21-يوليو-2023
 الانتخابات التشريعية في تونس 2022

تطرح عديد التساؤلات حول مشاركة المعارضة من عدمها في الانتخابات الرئاسية إن وقعت (الشاذلي بن ابراهيم/Nurphoto)

 

"هناك منظمات أصبحت تلعب دورًا سياسيًا أو تحولت إلى أحزاب سياسية، وهو أمر لن تتهاون معه هيئة الانتخابات مستقبلاً، ويمكن أن تلجأ لسحب اعتماد هذه المنظمات. والحياد والموضوعية شرطان أساسيان لاعتماد هذه المنظمات، مثلما ينص على ذلك مرسوم الجمعيات وجميع القوانين المنظمة للعملية الانتخابية"، كان هذا تصريح رئيس هيئة الانتخابات في تونس فاروق بوعسكر، يوم 15 جويلية/يوليو الجاري، لوكالة الأنباء التونسية الرسمية. 

أثار التصريح منذ الكشف عنه العديد من ردود الفعل والتساؤلات حول خلفية هذا التوجه وطريقة اختيار المنظمات التي ستُمنح حق ملاحظة ومراقبة الاستحقاقات الانتخابية القادمة من عدمها وذهب البعض إلى إبداء تخوّفاتهم من تضييق ممكن على نشاط المجتمع المدني المُلاحظ للانتخابات في تونس. 

 

 

في هذا السياق، صدر عن مجموعة من المنظمات المحلية المختصة في متابعة الشأن الانتخابي، وهي شبكة مراقبون، مرصد شاهد، ائتلاف أوفياء، المركز التونسي المتوسطي وجمعية عتيد، بيان بتاريخ 20 جويلية/يوليو الجاري، استنكروا، من خلاله، بصفة مبدئية ما صرح به رئيس هيئة الانتخابات، معتبرين ذلك "إنذارًا خطيرًا ومدخلًا يمهد لإمكانية التضييق على نشاط المجتمع المدني الملاحظ للانتخابات، خاصة بالنظر إلى توقيت الإدلاء به أشهرًا قليلة قبل تنظيم الانتخابات المحلية وما يمكن أن يتبعها من مواعيد انتخابية قادمة".

جمعيات مختصة في ملاحظة الشأن الانتخابي: تصريح رئيس هيئة الانتخابات إنذار خطير ومدخل يمهد لإمكانية التضييق على نشاط المجتمع المدني الملاحظ للانتخابات

وأكدت ذات الجمعيات التونسية، في البيان الذي حمل عنوان "الحق في الملاحظة الانتخابية: مكتسب لا تراجع عنه"، أن "حق ملاحظة العملية الانتخابية من قبل مكونات المجتمع المدني مكتسب وقع تكريسه دوليًا ووطنيًا لا يمكن التراجع عنه بأي حال من الأحوال وأن عملية الملاحظة تحكمها مجموعة من القواعد والمقتضيات القانونية المحددة والمنصوص عليها صلب النصوص العامة المؤطرة للعمل الجمعياتي وعلى رأسها المرسوم عدد 88 لسنة 2011 المتعلق بتنظيم الجمعيات، بالإضافة إلى مختلف النصوص التشريعية والترتيبية المكونة للتشريع الانتخابي وخاصة الفصل 4 من القانون عدد 16 لسنة 2014 المؤرخ في 26 ماي/أيار 2014 الذي يتعلق بالانتخابات والاستفتاء كما تم تنقيحه وإتمامه والذي ينص على أنه "يتولى الملاحظون متابعة المسار الانتخابي وشفافيته وتنظم الهيئة شروط اعتمادهم وإجراءاته".

وأشارت إلى أن "السلطة التقديرية التي تتمتع بها الهيئة غير مطلقة، وأن كل أعمالها، بما في ذلك منح وسحب الاعتمادات يجب أن تحترم التشريع الانتخابي ومبادئ العملية الانتخابية التي من بينها ملاحظة المجتمع المدني لكامل المسار"، وفقها.

جمعيات مختصة في ملاحظة الشأن الانتخابي: "حق ملاحظة العملية الانتخابية من قبل مكونات المجتمع المدني مكتسب وقع تكريسه دوليًا ووطنيًا لا يمكن التراجع عنه بأي حال من الأحوال"

وحذرت ذات الجمعيات والمنظمات من "خطورة استعمال مفردات عامة وضبابية على غرار "عدم الحياد" بهدف التوسيع من صلاحيات الهيئة"، مشددة على أن "دور الهيئة يجب أن ينصب على تسهيل عملية منح الاعتمادات إجرائيًا وزمنياً حتى يتم تلافي النقائص التي تم تسجيلها سابقًا".

وذكرت أن مكونات المجتمع المدني، باختلاف مجالات نشاطها الانتخابي، تعد من الأسس الثابتة للعملية الانتخابية في تونس، باعتبارها لعبت دورًا مهمًا في ملاحظة مختلف المواعيد الانتخابية منذ سنة 2011 من خلال مساهمتها في الدفع نحو تحسين الأداء الانتخابي لا فقط عن طريق رصد الخروقات، بل كذلك رافقت الهيئة في عديد المحطات ودافعت عنها كمكسب دستوري حين شابتها الصراعات الداخلية وحين تم استهدافها في وقت غير بعيد بالإضافة إلى تقديم الدراسات والمقترحات التي غطت مختلف جوانب العملية الانتخابية"، وفق ذات البيان.

