قيس سعيّد رئيسًا:

قيس سعيّد رئيسًا: "هبّة الصّندوق" وأسئلة السّلطة الثلاثة.. سؤال الدّاخل (1)

سيكون امتحان الرئاسة في الدّاخل عسيرًا (ياسين القايدي/وكالة الأناضول)

 

شحيحة هي الخلاصات والاستنتاجات إذا ما اقتصر النّظر في نتائج الانتخابات الرئاسيّة الثانية على أدوات التحليل والسياسيّ التقليديّة. فما وراء النتيجة الاستثنائيّة بمقاييس التجربة التونسيّة والتجارب العالميّة، تفويض شعبيّ لنموذج أخلاقيّ يتجاوز الشّخص أيّا يكن ويتجاوز الأطر التقليديّة للعمل السياسيّ. هذه الظّاهرة العصيّة على التّوصيفات النّظريّة البسيطة والجاهزة والتي وصّفها المرشّح الفائز باعتبارها "ثورة من داخل الشّرعيّة" الدستوريّة، هي أقرب ما تكون إلى هبّة شعبيّة من داخل المسار السياسيّ وبآليّة لا اختلاف حولها ألا وهي الانتخاب.

اقرأ/ي أيضًا: انتخابات 2019.. حتّى يبلغ الفرز مداه

لماذا نسمّيها هبّة؟

نسمّيها هبّة لكونها لا تحمل برنامجًا أو رؤية لفعل سياسيّ مُحدّد، ومرشّحها أي الأستاذ قيس سعيّد يقرّ بأنّه لا يحمل للتونسيّين وعودًا قد يصدق أو يخيب أملهم فيها. وبهذا المعنى فقد كان موضوع الحملة تفسير ما يمكن الادّعاء بكونه يمثّل منهجيّة جديدة في الحكم أو الحوكمة: تقوية الآليّات الكفيلة بإرجاع القرار إلى الشّعب وردم الهوّة بين المجتمع وممثّليه على مستوى التشريع والتنفيذ.

ما وراء النتيجة الاستثنائيّة بعد فوز قيس سعيّد بمقاييس التجربة التونسيّة والتجارب العالميّة تفويض شعبيّ لنموذج أخلاقيّ يتجاوز الشّخص أيّا يكن ويتجاوز الأطر التقليديّة للعمل السياسيّ

وعلى هذا الأساس، وإذا كان الرئيس القادم يفترض أن تحسين جودة التّمثيل ومساءلة المُنتَخبين (عبر سحب النيابة على سبيل المثال) من شأنه أن يمكّن من تحقيق شعار "الشّعب يريد"، فإنّه يفترض وبنفس القدر أنّ أيّ برنامج لا بدّ له أن يتبلور من القاعدة وفق آليّات تمثيليّة تحقّق ما يمكن اعتباره شروطا للثقة والنّزاهة على غرار الاقتراع على الأفراد وغير ذلك من تفاصيل التنقيحات الدستوريّة التي يقترحها الأستاذ قيس سعيّد.

الهوّة بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون

يمكن القول أنّ هذه الهبّة غير المسبوقة تجعلنا إزاء تصوّر غير سياسيّ يرى النّاس أنفسهم فيه ويصدّقونه بقلوبهم قبل عقولهم، بل لعلّ أحد أهمّ عوامل قوّة التفويض الشعبيّ الذي تمتّع به الأستاذ قيس سعيّد هو ما ينطوي عليه تصوّره من طابع غير سياسيّ ونواة تمرّد أو تجرّأ على الأنماط السّائدة في العلاقة بين "الحاكم" و"المحكوم". لكنّ الأستاذ قيس سعيّد وإذ يختار رئاسة الجمهوريّة موقعًا أو أداة لتجسيد تصوّراته، فإنّه لا يمكنه أن ينفصل تمامًا عن واقع السّلطة، عن السّلطة كما هي كائنة.

وعلى نحو أكثر دقّة، فإنّ التونسيّين وبانحيازهم لقيس سعيّد إنّما ينحازون لما ينبغي أن يكون على حساب ما هو كائن. وإذا ما اطمئنّ أحدنا إلى توصيف الدكتور المنصف ونّاس للشخصيّة التونسيّة المتهرّبة والمراوغة والمهادنة، فإنّ التونسيّين قد انحازوا إلى ما لا يشبههم بالضّرورة، وهم لا ينجذبون إليه إلا بقدر ما يبدو لهم منفصلًا عن واقع يبدو لهم منحطّا، اللهمّ أن يغيّر هذا "الآخرُ" الملهمُ واقعهم أو يحملهم إلى عالمه.

