ultracheck
سیاسة

بعد نتائج الدور الأول للانتخابات الرئاسية التونسية.. حركة النهضة إلى أين؟

20 سبتمبر 2019
GettyImages-1168848320.jpg
تتجه النهضة نحو دعم قيس سعيد خلال الدور القادم من الرئاسيات (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)
نائلة الحامي
نائلة الحاميصحفية من تونس

يُتداول منذ أيام في مواقع التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام المحلية والأجنبية أن نتائج الدور الأول من الانتخابات الرئاسية التونسية كان وقعها أشبه بالزلزال على التونسيين. تكررت كلمة "الزلزال" أو ما  قد يرادفها كثيرًا رغم أن المتابع الجيد لكل نتائج سبر الآراء التي صدرت خلال الأشهر التي سبقت الانتخابات قادر على التكهن تقريبًا بهذه النتيجة وإن كان تصديقها صعبًا.

لكن ما لم يكن متوقعًا فعلًا أن تُحدث هزيمة مرشح حركة النهضة عبد الفتاح مورو، عبر احتلاله المرتبة الثالثة في سباق المترشحين لكرسي الرئاسة في دورها الأول وبالتالي عدم مروره للدور الثاني، ما أحدثته من تداعيات داخل الحركة التي طالما عُرفت بتماسكها وانغلاقها على مشاكلها. بدا أن "الزلزال" الأوضح، على الأقل حاليًا، هو ما يحصل هذه الأيام داخل الحركة الإسلامية التي لم تُغادر الحكم في تونس ما بعد 2011 وصارت تُعرف بكونها "رقمًا صعبًا" في المشهد السياسي التونسي لا يتم تجاهله داخليًا وخارجيًا.

بدا أن "الزلزال" الأوضح، على الأقل حاليًا، في تونس هو ما يحصل هذه الأيام داخل حركة النهضة التي لم تُغادر الحكم ما بعد 2011 وصارت تُعرف بكونها "رقمًا صعبًا"

ما الذي حصل لتتوالى التصريحات النارية من قيادات الحركة بعد مرور سويعات قليلة من اتضاح مسار النتائج وحتى قبل إعلانها رسميًا؟ ما الذي يفسر هذا الهجوم على رئيس الحركة راشد الغنوشي؟ لما تراجع عدد المصوتين للنهضة من قرابة المليون والنصف في سنة 2011 إلى أقل من 500 ألف في انتخابات الأحد الماضي؟ ما الحكمة من اختيار هذا التوقيت بالذات لمهاجمة رئيس الحركة وتصدير الصراع الداخلي إلى خارج الحركة والحزب على أبواب انتخابات تشريعية حاسمة في مستقبله ومستقبل البلد بشكل عام؟ وأي خيارات أمام الحزب خلال المرحلة القادمة؟

نتيجة مخيبة للآمال وبداية تصدير الصراع الداخلي

لنعد إلى البداية.. الزمان هو مساء يوم التصويت في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية أي مساء الأحد  15 سبتمبر/ أيلول الجاري. لم تصدر حينها بعد النتائج الأولية لهيئة الانتخابات ولا حتى النتائج التقديرية بعد استبيان آراء التونسيين إثر التصويت، والتي اعتادت على إصدارها شركات سبر الآراء مباشرة بعد انتهاء الوقت المخصص للتصويت وذلك منذ انتخابات 2014. لكن معظم قيادات الأحزاب علمت ولو جزئيًا بالتوجه العام للنتائج. دعوات متتالية من كل حزب لأنصاره، سرًا بسبب الصمت الانتخابي، لعدم التخلف والمشاركة بالتصويت ومن أكثر الأحزاب أرقاً في تلك الساعات حركة النهضة.

سرعان ما بدا واضحًا للكثيرين أن تحركات الساعات الأخيرة لن تكون مجدية لكن البعض كابر داخل الحركة الإسلامية التي اعتادت الفوز أو في أسوأ الحالات المرتبة الثانية منذ 2011، وذلك خاصة من داخل حملة عبد الفتاح مورو ممن سارعوا مباشرة إثر إعلان شركات سبر الآراء النتائج التقديرية إلى تكذيبها أو تنسيبها والدعوة في نقطة إعلامية إلى انتظار نتائج الهيئة والحديث عن تقدم لافت لمرشح النهضة.

