هوامش.. على دفتر جدل الثورة

هوامش.. على دفتر جدل الثورة

هرب بن علي من تونس إلى السعودية يوم 14 جانفي 2011 (صورة أرشيفية/ كريستوفر فورلونغ/ Getty)

 

مقال رأي

 

في كلّ سنة، وخلال هذه الفترة، يطفو إلى السطح جدل قديم متجدّد حول ثورة 17 ديسمبر/ كانون الأول 2010 – 14 جانفي/ كانون الثاني 2011، يقسم التونسيين بين يستذكر أمجاد أيام الثورة والغضب الشعبي ومن يهاجمها ويعتبر أنها كانت بداية "الليالي السود" لتونس.

خلال السنوات القليلة الماضية بدأت الأصوات التي تحنّ إلى النظام السابق تتنامى وتعلو شيئًا فشيئًا

اقرأ/ي أيضًا: عبد الرؤوف العيادي في تقديم كتابه: الثورة هي رد اعتبار للشعب التونسي

وخلال السنوات القليلة الماضية، بدأت الأصوات التي تحنّ إلى نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي تتنامى وتعلو شيئًا فشيئًا حتى صارت اليوم الأغلبية من التونسيين تستجدي عودة الرئيس المستبدّ، وذلك نتيجة تظافر عدّة أسباب أبرزها تدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي وتردي الأوضاع الأمنية وانتشار الجريمة والفساد والفوضى..

وكنت في كلّ سنة أتابع هذا الجدل بصمت، أراقب وأستمع لمختلف المواقف وأحاول أن أفهم خلفيات كلّ طرف. ولكني هذا العام، شعرت بضرورة ماسة للكتابة حول هذا الجدل الذي يبدو أنه لن ينتهي قريبًا.

خلال أحداث الثورة، وأصرّ على تسميتها كذلك، فعقلي لا يمكن أن يصدّق اليوم أنها مؤامرة، كنت للأسف الشديد خارج حدود الوطن، كنت أقيم في لبنان مع عائلتي، باستثناء والدي الذي كان موجودًا بتونس. ورغم بعد المسافة، كنت أتابع كلّ ما يجري لحظة بلحظة، من خلال شبكات التواصل الاجتماعي وقنوات تلفزية متنوعة.

كان جسدي يتنفس ويتنقل في لبنان، ولكنّ كياني وروحي كانا في تونس، كانا إلى جانب المحتجين والمتظاهرين، كنت أتمنى أن أكون إلى جانبهم وأشاركهم الصراخ والرصاص، كم تمنيت أن أستنشق الغاز المسيل للدموع وأركض هربًا من قمع الأمن.

لن أدعي أنني كنت في يوم من الأيام مناضلة، أو حتى أن أحد أفراد عائلتي كان كذلك. فوالدي، ورغم كرهه الشديد لبن علي، كان حريصًا، على عدم التعبير عن رأيه بشكل واضح وصريح، وذلك رغبة منه في توفير العيش الكريم لأبنائه، ورغم ذلك لم يكن أبي أو أمي من أولئك الذين "يبندرون" للنظام أو يتغنون به، حتى أنهم لم يشاركوا في أي انتخابات خلال العهد البفسجي. كان أبي وأمي والدين نموذجين يفعلان كلّ ما في وسعهما لضمان معيشة جيدة لأبنائهما. وحتى الانتقادات التي كنا نوجّها لبن علي أو أحد أفراد عائلته، كانت تتمّ بالهمس خوفًا من أن يسمعنا أحدهم.

كان يوم سقوط نظام بن علي وهروبه إلى السعودية إعلانًا بالنسبة لي لبداية انعتاقي من قيود سيطرت عليّ لسنوات

كانت ثقافة الخوف من قمع النظام حاضرة بشكل كبير في محيطنا لا العائلي فقط بل حتى المدرسي، الأمر الذي دفع بوالداي في مرحلة ما إلى اتخاذ قرار مصيري بمغادرة البلاد حتى يتسنى لنا العيش في جوّ أكبر من الحرية، وهنا كان قرار مغادرتنا.

