهتهم عن تذمّرهم من ارتفاع كلفة الإنتاج ونقص مياه الري. الأمر الذي أدى إلى ارتفاع الأسعار وتكبد الفلاحين لخسائر كبيرة نتيجة المديونية.

من جهته يقول محمد الكحيلي، أحد منتجي البطاطا لـ"الترا تونس"، إن سياسة التوريد العشوائية أيضا عمّقت معاناة منتجي البطاطا نتيجة عدم القدرة على ترويج منتجهم إذ يتوفرون على كميات من البطاطا من السنة الماضية لم يتم تسويقها بسبب توفر البطاطا الموردة في السوق، مما تسبب في انهيار الأسعار على مستوى الإنتاج الى ما دون سعر الكلفة بكثير بين 200 و300 مليم للكلغ. وأضاف أنّه تم الترفيع في سعر البذور والأدوية والأسمدة مما أثقل كاهل الفلاحين أكثر. ويطالب منتجو البطاطا اليوم أيضًا بالترفيع في سعر البيع عند الإنتاج.

تونس تنتج فقط 20 في المائة من القمح اللين في حين تستورد 80 في المائة والذي يستعمل أساسًا في الخبز

تراجع إنتاج القمح

وحسب إحصائيات وزارة الفلاحة فإنّ تونس تنتج فقط 20 في المائة من القمح اللين في حين تستورد 80 في المائة والذي يستعمل أساسًا في الخبز. فيما يبلغ الإنتاج الوطني من القمح الصلب حوالي 70 في المائة ويتم توريد 30 في المائة من الخارج. إذ يشكو إنتاج الحبوب وخاصة القمح من ارتفاع متواصل لتكلفة الإنتاج إذ يشتري الفلاح قنطار القمح بحوالي 90 دينارًا ليبيع القنطار أحيانًا بحوالي 80 دينار، عدا تكلفة الإنتاج من أسمدة ومياه ري، وفق ما يشير إليه مهندس الزراعة محمد علي نفاتي في تصريح لـ"الترا تونس". ويضيف أنّ إنتاج الحبوب يتراجع سنويًا نتيجة العزوف عن زراعة القمح بسبب غلاء أسعار البذور وعدم الترفيع في نسبة البيع خلال الإنتاج. الأمر الذي سيجعل تونس في تبعية مستمرة للخارج خاصة على مستوى استيراد القمح اللين. يذكر أنّ وزارة الفلاحة قد قدّرت إنتاج الحبوب هذه السنة بحوالي 14 مليون قنطار مقابل 16 مليون قنطار الموسم الماضي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الخطر الزاحف.. تهريب شتلات زيتون وفسائل نخيل إلى تونس

إنتاج البرتقال في تونس.. نقمة السوق والأسعار