الدولة والملكيّة والحرب على الكورونا.. أسئلة تونسية

الدولة والملكيّة والحرب على الكورونا.. أسئلة تونسية

تمثّل الحرب على الكورونا جولة من جولات صراع المصالح داخل الدولة (فتحي بعليد/أ.ف.ب)

 

عندنا مثل عامّي في تونس يقول "هرب من الغول طاح في سلاّل العقول"، وهو يحكي مثَل المرء الهارب من السيء فإذا به يقع في قبضة الأسوأ. وهذا حال حكومة إلياس الفخفاخ بعد ولادتها العسيرة واتّجاهها إلى مواجهة أزمة ماليّة اقتصاديّة هيكليّة منفتحة على أزمة حكم وعقبات جادّة في سبيل استكمال الانتقال الديمقراطي. غير أنّ زحف وباء كوفيد-19 من مدينة ووهان الصينيّة وغزوه المذهل لقارات العالم غيّر ما رسمته الحكومة من برنامج وما عزمت عليه من إصلاحات.

اقرأ/ي أيضًا: الدولة والثورة والوباء

ماذا بعد الاستباق؟

يُعَدّ انتباه الحكومة الجديدة إلى خطر الوباء وضرورة التوقّي منه مبكّرًا مقارنة إلى غيرها من الأجوار العرب وفي ضفّة المتوسّط الشماليّة، وهو ما سمح بتحقيق استباق مهمّ تمثّل في الدخول المباشر إلى المرحلة الثانية من المواجهة قبل بدء المرحلة الأولى.

ومازالت الخطّة المعتمدة تحقّق هدف السيطرة على الوباء والنتشاره إلى حدّ الآن لولا ما ينتُؤُ بين الحين والآخر من خروقات للحجر الصحّي بسبب تمرّد البعض على الإجراءات المرسومة، أو تعثّر الإدارة في توزيع المساعدات الماليّة والعينيّة على مستحقّيها، وتدافع الجموع أمام مكاتب البريد. وقد صار تهديدا فعليّا لكلّ ما تحقّق من نجاح في مواجهة الوباء الزاحف.

ليس مطلوبًا أن يكون للجميع مفهومًا واحدًا للدولة أو تصورًا مشتركًا للملكيّة ولكنّه مطلوب عند ائتلاف حكومي يقود البلاد في وضع يتجاوز الطوارئ إلى الخطر الداهم

ولا يمكن أن تُفهم بعض تدوينات وزير الصحّة إلاّ على أنّها تحذير أخير من سيناريو مرعب تمّ العمل الدؤوب والمنهجي على تجنّبه بما أتيح من الوسائل المحدودة والموارد النادرة. ولا يخفى أنّ ما تنطق به إحدى التدوينات  من تحذير يستبطن الأسوأ بسبب ما عرفه الحجر الصحّي من انفلات.

ومن ناحية أخرى، فإنّ تحذيرات وزير الصحّة وتصريحات رئيس الحكومة وكبار المسؤولين في تنزيل خطّة مواجهة الوباء بدت متردّدة بين الأمر والتودّد إلى الناس بالتزام الحجر الصحّي ومتعلّقاته. ونبّه هذا التردّد الطبقة السياسيّة والمشتغلين بالشأن العام إلى ما تمّ إهداره من وقت في السجال السياسي غير المنتج منذ 2011، والتقصير في ترجمة التجربة الحيّة إلى مساهمة في الفكر السياسي في مواضيع الدولة والمجتمع والسوق والسياسية والملكيّة والاقتصاد.

والتردّد المذكور ليس إلا صورة من فقر الفكر السياسي السائد. وليس مطلوبًا أن يكون للجميع مفهومًا واحدًا للدولة أو تصورًا مشتركًا للملكيّة ولكنّه مطلوب عند ائتلاف حكومي يقود البلاد في وضع يتجاوز الطوارئ إلى الخطر الداهم.