وبالعودة إلى أيام الثورة، كان ما يحصل في تونس يمثّل بالنسبة لي بداية تحرّر من خوف أحاط بي منذ نعومة أظافري، خوف من نظام يقمع صوتي ويمكن له أن يسلّط عليّ أقسى أنواع العقوبات إذا حاولت التعبير عمّا يدور بخلدي، رغم أني لم أكن ضحية من ضحاياه.

كان هتافات المتظاهرين في شوارع تونس تبثّ في أعماقي أصواتًا داخلية تحثني على كسر القيود المحيطة بي، صحيح أن التمرّد في تونس كان ضدّ نظام مستبدّ لا يرحم، ولكن التمرّد بالنسبة لي كان على خوفي من الآخر، وعلى قلة ثقتي بنفسي، تمردًا على حياة كانت تدفعني نحو القاع وتفرض علي ظروف عمل تحدّ من أحلامي وطموحاتي التي كانت طالما كبيرة وتصل آفاقها إلى حدود السماء، وربما أبعد.

كان يوم سقوط نظام بن علي وهروبه إلى المملكة العربية السعودية إعلانًا بالنسبة لي لبداية انعتاقي من قيود سيطرت عليّ لسنوات، سببها بشكل رئيسي الخوف من المجهول ومن كلّ ما قد يحيط بي. اتخذت بعد 14 جانفي/ كانون الثاني 2011، قرارًا بالعودة إلى تونس لأكون جزءًا ولو بسيطًا من مسار تحرّر بلاد من أغلال الاستبداد ومسار تحرّري من اعتمادي على والدتي بشكل خاص.

وكان كذلك. عدت بمفردي إلى تونس باحثة عن آفاق جديدة وطموحات ألاحقها بحثًا عن تحقيق ذاتي وإيجاد إجابة لتساؤل يلاحقني منذ سنوات "أي دور لي في هذه الحياة؟". عدتُ أيضًا لأكون شاهدة على مسار انتقال تونس من بلد يخنق أبناءه إلى بلد ديمقراطي حرّ يتنفس أبناؤه هواء الحرية.

مع مرور السنوات بدأت الأحلام تختنق وشرعت البلاد في قتل أبنائها رويدًا رويدًا. بعضهم اختار الموت بحثًا عن نهاية أفضل واستسلم لوعود الجنة في الآخرة والحوريات، والبعض الآخر خيّر مواجهة البحر وأخطاره في سبيل الوصول إلى الجنة الأوروبية الموعودة، وآخرون عادوا إلى حرق أنفسهم علّهم عند تكرار ما فعله محمد البوعزيزي ذات 17 ديسمبر/ كانون الأول، بعدما انسدّت أمامهم آفاق التشغيل والكرامة، يعيدون إشعال فتيل الثورة من جديد.

اقرأ/ي أيضًا: هل حقًا 14 يناير هو عيد الثورة في تونس؟

المشكل يكمن أساسًا في كيفية تعاطي مختلف فئات المجتمع وشرائحه مع الثورة وما يواجهه مسار إنجاحها من تحديات

لن أتطرّق في هذا المقال إلى محاولة شرح أو تحديد الأسباب والخلفيات التي أدت بعد ثماني سنوات من الثورة إلى حالة كبيرة من الإحباط واليأس تعجز الكلمات عن وصفها، فالأسباب تتداخل وتتنوع وتراوح بين السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني.

ومع تنامي الصراعات السياسية وسيطرة الحسابات السياسوية الضيقة وغياب قيادات وخطاب يصل منطقي معقول يتقبّله المواطنون، وإزاء تفشي الفساد في مختلف مؤسسات الدولة، بل وحتى المجتمع، والانحطاط الأخلاقي الذي وصلت له الممارسة السياسية في عديد المناسبات، يجعل المواطن العادي يملّ كلّ هذه المهاترات ويتمنى عودة بن علي الذي يعتبر أنه كان يوفر له الحدّ الأدنى من الاستقرار الاقتصادي والأمني.

