22-سبتمبر-2022
 محمد فريخة

محمد فريخة وشركته سيفاكس وشركته في البرمجيات الإلكترونيّة وما تعرضوا له عيّنة مما عرفته البلاد منذ 2011 من مناهضة للديمقراطيّة من قبل المنظومة القديمة وروافدها

مقال رأي

 

يعود ملف التسفير إلى بؤر التوتر إلى صدارة المشهد الإعلامي ليطغى على ما سواه من مشاغل الناس في تونس وفي مقدّمتها الأزمة الماليّة الاقتصاديّة التي تعصف بالبلد وتُنذر بإفلاس الدولة وتهدّد المواطن في قوته وهو يجوب الأسواق بحثاً عن مواد أساسية لا يجد حاجته منها.

سنة وأربعة أشهر على الانقلاب لم يكن لها من منجز إلى حدّ الآن سوى تجريف شروط الديمقراطيّة المرذّلة ومراكمة أسباب الانهيار الاقتصادي

كلّ ذلك في ظلّ حكومة قيس سعيّد العاجزة عن الأدنى من "مرافقة الأزمة وتسييرها". فحكومة نجلاء بودن جاءت في سياق عنوان كبير رفعه الانقلاب وهو تصحيح المسار وإنقاذ البلد من "طبقة سياسيّة فقّرته لانشغالها بصراعاتها على الامتيازات وتقاسم النفوذ". ولكنّ سنة وأربعة أشهر على الانقلاب لم يكن لها من منجز إلى حدّ الآن سوى تجريف شروط الديمقراطيّة المرذّلة ومراكمة أسباب الانهيار الاقتصادي.

  • ملف التسفير

ملف التسفير في حقيقته جزء من ملف الإرهاب والتطرّف العنيف الذي واجهته الدولة قبل الثورة وبعدها. وإذا كانت دولة الاستبداد قد اكتفت بالمعالجة الأمنيّة ووسّعت نطاق ما تعنيه بالإرهاب ليشمل المعارضة السياسية المطالبة بالديمقراطية فإنّ مقاربة الدولة لهذا الملفّ بعد الثورة تأثّرت بمراحل الانتقال الديمقراطي وما عرفه من هزّات. فشمل العفو التشريعي العام الذي وقّعه رئيس الجمهورية فؤاد المبزّع في 19 فيفري/شباط 2011 باقتراح من وزير العدل بحكومة محمّد الغنوشي، كلّ المساجين السياسيين بمن فيهم مجاميع السلفية الجهادية التي واجهت الدولة في سنوات نظام بن علي الأخيرة.

ولا يخفى أنّ مؤتمر أصدقاء سوريا كانت أقرّته حكومة الباجي قايد السبسي في 2011، وانعقد في ظلّ حكومة الترويكا الأولى يوم 24 فيفري/شباط 2012. وعبّر خطاب الرئيس المنصف المرزوقي الذي ترأّس المؤتمر موقف تونس الرافض بقوّة للاتجاه العام نحو تسليح المعارضة السورية، وهو اتجاه كانت تدفع نحوه الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها. ودعا المرزوقي في خطابه إلى أنّ صداقة الثورة التونسية مع الشعب السوري تعني "أنْ نحقن أكبر قدر من الدماء، وهذا لا يكون بتسليح جزء من السوريين ضدّ سوريين آخرين أو بتدخّل عسكري أجنبي نرفضه رفضًا مطلقًا..".

كان يمكن أن يُنظر في ملف "التسفير" في إطار استراتيجية البلاد في مقاومة الإرهاب غير أنّ هذه الاستراتيجية لم تكتمل ولم تخرج في مجملها عن الصراع السياسي

ملف التسفير هذا لم يكن منفصلاً عن السنوات الثلاث الأولى من الثورة التونسية وما تعاقب فيها من حكومات. وكان يمكن أن يُنظر في هذا الملف في إطار استراتيجية البلاد في مقاومة الإرهاب الذي عَرَف مع الأشهر الأولى من سنة 2013 منعرجًا مع عمليّة الاغتيال الأولى يوم 6 فيفري/شباط. غير أنّ هذه الاستراتيجيّة في مقاومة الإرهاب لم تكتمل ولم تخرج في مجملها عن الصراع السياسي وحدّة تجاذباته بين القديم والجديد.

وبقي الملف ملف التسفير مثل كرة النار تترامى بها الجهات السياسيّة، وكانت حركة النهضة ومحيطها هما الجهة الأكثر اتهامًا بالعلاقة بالإرهاب وبملف التسفير دون مراعاة التحوّلات في مزاد الشارع والنخبة. فإذا كان الشعور بمسؤوليّة الثورة التونسية الأخلاقيّة تجاه الثورات العربية التي اندلعت اقتداء بتونس كان يمثّل في سنتي الثورة الأولى الموقف السياسي المطلوب فإنّه بعد 2013 وإلى حدود 2017 لم يكن بالإمكان ترجمته إلى ضرب من التشجيع على التسفير.