هذه المفارقة بين السلطة بما هي ممارسة كائنة وواقعيّة مفروضة على من يتحمّل مسؤولية سياسيّة من جهة، والانجذاب الشعبيّ لما هو غير سياسيّ أو فوق سياسيّ ستكون الامتحان الأوّل للرئيس القادم. يبدأ ذلك عند المطلبيّة الاجتماعيّة التي ستجد في قصر قرطاج ضالّتها الأولى قبل تشكيل الحكومة ولا تنتهي عند إكراهات المؤسّسة والبروتوكول المُثقل بالتّفاصيل سكنًا وتنقّلا وأمنًا وما يقتضيه كلّ ذلك من ضرورة العزل.

 لعلّ أحد أهمّ عوامل قوّة التفويض الشعبيّ الذي تمتّع به الأستاذ قيس سعيّد هو ما ينطوي عليه تصوّره من طابع غير سياسيّ ونواة تمرّد على الأنماط السّائدة في العلاقة بين "الحاكم" و"المحكوم"

فرسوم الرئاسة في تونس وفي غيرها أقرب ما تكون إلى الإقامة الجبريّة الخانقة أو العزل، إذ لا يملك الرئيس حرية التنقّل دون سابق إعداد. وقد يكون تنقّله مربكًا لأعوانه وللسير العاديّ في الطّرقات وحركة المواطنين وغير ذلك من التفاصيل اليومية التي لا يَحسن أن يُستهان بها. لا يملك الرّئيس حرية الارتطام بأمواج شعبه ولا الاستمرار في نسق حياة بسيط على النّحو الذي يحبّذه النّاس ورسخ في أذهانهم عن الحاكم العادل المتبسّط، وهو، أي الرئيس، مُكره كُرها على مجاراة تيّار المؤسّسات ونواميسها.

اقرأ/ي أيضًا: الانتخابات التونسية.. مدخل للاستقرار أم للعجز عن الحكم؟

والرئاسة مؤسّسة مُثقلة بالأعباء البيروقراطيّة داخلها ناهيك عن ملفّي الدفاع والخارجيّة. إذ تشرف رئاسة الجمهوريّة على الحجّ والعمرة، وتشرف على الإقامات الرئاسيّة المُعدّة للضيوف الأجانب وتنظيم القمم الإقليميّة والدوليّة الكُبرى وتشرف على جهاز أمنيّ مُعقّد يزيد تعداده على الألف (جهاز الأمن الرئاسيّ) فضلًا عن مؤسّسات موروثة تكاد تكون دون مغزى كهيئة حقوق الإنسان ومؤسّسة الموفّق الإداريّ. ومن زاوية دخول فريق جديد حديث الهيكلة والعهد بالمؤسّسة، فإنّ الأعباء اليوميّة قد تستنفذ جهدًا كبيرًا وقد تحجب كثيرًا من الأولويّات.

ستكون تلك التّفاصيل والفوارق اليوميّة والشّكلية بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون أولى لبنات امتحان الرئاسة للأستاذ قيس سعيّد ولكنّها لن تكون الأخيرة. إذ سيجد الرئيس القادم نفسه أمام جملة من التحدّيات الدّاخليّة التي سيكون مُجبرًا معها على التّفاعل وعدم الاقتصار على التّفسير أو السّعي لكي يقول الشّعب كلمته فيها. وإذا كانت إحدى نقاط قوّة المرشّح قيس سعيّد تكمن في تعاليه على المعارك المباشرة وأزقّة السياسة الضيّقة، ُفإنّ دخوله إلى قصر قرطاج قبل تشكّل الحكومة سيلقي على عاتقه مسؤوليّة الاستقرار أيّا يكن مآل المفاوضات بين الأحزاب.

إذ لن يكون من اليسير على التونسيّين أن لا ينتظروا من رئيسهم المساهمة في حلّ مأزق تشكيل الحكومة ووضع البلاد على السكّة في أسرع وقت. ستكون التطلّعات الشعبيّة في المرحلة الأولى ذات بال وعلى نفس النّحو سيكون شتاء تونس قاسيًا بين قانون ماليّة تُعدّه حكومة متخلّية وتشكيلة وزاريّة لن تستقرّ وينضج مشروعها إلاّ في حدود الرّبيع على أبواب شهر رمضان المُعظّم ثمّ الموسم الصيفيّ. وكما أشرنا في مقال سابق فإنّ بطئ الزّمن الديمقراطيّ سيعطي انطباعًا بما يُشبه العجز عن الحكم وسيُثقل كاهل المسؤوليّات الرمزيّة على عاتق الرئيس القادم أيّا تكن الصلاحيّات الدستوريّة للرئيس والتي لا ترتبط باليوميّ والتنفيذيّ إلاّ بخيط رفيع عنوانه الأمن القوميّ والاستقرار.