تدريجياً، هدأت الأصوات من داخل النهضة، إنها المرتبة الثالثة لا محالة والمكابرة لا تفيد في شيء. إنه الإقصاء لمرشحها لرئاسة تونس منذ الدور الأول، والذي طالما رُوج له على أساس كونه الشخصية النهضوية الأكثر قدرة على استقطاب أصوات من خارج قاعدة النهضة الانتخابية، مع صعود مرشحين للدور الثاني من خارج منظومة التحالفات التي أقامتها سابقاً وهو ما يثير حيرة قيادات الحركة، لكن الهدوء كان وقتيًا وتلته عاصفة من التصريحات والاتهامات من داخل الحركة ولا تزال ارتداداتها متواصلة.

لم تُعوّد النهضة جمهورها على تبادل الاتهامات بين قيادات الحركة بشكل علني ما أثار تخوفًا جليًا من مدى انعكاس هذا التصدع الداخلي على نتائج الحركة في الانتخابات التشريعية

من ردود الفعل المثيرة للانتباه الرسالة "المؤثرة" للقيادي في حركة النهضة والمدير السابق لمكتب رئيس الحركة زبير الشهودي والتي أوردها على حسابه الرسمي بموقع فيسبوك وأعلن فيها انسحابه من كل المهام القيادية في الحركة داعيًا رئيسها "لاعتزال السياسة وأن يلتزم بيته ويبعد صهره وكل القيادات الذين دلسوا إرادة كبار الناخبين في إقصاء مباشر لكل المخالفين في الرأي من نساء وشباب وقيادات تاريخية" كما تحدث في ذات الرسالة عن "أقلية فاسدة ومفسدة داخل حركة النهضة".

تلى ذلك حوار مثير للقيادي في حركة النهضة محمد بن سالم مع إذاعة الديوان المحلية انتقد فيه رئيس الحركة راشد الغنوشي وحمّل القيادة التنفيذية للحركة مسؤولية هزيمة مورو، إذ اعتبر أنها لم توفر الضروريات لإجراء حملة فاعلة. ودعا بن سالم، خلال ذات الحوار، إلى ضرورة قطع الطريق أمام من أسماهم "المطبعين مع الفساد داخل حركة النهضة". هذا الأخير اعتبر أن نتائج الرئاسية المخيبة هي نتيجة لما سماه "الانقلاب" على نتائج الانتخابات التمهيدية داخل الحركة لاختيار مرشحيها للتشريعية.

لم تُعوّد النهضة جمهورها على تبادل اتهامات مماثلة في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي وبشكل علني، ما أثار تخوفًا جليًا من مدى انعكاس هذا التصدع الداخلي على نتائج الحركة في الانتخابات التشريعية، خاصة وأن حضور النهضة في الحملة الانتخابية للتشريعية، والتي انطلقت منذ نحو أسبوع تقريبًا، بدا فاترًا إلى حد الآن.

اقرأ/ي أيضًا: الرئاسية تسبق التشريعية.. هكذا بُعثرت أوراق الأحزاب في تونس

إقرار بالهزيمة "على استحياء".. أمام بعد؟

في الأثناء، اكتفت القيادة الحالية للحركة باعتبار النتائج المحققة في الدور الأول "نتائج مشرفة" خلال ندوة صحفية تلت إعلان هيئة الانتخابات عن النتائج الأولية لكنه إقرار ضمني على استحياء بالهزيمة في حقيقة الأمر. تعرف قيادات النهضة جيدًا أهمية الاستحقاق الانتخابي القادم بعد أيام قليلة وتدرك ضرورة الاستعداد له وتجاوز مخلفات نتائج الدور الأول للرئاسيات ولو جزئيًا. لكن السؤال الأبرز كيف ستستعد الحركة للاستحقاق التشريعي؟ أين ستتموقع؟ ما الخيارات المتاحة لها؟ على ماذا سيتركز خطابها الجديد؟ ومن هم الحلفاء الجدد؟

كما كان تقديم موعد الانتخابات الرئاسية قبل التشريعية، بسبب وفاة الرئيس الباجي قائد السبسي، مبعثرًا لأوراق النهضة، تحبذ قياداتها حاليًا أن يسبق الاستحقاق الرئاسي في دوره الثاني الانتخابات التشريعية إذ يمكنها هذا السيناريو من معرفة اسم الرئيس القادم بشكل نهائي مبكرًا، مع كل ما يعنيه ذلك من ترتيب للأوراق المبعثرة وتحديد أيسر للخيارات والتحالفات وشكل الخطاب المتبع.