الدولة وصفاتها المستعارة

الغالب على خطاب الحكومة أنّه خطاب إجرائيّ لا يشير إلى مرجعيّة بعينها أو إلى فكر سياسي مخصوص. وهذا ليس بالأمر المنكر غير أنّ المنعطفات الكبرى تدفع إلى الارتكاز إلى مفاهيم موجّهة تعطي للعمل مبرّره وحوافزه وغاياته في نفس الوقت. فالرئيس الفرنسي مانويل ماكرون، الذي يبدو ممثّل الشركات الكبرى والنزعة النيوليبراليّة الجامحة، لم يتردّد في إثارة موضوع الدولة من جهة جوهرها ووظيفتها، فتوقّف عند وظيفتها الاجتماعيّة وضرورتها في هذه المرحلة، رغم أنّ التقاليد الاجتماعيّة بقيت حاضرة بقوة في الدولة الفرنسيّة حتى مع صعود اليمين الليبرالي والنيوليبالي.

الغالب على خطاب الحكومة أنّه خطاب إجرائيّ لا يشير إلى مرجعيّة بعينها أو إلى فكر سياسي مخصوص

هذه الانعطافة النظريّة والمرجعيّة تجد قادحها أولًا في ارتباك الدولة الفرنسيّة أمام الوباء وتأخيرها في تقدير خطره وسبل التصدّي له، وتجد أساسها ثانيًا في الفكر السياسي في فرنسا، فالقوم من اليمين واليسار اختلفوا ولكن على أساس مفاهيم واضحة الحدود غير منفصلة عن تاريخ فرنسا السياسي وتجربة الدولة فيها.

اقرأ/ي أيضًا: كورونا.. المقايضة والخيارات القاسية تونسيًا

كانت من رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ انعطافة مهمّة في آخر حوار صحفي له إلى موضوع الدولة فاستعار لها صفتين من برنامج حزب التيّار الديمقراطي هما صفتا القويّة والعادلة. ويعدّ شعار الدولة القويّة والعادلة من العناوين القليلة الواضحة في خطاب الأحزاب السياسيّة في انتخابات 2019، إن لم يكن العنوان الوحيد المتعلّق بالدولة في إطار غلبة الحشو السياسي على الحملات الانتخابيّة. وقد أثارت الاستعارة ارتياحًا عامًا إلاّ عند من فهم منها تبنّيا لعنوان حملة مرشّح التيار الديمقراطي الانتخابيّة محمد عبّو وزير الوظيفة العموميّة والحوكمة ومكافحة الفساد أو هو إشارة إلى علاقة "ممكنة" بين حزب يشارك في الحكم وحزب الفخفاخ السابق التكتل الديمقراطي. وقد استعار رئيس الحكومة صفتي العدل والقويّة في معرض شرحه خطّة الحكومة في مواجهة الوباء.

كان خطابه في هذه المقابلة من أنجح المقبلات الصحفيّة لمسؤول سياسي أوّل منذ 2011 غير أنّنا إذا عدنا إلى الصفتين فإنّهما في حقيقتهما من الثقافة السياسيّة العاميّة وليستا من الثقافة السياسيّة العالمة. فضلًا عن أنّ العدل والقوّة من الصفات التي لزمت الدولة في الخطاب السياسي الكلاسيكي. والشعار، هو بمعنى من المعاني، ترجمة لفكرة "المستبدّ العادل"، ومدلول الاستبداد في هذا السياق لا يُقصد منه الظلم والقمع وإنّما الحزم والاستفراد بالأمر والاكتفاء بالنفس والقدرة على إنفاذ السياسات "الصالحة".

بين الصفة والموصوف

وشعار "الدولة القويّة والعادلة" هو في عمقه استعادة لشعار "دولة القانون والمؤسسات" (شعار بن علي). فيمثّل الالتزام بالقانون قوّة، ويتمثّل العدل في اتخاذ القرار المنضبط بالقانون في المؤسسات بما هي عنوان لعقلنة الفعل السياسي بل يبدو لنا الثاني (دولة القانون والمؤسسات) تفصيلا لما ورد عامًا في الأول (دولة قويّة وعادلة). وليس في المجاورة بين الشعارين وتبيّن تقاطعهما مجاورة بين المصدرين السياسيّين.

