في عيد المرأة..

في عيد المرأة.. "على هذه الأرض ما يستحق المساواة"

تحتفل تونس الثلاثاء 13 أوت 2019 بالذكرى 63 لصدور مجلة الأحوال الشخصية (صورة أرشيفية/ فتحي بلعيد/ أ ف ب)

 

مقال رأي

 

ذات 13 أوت/ آب 1956، صدرت بمقتضى أمر علي من باي تونس، مجلّة الأحوال الشخصية التي تضمنت إجراءات تهدف بالأساس إلى تحقيق المساواة بين المرأة والرجل والتي أصبحت تعدّ أحد أبرز إنجازات الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، ليصبح موعد 13 أوت/ آب من كلّ سنة موعدًا للاحتفال بذكرى صدور المجلة أو ما يسمى لدى العامة بـ"عيد المرأة".

المرأة التونسية التي يتم الاحتفاء بها اليوم هي ناقصة مواطنة، وستبقى كذلك ما دامت حقوقها منقوصة

المجلّة التي تعدّ "ثورية" لا تزال مصدر فخر للتونسيين وبشكل خاص للتونسيات اللواتي يتمتعن بجملة من الحقوق تجعلهن في مكانة يحسدن عليها من نساء العالم العربي، أصبحت اليوم عيدًا تتكاثر فيه العبارات الرنانة والمكرّرة للتعبير عن حبّ المرأة وتقديرها بدءًا بجملة "كل عام ونساء بلادي بخير" وصولًا إلى مقولة الشاعر التونسي الراحل أحمد الصغير أولاد أحمد "نساء بلادي نساء ونصف"، والذي على الأرجح لم يدرك أن هذه المقولة ستصبح عبارة مبتذلة يستخدمها كلّ من هب ودبّ في كل مناسبة فلكورية تحتفي بالمرأة.

لا يمكن لأي كان أن ينكر أهمية مجلة الأحوال الشخصية والثورة التي أحدثتها في المجتمع التونسي والمكانة التي اكتسبتها المرأة التونسية بفضلها، ولكن اليوم، ونحن في القرن الواحد والعشرين، وإزاء كل ما يحصل في العالم من تطورات ومستجدات بات عدّها وإحصاؤها غير ممكن، لا يمكن لعاقل أن يتجاهل واقع أن هذه المجلّة قد تجاوزها الزمن وأن متطلبات المجتمع الحديث تفرض تحديثها وتطويرها.

اقرأ/ي أيضًا: في الحاجة إلى النسوية الراديكالية..

فالمرأة التونسية التي يتم الاحتفاء بها اليوم هي ناقصة مواطنة، وستبقى كذلك ما دامت حقوقها منقوصة، حقوقها السياسية والاقتصادية والمجتمعية، حقها الرئيسي والضروري في المساواة التامة مع الرجل، بما فيها المساواة في الميراث التي أسالت ولا تزال تسيل الكثير من الحبر منذ سنوات.

لا يمكن اليوم الحديث عن بناء دولة مدنية حداثية متقدمة دون أن تضمن هذه الدولة كامل حقوق مواطنيها نساء ورجالًا دون أي تمييز قائم على أساس الجنس أو العرق أو الدين. لا يمكن اليوم التقدم والدفع بدولة ما إلى ركب الدول المتقدمة دون أن تكفل هذه الدولة حريات مواطنيها جميعًا، حرياتهم العامة والفردية.

الأبوية والبطريركية التي تحكم المجتمع المحافظ ترى في المرأة جسدًا مهمته الوحيدة إنجاب الأطفال

الكثير من المواطنين سيستنكرون وربما حتى يستهجنون الحديث عن المساواة التامة وعن حقوق المرأة المنقوصة في ظلّ الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي تعيشها البلاد. سيقولون إن قضية حقوق المرأة والمساواة والحريات مسألة تحتمل التأجيل وإنها ليست أولوية أمام ما ينتظر البلاد من تحديات واستحقاقات.