تتجه النهضة نحو دعم قيس سعيد خلال الدور القادم من الرئاسيات وهو الاحتمال الأقرب تماشيًا مع التوجه العام للتصويت من الشعب التونسي ومع خيارات القاعدة الانتخابية للحركة

في هذا السياق، لم تقدم النهضة طعونًا في نتائج الدور الأول للانتخابات الرئاسية رغم أن مرشحها قد يكون الأكثر استفادة في حال قبول بعض الطعون من قبل المحكمة الإدارية، المُخول لها النظر في هذه الطعون. يأتي هذا التمشي بالتناسق مع ما ذهبت إليه الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، التي أكد أعضاؤها أنه في حال لم ترفع أي طعون في نتائج الانتخابات فإن الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية سيجرى يوم 29 سبتمبر/ أيلول الجاري أي قبل أسبوع من موعد التصويت للاستحقاق التشريعي.

ستة طعون قُدمت في مساء آخر يوم يُسمح فيه بالطعن وذلك من قبل مترشحين آخرين لكرسي الرئاسة وكانت كفيلة بضرب هذا السيناريو وتغير بذلك موعد الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية إلى 6 أو 13 أكتوبر/ تشرين الأول القادم أي بالتزامن مع الاستحقاق البرلماني أو في الأسبوع الذي يليه. وهو سيناريو يُعقد الاختيارات بالنسبة لحركة النهضة.

تولي الحركة الإسلامية أهمية كبرى للاستحقاق التشريعي فهي تدرك أن النظام حاليًا في تونس برلماني معدل ولمجلس نواب الشعب أهمية كبرى في تسيير دواليب الدولة. ولذلك قد تتجاوز الحركة عدم مرور مرشحها إلى الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية في حال حققت نتائج جيدة في التشريعية، أما نتائج سلبية في هذه الانتخابات فقد تكون عواقبها سيئة على مستقبل الحركة.

راشد الغنوشي هو الشخصية التي حسمت وخططت لخيارات النهضة طيلة عقود قبل الثورة وبعدها وتجنبت التقييم لمختلف خياراتها لسنوات لكن رياحًا عاتية بدأت تعصف بها وبالمقربين منها ولا يمكن التكهن بعد بحجم تأثيرها

من أجل ذلك من المنتظر أن يجتمع مجلس شورى النهضة الإثنين القادم في دورة استثنائية في المقر المركزي للحركة بمونبليزير، مع اتضاح مسار الطعون المقدمة، وذلك لحسم الموقف من مساندة المترشح قيس سعيد أو نبيل  القروي خلال الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية. وهي مساندة تعني الكثير من حيث تحديد خيارات الحركة وتوجهاتها وتحالفاتها للمرحلة القادمة.

خلال اليومين الأخيرين، أكدت قيادات بارزة من الحركة أن النهضة تتجه نحو دعم قيس سعيد خلال  الدور القادم من الرئاسيات وهو الاحتمال الأقرب تماشيًا مع التوجه العام للتصويت من الشعب التونسي ومع خيارات القاعدة الانتخابية للحركة. وفي حال تأكد هذا التوجه فنحن أمام عودة النهضة إلى ما يعرف بـ"منظومة الثورة" بعد تحالف لسنوات دام مع ما يُطلق عليه "المنظومة السابقة"، في إطار صيغة التحالف التي كان وراءها الشيخان الغنوشي وقائد السبسي. لكن التحالف الجديد تبدو ملامحه ضبابية جدًا وتتداخل معطيات عديدة لتحول ضده. ومن السيناريوهات القائمة فشل النهضة في تحقيق هذا التحالف وتوجهها نحو المعارضة.

وتُطرح أسئلة عديدة حول مدى نجاح هذا التوجه من عدمه وحجم تأثيره على الحزب، الذي يعرف منتصف العام القادم مؤتمرًا من المنتظر أن يعلن فيه عن رئيس جديد بدل راشد الغنوشي، الشخصية التي حسمت وخططت لخيارات النهضة طيلة عقود قبل الثورة وبعدها. والشخصية التي تجنبت التقييم لمختلف خياراتها لسنوات لكن رياحًا عاتية بدأت تعصف بها وبالمقربين منها ولا يمكن التكهن بعد بحجم تأثيرها. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

انتخابات 2019.. ماذا لو لم يحكم أحد؟

سنة 2019.. ماذا تخبئ لتونس؟

الكلمات المفتاحية

النساء الديمقراطيات.jpg

مجلة الأحوال الشخصية.. أي حوار ممكن في مواجهة صناعة التوتر؟

مجلة الأحوال الشخصية هي أهمّ نصّ قانوني عاكس للخيار التحديثي المصاحب لنشأة دولة الاستقلال في تونس تجاه..