 

 

باختصار، تتخوّف هذه الجمعيات، المختصة منذ الثورة التونسية في 2011 وإلى اليوم في ملاحظة المسار الانتخابي والانتخابات، من عدم تمكينها من العمل خلال الانتخابات القادمة، وهي انتخابات محلية يقول أعضاء من هيئة الانتخابات إنها قد تقام نهاية أكتوبر/ تشرين الأول القادم، وأن التمكين من العمل أو رفضه قد يكون على أساس موقف الجمعية من الهيئة وإن قامت بتوجيه انتقادات لها أو للمسار الانتخابي من عدمها.  

تتخوّف جمعيات مختصة في ملاحظة الشأن الانتخابي في تونس من عدم تمكينها من العمل خلال الانتخابات القادمة وأن يكون ذلك على أساس موقف الجمعية من هيئة الانتخابات وإن قامت بتوجيه انتقادات لها أو للمسار الانتخابي من عدمه 

ولا تقتصر التخوفات والنقاشات على المجتمع المدني المحلي بل ذهب رئيس هيئة الانتخابات، في ذات الحوار المذكور مسبقًا، إلى القول إن "المجلس الحالي للهيئة وضع توجهًا يتمثل في أنه لن يتعامل مع المنظمات الأجنبية التي كانت ترافق عمل الهيئة من قبل وتدعمها.. وهذا المجلس يعتبر عملية تنظيم الانتخابات مسألة سيادية وطنية خالصة لا تحتمل أن تشارك فيها منظمات أو هيئات أجنبية. وفيما يتصل بالملاحظين الأجانب المحليين والدوليين، فقد واصلنا التعامل مع جميع المنظمات التي تستوفي الإجراءات اللازمة لذلك.."، وهو تصريح آخر تناقله متابعون للشأن التونسي بالتساؤل والاستفسار

إجمالًا، تعتبر السنة القادمة، منذ خريف 2023 وإلى حدود شتاء السنة الموالية 2024، سنة انتخابية بامتياز في تونس، إذ يُنتظر إجراء انتخابات محلية ينتج عنها مجالس محلية، ويليها تصعيد نحو المجالس الجهوية عبر القرعة ثم يتم تكوين المجلس الوطني للأقاليم والجهات وهو الغرفة الثانية في النظام السياسي الجديد المنبثق عن دستور 2022، هذا إضافة إلى انتخابات بلدية منتظرة بعد توجه قيس سعيّد لحل المجالس البلدية

تعتبر السنة القادمة، منذ خريف 2023 وإلى حدود شتاء السنة الموالية 2024، سنة انتخابية بامتياز في تونس، إذ يُنتظر إجراء انتخابات محلية ستؤدي لاحقًا إلى تكوين مجلس الأقاليم والجهات إضافة إلى انتخابات بلدية وتبقى أكثر الانتخابات انتظارًا وجدلًا الانتخابات الرئاسية

وتبقى أكثر الانتخابات انتظارًا وجدلًا الانتخابات الرئاسية إذ تنتهي في شتاء 2024 "حسابيًا" العهدة الرئاسية للرئيس سعيّد، وهو ما تذهب إليه حتى هيئة الانتخابات الحالية لكن الرئيس التونسي لم يتحدث يومًا عن موعد إجراء هذه الانتخابات وتقول شخصيات معارضة إنه "لن يجريها إلا متى تأكد من فوزه بها". 

 

 

ويتواصل الغموض حول هذه الانتخابات بالذات، من جانب المعارضة التونسية هذه المرة، إذ تطرح عديد التساؤلات حول مشاركتها من عدمها في الانتخابات الرئاسية إن وقعت، وهي التي كانت قد قاطعت الانتخابات التشريعية الماضية وكذلك الاستفتاء وتتباين المواقف هنا في حال مشاركتها خاصة بين اعتبار ذلك اعترافًا بالنظام الحالي ومؤسساته وسلامة الانتخابات وبين ضرورة المشاركة لتحقيق التغييرات التي ترجوها في المشهد السياسي التونسي.

تطرح عديد التساؤلات حول مشاركة المعارضة من عدمها في الانتخابات الرئاسية إن وقعت وتتباين المواقف بين اعتبار المشاركة اعترافًا بالنظام الحالي ومؤسساته وبين ضرورة المشاركة لتحقيق التغييرات التي ترجوها

يتضح هذا الخلاف بوضوح من خلال مثالي حزب العمال المعارض الذي يقول أمينه العام حمة الهمامي منذ أيام قليلة، في تدخل إذاعي، إنه لن يشارك في الانتخابات الرئاسية إن وقعت في 2024 وإن المشاركة اعتراف ضمني بكل المسار، بينما يطالب حزب آفاق المعارض أيضًا عبر رئيسه فاضل عبد الكافي بمعرفة موعد الانتخابات الرئاسية وتجند الطيف الديمقراطي خلف مرشح واحد ويطرح نفسه بديلًا للمرحلة القادمة، ويدعمه في هذا التوجه "ائتلاف صمود" المعارض أيضًا. 

تسيطر الضبابية على الانتخابات القادمة في تونس، على اختلافها. تغيب الأسماء المعروفة في المشهد السياسي التونسي منذ عقود والمرشحة للترشح وجزء مهم منها متهم في قضايا مختلفة ويقبع في السجون التونسية.ولم تبرز في المشهد التونسي، إبان 25 جويلية/يوليو 2021، أي أسماء جديدة تحظى بدعم شعبي أو بحضور لافت، سواء من الداعمين لمسار الرئيس أو المعارضين. منذ سنتين، يدور المشهد التونسي حول شخص واحد. يُعتبر الرئيس قيس سعيّد جوهر الحكم والقرارات والنشاط السياسي في تونس وتتمحور حول قراراته النقاشات وردود الفعل وهو ما يثير المزيد من الضبابية والمخاوف.