لطفي العبدلي.. فنّان المواقف الثوريّة والدعاية الانتخابيّة

لطفي العبدلي.. فنّان المواقف الثوريّة والدعاية الانتخابيّة

تنكّر العبدلي لأطروحة الفن للفن التي يتمسّك بها الكثيرون تخفيًّا وخوفًا من مخاطر الخوض في الشأن العام (صورة أرشيفية/ فتحي بلعيد/ أ ف ب)

 

عرفت تجربة لطفي العبدلي الممّثل المسرحيّ والمنشّط التلفزي تحوّلات عديدة تخلّلتها اختيارات فنيّة ومواقف سلوكيّة ترقى إلى مرتبة المغامرة، وبصرف النظر عن القيمة الجماليّة والإبداعيّة للأدوار التي جسّدها العبدليّ في المسرح والسينما والدراما يمكن القول إنّ هذه الشخصيّة قد بلغت ذروة النجاح الجماهيريّ، وهو انطباع يمكن التحقّق منه علميًّا من خلال الأرقام والإحصائيّات ممّا يجعل هذا التقييم يرقى إلى مستوى الحكم الذي لا يحتمل التشكيك.

اتّصفت مواقف لطفي العبدلي السياسيّة بكونها نادرة وجيزة واضحة صريحة حاسمة خالية من التردّد والالتواء والغموض والإيحاء والترميز

يراهن العبدلي في المسرح على حضوره الركحي وخبرته ودربته، كما يستفيد في التنشيط التلفزي من سرعة البديهة ومن تنوّع مهاراته، فهو راقص وممثّل ومقلّد كوميديّ، وهو محاور متمرّس بصرف النظر عن نمط الحوار سواء كان تعليميًا تفسيريًّا أخويًّا أو جداليًّا سجاليًّا عدائيًّا، إذ يُبدي لُطفي  لطفًا فائقًا في التعامل مع هؤلاء، فيكسب مودّتهم واحترامهم، ويُظهر شراسة بالغة مع أولئك، فيخشون انتقاداته وسخريته وتهكّمه.

هذه الكفاءة الفنيّة والتنشيطيّة تجعل العبدلي في غنى عن التطلّع إلى الشهرة عبر العبارات المثيرة والتصريحات الغريبة الصادمة أو الاصطفاف وراء هذا الحزب أو تلك الجهة السياسيّة، لذلك غالبًا ما عدّت مواقفه في الشأن العامّ خاصّة في المجال السياسيّ سليلة شخصيّته المستقلّة وتصوّراته الخاصّة.

اقرأ/ي أيضًا: لقاء حصري مع "رضا لينين" وسنية الشربطي.. من يقف وراء حملة قيس سعيّد؟

من رحم الخوف والغضب

اتّصفت مواقف العبدلي السياسيّة بكونها نادرة وجيزة واضحة صريحة حاسمة خالية من التردّد والالتواء والغموض والإيحاء والترميز، فهي لا تحتمل التأويل وتعدّد القراءات، للتحقّق من ذلك يمكن العودة إلى ثلاثة من أشهر التسجيلات التي اكتست خطورتها من مضامينها ومن سياقات صدروها ومن سريانها على الألسن وعلوقها بالأذهان وانتشارها في وسائل الاتّصال الاجتماعي، التسجيل الأوّل اقترن بالحراك الثوري قبل هروب بن علي سنة 2011 والثاني والثالث اتّصلا بالانتخابات السابقة لأوانها في 15 سبتمبر/ أيلول 2019، جاء في الفيديو الأوّل ما معناه: "رسالة هامّة وعاجلة لبن علي وشرطته التي تواصل قتل التونسيين كما يتمّ صيد الفئران وقنص الكلاب، لسنا حيوانات، يا زين العابدين، أيتها الحكومة، اتركوا الحكم حينها سيعود الهدوء، أنتم الذين أشعلتم النيران، أنتم الذين أحرقتم البلاد، لسنا نحن من أشعلناها، أنتم بادرتم بالضرب، يا بن علي، إن كانت فيك بعض الإنسانيّة اتركنا نعيش، الشعب، كل الشعب، صغيرهم وكبيرهم، المثقف والأميّ الجميع يقولون لك ارحل.. "، ثمّ نحا العبدلي في كلامه منحى رمزيًّا استعاريًّا مخاطبًا بن على "ألم يؤلمك الجلوس على الكرسي أكثر من عشرين سنة، إنّ مثلك مثل علبة ياغرت فسدت تثير التقزّز والغثيان...".

غَضَبٌ وخوف وتوتّر وأمل وانتظار.. انفعالات شديدة قويّة  متباينة يلمسها مشاهد الفيديو في ملامح العبدلي وحركات يده وأنفاسه والتفاتته ذات اليمين وذات الشمال وجُمله المبتورة وبعض العبارات المتكرّرة الخالية من الترتيب والتبويب، اندفاع لم يمنع صاحبه من اتّخاذ بعض تدابير الحذر والحيطة من خلال اختيار خلفيّة بيضاء صمّاء لا تشي بمكان التسجيل، وذلك للإفلات من قبضة البوليس الذي بلغ في تلك الساعات مرتبة التوحّش والعشوائيّة في التقتيل والمطاردة والإيقاف.