 

 

  • اتهام محمد الفريخة

كانت الجهة المعنيّة بتهمة الإرهاب ومن ثمّ التسفير هي حركة النهضة لاشتراكها مع "أنصار الشريعة" في المرجعيّة الإسلاميّة، ولِمَا لوحظ من تهاون منها في محاصرة الظاهرة السلفيّة التي تحوّلت في سياق منسوب الحريّة العالي الذي أتاحته الثورة إلى تيّار جماهيري جارف. ولم يشفع لحكومة علي العريّض مبادرتها إلى تصنيف أنصار الشريعة جماعة إرهابيّة بعد عمليّة الاغتيال الأولى. وحتّى قبل عمليّة الاغتيال كانت علاقة النهضة بالمنظومة القديمة ومحيطها من المجاميع اليساريّة متوترّة في علاقة بالديمقراطيّة وشروطها وقيادة البلاد بعد سقوط نظام الاستبداد.

ومحمد فريخة المهندس العالم والباعث الصناعي والمستثمر الناجح لم يُعرف عنه قربًا من حركة النهضة، ولكنّ العلاقة بين الجهتين توضّحت عندما أصبح محمد الفريخة نائًبا بمجلس النواب عن حركة النهضة بصفاقس. وكانت أوّل التهم الموجّهة إليه نقل الدواعش في شركته للطيران (سيفاكس). وهي تهمة وُجّهت إليه من قبل ليلى الشتاوي، نائب عن كتلة حزب نداء تونس البرلمانيّة. وكان منه ردّ مفصّل عنها في إحدى جلسات المجلس. واعتبر أنّ هذا محض افتراء. وفي مداخلات  إعلامية له أشار إلى وجود لوبي جهوي قريب من النظام القديم يستهدفه باعتباره "نموذجًا ناجحًا" في الاستثمار الذي عرف مشاكل عدّة بسبب التجاذبات الحادّة وانعكاسات الوضع الدولي والإقليمي  المعادي في غالبه للربيع العربي ولمسار بناء الديمقراطيّة.

كان قد أشار  محمد فريخة في مناسبات سابقة إلى وجود لوبي جهوي قريب من النظام القديم يستهدفه باعتباره "نموذجًا ناجحًا" في الاستثمار

واليوم يُستدعى محمد فريخة من قبل وحدة مكافحة الإرهاب بعد شكاية تقدّمت بها النائبة السابقة عن حزب نداء تونس فاطمة المسدّي بنفس التهمة التي وجّهتها زميلتها في نفس الكتلة في 2017. وقد كان أشار في أكثر من مناسبة إلى أنّه مستهدف من بعض اللوبيات الجهويّة المتنفّدة. وقد ذكر أحَدَ رؤوس هذه اللوبيات بالاسم وكشف عن أعوانه من محامين وخبراء ماليّة مزيفين. فهل يكون محمد الفريخة قد استهدف من قبل لوبيات مال وأعمال كانت متنفّدة منذ عهود الاستبداد بسبب قربه من حركة النهضة؟

لا يخفي خصوم الفريخة سبب عدائهم له، فيركّزون على علاقته بالنهضة في مرحلة صار فيها الإسلام السياسي الخصم اللدود والمشجب الذي يمكن أن تُعلّق عليه كثير من الصراعات التي لا تجرؤ على إظهار دوافعها الحقيقيّة. ومن ناحية أخرى ما بدأ يتوضّح من علاقة الإسلام السياسي بتأسيس الديمقراطيّة، وأنّه من شروطها الأساسيّة.  

 

 

  • نموذج الاستثمار الناجح

إظهار صفة محمد فريخة "الإسلاميّة" كان في حقيقته تغطية على أسباب أخرى أعمق. فالثورة ومناخ الحريّة أتاحا الفرصة لمستثمرين جدد كانت تمنَع نجاحَهم لوبياتٌ جهويّة احتكرت الاستثمار ومجال المال والأعمال وبعْث المشاريع الصناعيّة. فالعامل الجهوي حاضر هنا لا بالمعنى العروشي، فهذا أمر متجاوز في الحواضر الكبرى، وإنّما المقصود هو أنّ جهويّة الدولة تعود إلى مركزيّتها التي منعتها من أن تغطّي كلّ المساحة السياسيّة والاجتماعيّة الاقتصاديّة فكان انقسام ساحل/داخل يشير إلى هذه الحقيقة ويشهد بعجز الدولة عن اكتساب الصفة الوطنيّة.