يشير باكونين في محاورته كارل ماركس في الأمميّة الأولى إلى أنّ صفات الدولة ليست هي الدولة

وأمّا عن المرجعيّة فإنّ ما تنطق به الطبقة السياسيّة كلّها لا يكاد يخرج عناوين عامّة هي كلّ ما بقي من تجربة الدولة الوطنيّة. كما أنّنا لسنا هنا بصدد التقليل من قيمة الشعار ولا المجهود المبذول في صياغته، ولكنّ الغاية تبيين حدوده النظريّة وقيمته الاستعماليّة، وإنّما المقصود وقوف عند صياغة حزبيّة تكاد تكون يتيمة في المشهد السياسي عن الدولة وما تراه لها من صفات. وهذه خطوة مهمّة على درب الفكر السياسي الذي مازال موصدًا بحواجز الأيديولجيات المفوّتة والتقليد الغالب، فضلًا عن غياب محاولات في إنتاج معارف سياسيّة رغم الحياة السياسيّة الجديدة وما تزخر به من ظواهر مُلهِمة على النظر والتدبّر والإضافة.

اقرأ/ي أيضًا: هل يمثّل وباء كورونا "طقس عبور"؟

يشير باكونين في محاورته كارل ماركس في الأمميّة الأولى إلى أنّ صفات الدولة ليست هي الدولة، فلا فرق عنده بين الدولة الرأسماليّة والدولة البروليتاريّة. فيجب ألاّ تحجب الصفة (بروليتاريّة) موصوفها (دولة)، فهي قبل الصفة الملحقة بها دولة بما تعكسه الدولة الدولة من ميزان قوى طبقي واجتماعي حتّى في ظلّ النظام الديمقراطي، وبما تحتكره من عنف يستمدّ شرعيّته من ميزان القوى نفسه. وهو ما حدا بصاحب رأس المال إلى إحداث تغيير مهمّ في لوحته الخماسيّة (الماديّة التاريخيّة) فصارت المرحلة الشيوعية بما هي ملكيّة جماعيّة لوسائل الانتاج ولحظة انتفاء الدولة.  

في سياقنا السياسي الحالي، من المهمّ التركيز على بنية الدولة، والدولة لا يمكن أن تكون إلاّ مركزيّة، فهي عنوان الانقسام الاجتماعي بالمعنى الانتروبولوجي بخروج نخبة من الجماعة السياسيّة لتحكمها باسمها (حاكم/محكوم). وإعادة النظر في علاقة الدولة بالملكيّة والعمل. والسؤال المهمّ هنا هو: هل تستطيع الدولة بصفتها المركزيّة الملازمة أن تغطّي كلّ المساحة الاجتماعيّة فتكون عادلة من خلال توزيع الثروة وثمار الإنتاج؟

تردّد غير محمود، وأمل في التجاوز

استعاد سياقُ مواجهة الكورونا فكرةَ الدولة الاجتماعيّة وعلاقتها بالمال والثروة. ورغم اختلاف رؤوس السلطة الثلاثة المُقرف في مقاربة الأزمة وخاصّة اختلاف التشريعيّة والتنفيذيّة فإنّ هناك دعوة مبكّرة من رئيس مجلس نواب الشعب إلى اتخاذ أقصى الإجراءات في مواجهة الوباء (اعتبر تدخّلًا في مجال السلطة التنفيذيّة) وتشديد من رئيس الجمهوريّة، في سياق نقده ما عقد من مصالحات مغشوشة، على أنّ من حقّ الدولة استعمال المال العام والخاصّ في هذه الظروف، فهو في حقيقته مال الشعب.

غير أنّ رئاسة الجمهوريّة عادت إلى كلمة رئيس الجمهوريّة بالتعقيب والشرح والتفسير حين ضجّ رجال الأعمال. ونفت كلّ معنى في البيان يمكن أن يفهم منه المصادرة. وكذلك كان الأمر مع وزير أملاك الدولة وقد كان أشار في أحد البرامج الحواريّة إلى إمكانيّة مصادرة المال ممّن تملّكوه بتسهيلات من الدولة نفسها (القروض والتسهيلات)، إذا احتاجت إليه في هذه المعركة الوجوديّة. ولكنّه عاد لينقد ما حفّ بكلامه من تحاليل سياسيّة، وينفي عن تصريحاته كلّ معنى للمصادرة، ويعيد تدوير الزوايا مع رأس المال الخاصّ. ولم يكن وزير الوظيفة العموميّة بعيدًا عن هذا التوتّر بين الموقف وتصحيحه عنه.