لا نملك شجاعتكم لكن قلوبنا معكم

موقف العبدلي في تلك اللحظات الحاسمة لا يرفعه إلى مصافّ الشباب الثائر في القصرين وسيدي بوزيد وغيرهما من المدن، إذ يخلُ السجلّ الواقعي والافتراضي القديم لهذا الفنّان من المواقف الصريحة المناهضة لبن علي وسياسته، حتّى أعماله الفنيّة كانت أبعد ما تكون عن نقد الدكتاتوريّة والظلم والحيف الاجتماعيّ والتضليل الإعلامي قبل ثورة الحرية والكرامة، غير أنّ هذا التنسيب والتعديل لا يمكن أن يبخسا قيمة ذاك الفيديو الشهير الذي يمكن تصنيفه ضمن العناصر المحفزة، فقد كان الشباب المرابط في الشوارع والساحات آنذاك في حاجة ماسّة إلى كلّ الأخبار والتدوينات والصور التي تثمّن تحرّكاته وتساندها بصرف النظر عن مصدرها وأسلوبها، وقد تأكّدت الحاجة إلى تواتر أشكال الدعم خاصّة في الأيّام الأخيرة التي استنجد فيها نظام بن علي بالفنانين والإعلاميين والسياسيين لإنقاذه، فاستجابت فئة قليلة، منهم سامي الفهري وبشرى بالحاج حميدة وغيرهما، وحاولوا في برنامج تلفزي تنشيطي الحدّ من المدّ الثوريّ المتّجه إلى قلب العاصمة، فكان عرضهم مخيّبًا محبطًا، وكانت مزاميرهم مقزّزة مستفزّة، غير أن الانتفاضة كانت آنذاك تسير بثبات نحو حسم طورها الأوّل المتمثّل في سقوط رأس النظام، فطوبى لمن أعلن عن موقفه، قبل أن تبدأ موجة الركوب على الثورة.

يتّضح من خلال العيّنة الأولى من التسجيلات أن موقف العبدلي قد انطوى على رسالة للشباب المندفع المتحمّس الشجاع مفادها: لسنا في مقامهم الرفيع الجليل المفضي إلى الشهادة في سبيل الحريّة والكرامة والوطن، لكنّ قلوبنا معهم، فلن نخذلكم كما خذلكم غيرنا.

اقرأ/ي أيضًا: التصويت الأبيض في الانتخابات الرئاسية.. رقم لافت في مشهد ضبابي

من فنّان السلطة إلى سلطة الفنّان

لم يعلن العبدلّي عن ذاك الموقف الحاسم من بن علي بدافع إيديولوجي، ولم تحرّكه الضائقة الماديّة الحاثّة على المطالبة بالتشغيل والعدالة الاجتماعيّة، والأرجح أن يكون المحفز إنسانيًّا وإبداعيًّا، فالبعد الإنسانيّ يحثّ على مساندة الشباب الذي كان يواجه آلة قمعيّة متعسّفة، أمّا المقصد الإبداعي فمن دعائمه التمسّك بالحريّة لأنّها السبيل الأمثل للتعبير والتفكير والإبداع، فإذا كانت الحريّة بالنسبة إلى السياسيّ مسلكًا إلى الديمقراطيّة فإنّ الحريّة بالنسبة إلى الفنّان هي ذاته وهي هويّته.

هذا ما يفسّر تصدّي المبدعين لكلّ خطاب يهدّد الحريّة لأنّها شرط وجودهم وعلّة كيانهم، فلا عجب أن ترى الفنانين في مقدّمة الرافضين لكل ضروب المنع والرقابة الدينيّة أو الأخلاقيّة أو الاستخباراتيّة، ولا عجب أن تراهم يتوجّسون خيفة من كلّ سياسيّ ينذر بنزعة أمنيّة في مواجهة التجاوزات، فالحريّات لا تتجزأ، في هذا السياق يمكن أن نفهم موقف لطفي العبدلي من عبد الكريم الزبيدي حينما دعا إلى عدم انتخابه منذ الدور الأول.

ففي التصريحات الانتخابيّة لهذه الشخصيّة المدعومة من نداء تونس تبشير بعودة القبضة الأمنية، هذه الدعاية هي بمثابة البشرى بالنسبة إلى من أضنتهم الفوضى، وأقضّت مضجعهم الانفلاتات الأمنيّة، وضاقوا ذرعًا بسبب انتشار الجريمة، ولكنها في المقابل تعدّ دعاية منذرة بعودة الاستبداد وسياسة تكميم الأفواه التي كشفتها بأسلوب مفضوح استباقي صورة لأحد مرافقي الزبيدي الذي دعا الإعلاميين الحاضرين في إحدى الندوات إلى التزام الصمت والإنصات في غير جدال أو سجال.