يرى كثيرون أن ملف التسفير المثار اليوم لا يرتقي إلى أن يكون ملفًا فعلًيّا، بقدر ما هو عمليّة تنكيل ببعض القيادات السياسيّة الرافضة للانقلاب، واستهداف لبعض نماذج الاستثمار الناجحة

محمّد الفريخة قبل أن يكون قريبًا من الإسلاميين هو ابن مدينة صفاقس بوصلة الاقتصاد والسياسة في تونس. وقد عرف الرجل بتفوّقه بأحسن معدّل وطني في شهادة الباكالوريا. وقد عرف عنه برحابة الخيال وروح المبادرة والابتكار. فأسس شركة "تلنات" للتكنولوجيا والبرمجيّات بسبعة مهندسين لتصبح إحدى أكبر شركات الهندسة والتكنولوجيا في أفريقيا. بما يقارب الألف مهندس تونسي. ولقد تمكّنت شركة تلنات من تطوير عديد الأنظمة الألكتلرونيّة والهندسيّة (هواتف، سيارات، طائرات) لشركات عالميّة. وتدخل الشركة اليوم عالم تكنولوجيا الفضاء، وتعدّ أوّل شركة أفريقيّة وعربيّة تُطوّر، بإمكانيات محليّة، قمرًا صناعيّا.

ومحمد فريخة صاحب شركة الطيران "سيفاكس" مطلوب اليوم بتهمة تسفير إرهابيين على متن شركته إلى تركيا. ولم تستند التهمة إلى أكثر من تقارير أمنيّة من بعض أعوان الأمن المطرودين أو من بعض النقابيين الأمنيين المؤدلجين، حتّى قيل إنّ ملفّ التسفير المثار اليوم لا يرتقي إلى أن يكون ملفًا فعلًيّا، بقدر ما هو عمليّة تنكيل ببعض القيادات السياسيّة الرافضة للانقلاب، واستهداف لبعض نماذج الاستثمار الناجحة المحسوبة كذبًا على القوى المناهضة للانقلاب.

 

 

  • الرأسمال الوطني الممنوع

محمد فريخة وشركته سيفاكس وشركته في البرمجيات الإلكترونيّة عيّنة مما عرفته البلاد منذ 2011 من مناهضة للديمقراطيّة من قبل المنظومة القديمة وروافدها الوظيفيّة من مجاميع إيديولوجيّة صارت مجتمعة ترى في الديمقراطيّة خطرًا وجودًيّا. لذلك عمل هؤلاء مع مصالح اللوبيات المتنفّذة التي مكّنها نظام الاستبداد من امتيازات في أطر "رأسماليّة الحبايب" و"اقتصاد الريع" المؤسس على "نظام الرخص".

وكانت المصالح القديمة تدرك أنّ استقرار الديمقراطيّة سيمكّن لبروز رأسمال وطني منافس للرأسمال الزبوني الريْعي التابع، مثلما أنّ الرأسمال الوطني هذا سيكون بتطوّره واستثماره في إنتاج الثروة والقيمة المضافة ودفع التنمية وتحقيق الرفاه عامل تمكين للديمقراطيّة.

محمد فريخة وشركته سيفاكس وشركته في البرمجيات الإلكترونيّة عيّنة مما عرفته البلاد منذ 2011 من مناهضة للديمقراطيّة من قبل المنظومة القديمة وروافدها الوظيفيّة

استهداف محمد فريخة باعتباره نموذجًا للاستثمار الناجح ليس إلا بروفة من مسار كامل عرف انطلاقته مع الانتخابات التأسيسية في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2011 استهدف مقوّمين من مقوّمات المشهد السياسي والاجتماعي في تونس: الاستثمار والديمقراطيّة، الديمقراطيّة والسوق، السياسة ورأس المال... لذلك تعاضدت جهود النقابات الاجتماعيّة والأمنيّة وبعض المجاميع الإيديولوجيّة مدعومة من لوبيات الرأسمال الزبوني التابع لتستهدف هذين المكوّنين، وقد تستهدف أحدهما ليتعطّل الثاني، فالاستثمار وتحقيق الانتقال الاقتصادي مشروط باستكمال الانتقال السياسي. وحتّى إذا نجت بعض من تجارب الاستثمار ووفرت شروط نجاحها فإنّها تلحق بالمشهد السياسي المأزوم المسكون بحسّ الافتراس والاحتراب الأهلي.

ومثّل انقلاب 25 جويلية 2021 خلاصة هذا التوجّه الذي يناهض الديمقراطيّة فعمل على ربطها بالفقر إمعانًا في ترذيلها حتّى صدّق الناس، وسلموا بلا جدواها ليقبلوا بهدم مؤسسات الديمقراطيّة وتمزيق ما تعاقد الناس عليه من مواثيق. وليجدوا أنفسهم لأوّل مرّة في تاريخ تونس الحديث في مواجهة شبح الجوع.

كان بالإمكان مع الثورة ومنسوب الحريّات العالي أن تندفع البلاد في خطوة أولى نحو اللبْرلة للخروج من رأسماليّة اللوبيات ومنوالها الريعي، ولكنّ الانقلاب ما يدعمه من قوى محسوبة على الحداثة السياسيّة على وجه الانتحال ضاعفت من تجريف كلّ مقوّمات البناء الاقتصادي والحريات السياسيّة فصارت البلاد أشبه بـ"دولة الماعز الديمقراطيّة الشعبيّة" في نظام أنور خوجة بألبانيا الذي فقّر الشعب ونكّل باسم الشعب والمقولات الثوريّة عنوان سعادة الإنسانيّة.

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"