فكرة الدولة الاجتماعيّة سليلة مفهوم تقليدي للملكيّة يتقاطع فيه النموذجان الاشتراكي، والنتيجة الطبيعيّة لهذا المفهوم هو "نظام تبادل رأسمالي" مع تغيّر ظاهري في حقيقة المالك

وهذا لا يعود إلى أشخاصهم بقدرما يعود إلى الدولة نفسها، وعلاقتها بمن تمّ تفويضهم. فالدولة هنا ليست مؤسسات النظام السياسي وإن كانت وجهها الخارجي. الدولة هنا تمتدّ إلى شبكة المصالح وتشعّبها في الإدارة وعالم المال والأعمال والتي يمكن اختزالها في عبارة "العميقة". وتمثّل الحرب على الكورونا جولة من جولات صراع المصالح داخل الدولة وفي محيطها منذ 2011، وكانت محاولات الإصلاح كلّها محكومة بجدل الإقدام والإحجام والذي نعرف اليوم جولة منه في العلاقة بلوبيات المال والأعمال في مواجهة الموت الزاحف. وهي لوبيات لا يغيّر موقفها كثيرا ما يتهدّد البلاد من مخاطر.  

لذلك الدولة قد تكون الدولة قويّة ولا تكون عادلة من نفسها، وهي تعبير عن ميزان قوى اجتماعي، وإنّما بما يقابلها من قوى مجتمعيّة وأهليّة.

فكرة الدولة الاجتماعيّة سليلة مفهوم تقليدي للملكيّة يتقاطع فيه النموذجان الاشتراكي، والنتيجة الطبيعيّة لهذا المفهوم هو "نظام تبادل رأسمالي" مع تغيّر ظاهري في حقيقة المالك. فالمالك في النظام الرأسمالي هو الفرد، في حين تبدو الدولة هي المالك في النظام الاشتراكي. غير أنّ التجربة تكشف عن أنّ محاصرة رأس المال في المجتمع أفضت إلى قفزه إلى هياكل الدولة وأعلى مؤسساتها، فصار أعضاء الحزب الشيوعي هم أكبر الملاك (رأسماليّة الدولة)، وقد تكون رأسماليّة المجتمع ألطف سياسيّا واجتماعيّا من رأسماليّة الدولة.

في هذا السياق، أتى الاقتصاد التضامني وفكرة الحكم المحلّي بما هما كسر لمركزيّة الدولة وبناء قوّة مجتمعيّة تجبر الدولة على أن تكون عادلة، واجتراح مفهوم جديد للملكيّة يجعل منها "وظيفة اجتماعيّة".

هذا ما أتاحته الثورة وتعيد إتاحته الحرب على كورونا. فيكون مضمون الدولة الاجتماعيّة العميق قائمًا على انفتاح واع على المجتمع الأهلي والانتظام المحلّي والاجتهاد الدؤوب في تحويل التقاليد الأهليّة الأهليّة والثقافة الوطنيّة والقيم الروحيّة إلى قيم تنمويّة. ونكتفي بالإشارة إلى تقاليدنا المحليّة في النظام الغذائي وما يؤسسها من مناويل عميقة الجذور قادرة على الصمود في مواجهة الوباء والتزامات الحجر الصحّي. بل إنّ شروطًا جديدة في بناء السيادة والاستقلال تتوفّر لأوّل مرّة بعد أن كاد الوباء يقطّع مشكورًا أوصال علاقات الاعتماد على الخارج، فقد صار لكلّ شعب شأنٌ يغنيه وهو يشيّع أبناءه بالمئات يوميًا في "طقوس دفن" أكثر إيلامًا وإيجاعًا من الموت نفسه.

 

اقرأ/ي أيضًا:

السلطة والثورة والمكان.. قراءة في توزّع السلطة بعد الثورة

الخيارات التونسية في مواجهة الكورونا..