خرج لطفي العبدلي في صورة الفنّان الملتزم المشدود إلى هموم أبناء وطنه، وغامر بمنزلته لدى جمهوره ذي الألوان الحزبيّة والإيديولوجيّة المتعدّدة المتباينة

ولتأكيد تمسّكه بالحريّة دعا العبدلي في فيديو لاحق بعض القنوات إلى الكفّ عن التضليل، ذلك أنّ إلزام الناس بالصمت وتقييد حرياتهم سياسةٌ لا تقلّ خطورة عن قصفهم يوميا بالمغالطات والأكاذيب.

تنكّر العبدلي لأطروحة الفن للفن التي يتمسّك بها الكثيرون تخفيًّا وخوفًا من مخاطر الخوض في الشأن العام، وخرج هذا الممثّل في صورة الفنّان الملتزم المشدود إلى هموم أبناء وطنه، وغامر بمنزلته لدى جمهوره ذي الألوان الحزبيّة والإيديولوجيّة المتعدّدة المتباينة، ولم يكُفّ عن مناصرة بعض السياسيين ( منهم قيس سعيّد) ومعاداة غيرهم ساخرًا متهكّمًا بمنتهى الجرأة التي بلغت التطاول أحيانًا، فأصبح عند الكثير من الإعلاميين ورؤساء الأحزاب وممثّليهم مصدر إزعاج مقلق مرعب ممّا دفع البعض إلى تجنّب ملاقاته في نفس المنبر التلفزي، فتحققّت معه ومع عدد من الفنّانين بعد الثورة معادلة جديدة عنوانها التحوّل من فنّان السلطة إلى سلطة الفنّان، سلطة تتخطّى التأثير في الذوق لتطال النفوس والأذهان والاختيارات السلوكيّة والسياسيّة، لسنا نبالغ حينما نتحدّث عن سلطة الفنّان، وقد تتجاوز سلطته مرتبة الدعاية لغيره إلى الدعاية لنفسه وبلوغ أعلى مراكز النفوذ، ألم يتمكّن فلاديمير زيلينسكي الكوميدي الأوكراني من الفوز بالرئاسة ببلاده بنسبة تاخمت الأربعة وسبعين في المائة في انتخابات تمّ الإعلان عن نتائجها في 21 أفريل/ نيسان 2019؟

ساهمت ثورة الحريّة والكرامة في تخليص الفنانين من سياسة تكميم الأفواه والرقابة الذاتيّة والأمنيّة، ومكّنتهم من سطوة تخطّت مع بعض المبدعين سلطة العلماء والباحثين والأئمّة والمربّين والسياسيين

من سلطة الفقيه إلى سلطة الفنّان

كانت الرعيّة في التاريخ الإسلاميّ عند مبايعة حاكم تستأنس بآراء الفقهاء والأئمّة، وظلّت هذه المنزلة الدينيّة إلى الآن مرجعًا بالنسبة إلى العديد من الناخبين في تخيّر المرشّح الأفضل، بيد أنّ الناظر في المشهد السياسيّ واجد تحوّلات عديدة، إذ تُنافس رجل الدين شخصيّات اعتباريّة أخرى منها الأستاذ والأكاديمي، فكلاهما يمثّل أنموذجًا يعتدّ برأيه بالنسبة إلى الآلاف ممّن تتلمذ على أياديهم، كما يمثّل الإعلاميّ سندًا يمكن للمواطن الاستفادة من آرائه، فهو من خلال محاوراته وعلاقاته الواسعة المتنوّعة يعد مصدرًا للحقيقة بالنسبة إلى الغافلين عن الدقائق السياسيّة، من جهة أخرى قد يتحوّل الفنّان أو المبدع روائيًّا كان أو ممثلًا أو شاعرًا أو ملحنًا إلى منارة يستدلّ بها بعد أن كان دوره قديمًا لا يعتدّ به، في هذا المعنى يقول المفكر العربي عزمي بشارة "لم يتمتّع الشعراء ( شأنهم شأن الفنانين عامّة) والعاملون في فروع اللغة والبلاغة والتراجم (خلافًا للفقهاء والعلماء) بالسلطة الشرعيّة أو الضميريّة لنقد الأوضاع القائمة" فهؤلاء لم تكن لهم قديمًا السلطة المعنويّة أو الأخلاقية (عن المثقف والثورة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، العدد4، سنة2013).

هكذا ساهمت ثورة الحريّة والكرامة في تخليص الفنانين من سياسة تكميم الأفواه والرقابة الذاتيّة والأمنيّة، ومكّنتهم من سطوة تخطّت مع بعض المبدعين سلطة العلماء والباحثين والأئمّة والمربّين والسياسيين وغيرهم من أصحاب النفوذ التقليديّ.

 

 

اقرأ/ي أيضًا:

بذات الوعود ونفس الوجوه.. الأحزاب تصارع من أجل حظوظها في التشريعيات

بعد نتائج الدور الأول للانتخابات الرئاسية التونسية.. حركة النهضة إلى أين؟