وما يضاعف هذا الشعور العام باليأس والغياب، هو غياب طرح حقيقي يقدّم بديلًا فعليًا وبرنامجًا واقعيًا من شأنه إخراج البلد من أزماته العديدة.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل يمكن أن نجد حلًا لمعضلات تونس إذا لم نتوقف قليلًا ونراجع أنفسنا ونطرح أسئلة ضرورية حول كيفية تعاطينا مع الأوضاع التي تعيشها تونس اليوم.

المشكل يكمن أساسًا في كيفية تعاطي مختلف فئات المجتمع وشرائحه مع الثورة وما يواجهه مسار إنجاحها من تحديات، فإذا كانت الطبقة السياسية، في أغلبيتها انتهازية، فأي دور كان لنا كشعب ونخب مثقفة في إيصال هذه الطبقة إلى سدّة الحكم، ألا يمثّل هؤلاء من توجه إلى صناديق الاقتراع وانتخبهم؟ أليست مقاطعة عدد كبير من المواطنين الاستحقاقات الانتخابية وتخييرهم الصمت قد ساهم في إيصالهم لكرسي الحكم؟ أليس فشلنا في الانخراط بفعالية في الحياة السياسية والمشاركة الحقيقية والفعالة، على مختلف المستويات، قد ساعدهم كذلك على السيطرة على المشهد السياسي؟

نحن اليوم بأشد الحاجة إلى من يمتلك القدرة على دفعنا في التفكير في اختياراتنا ومراجعتها وبالتالي تغيير نمط تعاطينا مع المسألة السياسية والشأن العمومي في تونس، نحن بحاجة إلى إعلام يطرح قضايا حقيقية بعيدًا عن خدمة مصالح هذا الطرف أو ذاك. نحن نحتاج إلى أن يغادر المثقفون أبراجهم العاجية ويختلطوا بالمواطن البسيط لحثّه على التفكير في مسائل الشأن العام التي تهمه بشكل عام رغم اعتقاده أنها بعيدة عن اهتماماته التي تنحصر في توفير القوت اليومي.

الحنين إلى الماضي، أي ماض كان، هو نوع من السلفية

الأولوية المطلقة اليوم تتمثل في دفع المواطنين نحو التفكير في طريقة تعاطيهم مع كلّ ما يمرّون به وكلّ ما تعيشه البلاد من صراعات وصعوبات سياسية واقتصادية واجتماعية.

لن أنكر أن الوضع بلغ درجة كبيرة من التأزم اليوم، ولكن ما عمر ثورتنا؟ ثماني سنوات؟ أي قيمة لثماني سنوات في مسار البشرية وتاريخها. من دون أدنى شك أن البلاد تمرّ ربّما بأكلح فتراتها التاريخية، ولكن هناك "بقع ضوء" لا بدّ من الوقوف عندها، فتونس اليوم البلد الديمقراطي الوحيد عربيًا، وتونس اليوم تواصل مسيرتها الرائدة فيما يتعلّق بحقوق المرأة وتسير نحو مزيد ترسيخ المساواة بين مختلف مواطنيها سواء بإقرار قانون مناهضة كلّ أشكال الميز العنصري، ومكافحة العنف ضدّ المرأة، ومقترح قانون المساواة في الميراث بين الجنسين، فضلًا عن تقدّمها، ولو بشكل بطيء، في المجال التشريعي الذي يهمّ الحقوق والحريات الفردية.

الوضع سيء، والرداءة تسيطر على عدّة نواح وأوجه من حياتنا، ولكنّ ذلك لا يعني بأي شكل من الأشكال الغرق في الاستسلام واليأس والحنين إلى ماض سلطوي تسلّطي خلّف عديد الضحايا، فالحنين إلى الماضي، أي ماض كان، هو نوع من السلفية، والحياة لا يمكن أن تقبل العودة إلى الوراء، فالحياة هي الحاضر، إذ أن الماضي ذهب وولى وأصبح مجرّد فكرة، والمستقبل ما يزال مجرّد فكرة نستطيع صوغها كما نريد، ولكن الحاضر هو المهم، والحاضر هو ما يحتاجنا اليوم كي نؤسس لمستقبل أجمل.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الرضيعة يقين القرمازي أصغر شهداء الثورة: بأي ذنب قتلوها؟

ماهو تاريخ عيد الثورة في تونس؟