المحكمة الإدارية طعون الانتخابات الرئاسية.jpg

مبادرة تشريعية لتنفيذ أحكام القضاء.. سؤال النجاعة والمبدئية في آن

تحتاج معالجة معضلة عدم تنفيذ أحكام القضاء لمقاربة مركّبة يعدّ النص القانوني جزءًا منها بما في ذلك النص الجزائي، فيما تظلّ عوامل أخرى رهينة الإرادة السياسية والإصلاح الإداري..


إيداع مبادرة تشريعية لتأجيل الانتخابات البلدية في تونس وتعويضها بنيابات خصوصية.jpg

ثلاث سنوات دون مجالس بلدية.. كلفة متصاعدة في تونس

يظلّ السؤال اليوم، في نهاية المطاف، هل سنرى يومًا ما قانونًا للبلديات يضمن مبادئ اللامركزية والديمقراطية المحلية ويعيد الاعتبار للبلديات؟ وهل ستُجرى قريبًا انتخابات بلدية تنافسية وشفافة ونزيهة، على خلاف مناخ إجراء الانتخابات التشريعية والرئيسية؟


الحركة القضائية في تونس حسن مراد.jpg

قضاة جدد خارج الحركة القضائية.. الاستثناء الذي أصبح قاعدة في تونس

تتكرّر مجدّدًا تسمية القضاة الجدد خارج الحركة القضائية السنوية التي المفترض أن يعدّها المجلس الأعلى للقضاء قبل إحالتها لرئيس الجمهورية لختمها، بعد صدور أمر رئاسي يقضي بتسمية الملحقين القضائيين المتخرّجين من المعهد الأعلى للقضاء بعدد من المحاكم،

أمطار تونس منخفض جوي تقلبات جوية بلعيد.jpg
منوعات

درجة إنذار تتطلب الحذر.. أمطار رعدية ورياح قوية تشمل 18 ولاية تونسية

معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تصل إلى 41 درجة بالجنوب الغربي

البطولة العربية لألعاب القوى
منوعات

تونس تحصد 17 ميدالية في البطولة العربية لألعاب القوى تحت 18 سنة

اختتمت تونس يوم الأربعاء 9 سبتمبر 2026 مشاركتها في البطولة العربية لألعاب القوى تحت 18 سنة، التي احتضنتها مصر من 5 إلى 9 سبتمبر الجاري، بحصيلة جملية ناهزت 17 ميدالية


مدرج المنار.jpg
مجتمع

جامعة التعليم العالي: ندعو إلى مفاوضات عاجلة والترفيع في منحة العودة الجامعية

الجامعة العامة للتعليم العالي: تنامي أعداد الدكاترة الباحثين العاطلين عن العمل يظل مؤشرًا آخر على غياب التخطيط الكفيل بتحقيق التوازن بين منظومة التكوين الجامعي وحاجيات سوق الشغل

طقس
منوعات

طقس تونس.. درجات الحرارة في ارتفاع طفيف وتصل القصوى إلى 41 درجة

أعلن المعهد الوطني للرصد الجوي أن طقس اليوم الأربعاء 9 سبتمبر/أيلول 2026 سيكون قليل..

الأكثر قراءة

1
منوعات

إطلاق برنامج "مدرب المواهب" لاكتشاف براعم الكرة في تونس.. ما التفاصيل؟


2
سیاسة

تونس تُحذّر بجنيف من اختلالات النظام الدولي وتدعو لإصلاح مجلس الأمن


3
سیاسة

السالمي: الوضع الحالي في تونس متأزم وخطير والسلطة اختارت صدّ الأبواب


4
مجتمع

تقلبات جوية منتظرة في تونس.. دعوات لرفع درجة التأهب واليقظة


5
سیاسة

حراك "يزي" يعلن هويته السياسية: نرفض حكم الفرد في تونس