على قدر المَغنم.. يكون المَغرم

بين السّياسة والسّوق مُشتركات عديدة أوّلها قانون العرض والطّلب. فإذا كانت السّياسة، في حال توفّر شروط المنافسة النّزيهة والشّريفة، سوقًا للأفكار والرّؤى التي تنشد المصلحة العامّة للمواطنين فإنّ المغنم فيها يكون الشّعبيّة وما تفوّضه من سلطة فعليّة أو رمزيّة. ووفقًا لهذا النّموذج المُبسّط فإنّ قيس سعيّد الذي حاز على مجموع أصوات يفوق ما تحصّلت عليه أحزاب البرلمان مجتمعة يتمتّع بأكبر مغنم في هذه السّوق، بيد أنّ ذلك يعني أيضًا أنّ علاقته بالأحزاب مُجتمعة ستتراوح بين الغبطة والخصومة أو العداوة. وفي مرحلة أولى سيسعى الفاعل السياسيّ العقلانيّ (الأحزاب) للاستفادة من المغنم الشعبيّ للرئيس والبروز في موقع المساند أو على الأقلّ النّأي عن موقع المخاصم أو المعادي. وقد تكون هذه المواقف الحزبيّة "الودّية" فرصة لرئاسة تجميعيّة توحيديّة ذات مصداقيّة لدى كلّ الفاعلين وقد يسعى الكلّ لخطبتها في مرحلة أولى.

لكنّ هذا الدّور التّجميعيّ الذي تبدو شروطه يسيرة سيكون متأرجحًا بين شكلين من التّجميع أو الإشراف على التّوافقات: الشكل الأوّل هو تجميع قياديّ يستجيب لتطلّعات ناخبي الرّئيس وقلقهم من المنظومة السياسيّة التقليدية أو ما بات يُعرف بـ"السيستام" فيكتسي طابعًا خاصًا بالرئيس، وهو تجميع محفوف بمخاطر استعداء جزء من الطّيف السياسيّ. أمّا الشكل الثاني فهو تجميع لا يسعى لغير التّوافق وهو محفوف بمخاطر سخط القاعدة الشعبيّة المتطلّعة لرئيس فاعل يترك بصمته على الأحداث.

إنّ دورًا تجميعيًا يستجيب لرئاسة قويّة على قدر قوّة التفويض الشّعبيّ سيتطلّب ترجمة أكثر واقعيّة لبرنامج الأستاذ قيس سعيّد بخصوص البناء من القاعدة إلى الهرم والتعبير الحقيقيّ عن الإرادة الشعبيّة

إنّ ما نعتبره مغرمًا مُحتملًا لهذه الثقة الشعبيّة الاستثنائيّة هو هذا التّأرجح بين أكثر من شكل ممكن للدّور التجميعيّ المأمول لرئيس الجمهوريّة مُضافًا إليه ما يمكن توقّعه من مواقف المنظّمات الوطنيّة التي بنت شرعيّتها بعد 2011 على قاعدة بناء التوافقات ولعب دور تحكيميّ في الحياة السياسيّة، وهو دور قد تهدّده رئاسة تجميعيّة قويّة.

إنّ دورًا تجميعيًا يستجيب لرئاسة قويّة على قدر قوّة التفويض الشّعبيّ سيتطلّب ترجمة أكثر واقعيّة لبرنامج الأستاذ قيس سعيّد بخصوص البناء من القاعدة إلى الهرم والتعبير الحقيقيّ عن الإرادة الشعبيّة. يمكن على سبيل المثال التّفكير في اعتماد آليّة الاقتراع على الأفراد من المستوى المحلّي إلى الوطنيّ في إطار غرفة ثانية (مجلس شيوخ) في البرلمان أو سلسلة معكوسة من الغرف الثانية للمجالس البلدية والمجالس الجهويّة تُضبط سلطاتها تدريجيًا دون نسف الهرم القائم وفقًا لدستور 2014. وإذا كان من البديهيّ أن ذلك سيتطلّب تعديلًا دستوريًا فإنّ احتمالات القبول به من طرف الطبقة السياسيّة أكبر من احتمالات القبول بالمشروع الحاليّ الذي قد يعني توقيع الأحزاب على نهايتها، والمشروع بشكله الحاليّ قد يشكّل، وهذا هو الأهمّ، خطرًا على اللحمة الأهليّة في بعض مناطق البلاد التي قد يتحوّل فيها التّصويت على الأفراد إلى تصويت عائليّ أو عشائريّ.

سيكون امتحان الرئاسة في الدّاخل عسيرًا، وامتحان الدّاخل هو شرط النّجاح في ملفّي السيادة أي الخارجيّة والدّفاع. إذ بقدر قوة الشرعيّة في الدّاخل يكون تماسك الموقف السّياديّ وبقدر اضطراب الدّاخل تكون ضبابيّة الصورة في الخارج.

 

 

اقرأ/ي أيضًا:

زلزال الانتخابات في تونس من منظور أسئلة الأخلاق والسياسة والدّولة

الانتخابات الرئاسية 2019.. انتخابات بلا نقاش ودون أفكار؟