ولكن هذا المنطق في النظر إلى الأمور قد يجعلنا نستيقظ يومًا لنجد أنفسنا وقد سُلبت منا كل حقوقنا ومكتسباتنا التي نفتخر بها. فمن يقبل التضحية بحق ما من أجل ما قد يُعتبر بسبب "ظروف ما" أولوية لن يجد إشكالًا في تضحية أخرى تليها التخلي عن حق آخر لتتوالى سلسلة التضحيات ويخضع في نهاية المطاف إلى نظام يكبّله ويحرمه من أدنى حقوقه حتى حقه في التفكير.

في أحد أشهر المسلسلات الأمريكية الحديثة، والذي يسمى "The Handmaid’s Tale"، تقول بطلة السلسلة في إحدى الحلقات، وهي تسترجع ذكرياتها بعدما أصبحت خادمة مهمتها الوحيدة أن تنجب الأطفال، بعد سيطرة جماعة يمينية متطرفة على الولايات المتحدة الأمريكية، إنهم ظلوا صامتين بعد تغيير الدستور بتعلة هجمات إرهابية كما صمتوا بعد التراجع عن جملة من الحقوق كمنع المرأة من العمل ومنعها من السفر واستعمال حسابات بنكية وظلوا صامتين إلى أن وصل الأمر إلى ما هو عليه.

المسلسل وإن كان خياليًا في التصوّر الذي طرحه من خلال تحويل النساء اللواتي تعتبرهن الجماعة المتطرفة "ساقطات" و"عاهرات"، بسبب ميولهن الجنسية وحتى بسبب علاقاتهن وطريقة حياتهن، إلى خادمات يقع تدريبهن وتطويعهن للقيام بمهمة واحدة، وهي إنجاب الأطفال للعائلات التي لا تنجب فيها النساء أطفالًا، هذا المسلسل يلامس إلى حدّ كبير الواقع من خلال طرحه ومعالجته لنظرة المجتمع المحافظ للمرأة وجسدها.

اقرأ/ي أيضًا: النساء في التشريعية:لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة؟

فالأبوية والبطريركية التي تحكم المجتمع المحافظ ترى في المرأة جسدًا مهمته الوحيدة إنجاب الأطفال، جسدًا يجب على الرجل حمايته لأن صاحبته "ضعيفة"، جسدًا ينبغي احتواؤه وامتلاكه والتحكم في رغباته. وهذا التيار المتطرّف مازال موجودًا إلى اليوم وينجح أحيانًا في فرض وجوده معتمدًا على الدين، أيًا كان، ورافضًا أي دعوة للإصلاح والمراجعة والتغيير.

ولهذه الغاية، رسم هذا المجتمع صورة مقدّسة للمرأة التي تقوم بإنجاب الأطفال وتلبّي رغبات زوجها، أما من تحاول الخروج عن السرب والابتعاد عن القطيع فتوجه إليها، أو حتى إلى الرجل الذي يتبنى قضايا المرأة والحريات الفردية، تهم كالشرذمة والفسق وحتى الكفر. فالمشكل كان دائمًا وأبدًا بالنسبة للبطريركية السائدة جسد المرأة الذي لا ينبغي أن يثور وأن يبقى تحت تصرّف الذكور.

وما إن نغيّر هذه النظرة لجسد المرأة ونكسر الهالة عن المرأة "المقدسة"، أو "الأم المقدسة" التي لا تخطئ وتسير وفق طريق رسمها لها مجتمعها المحافظ، نستطيع حينها الحديث عن مواطنة حقيقية يتمتع بها الرجال كما النساء، عن دولة تتمتع فيها المرأة بأجر يساوي أجر الرجل، عن دولة تتولى فيها المرأة مناصب هامة في الدولة كرئاسة الجمهورية أو الحكومة أو البرلمان، دولة تتبنى مبدأ "للذكر مثل حظ الأنثيين".

ولكن الطريق إلى تحقيق هذه الدولة التي يمكن القول إنها "طوباوية" اليوم، ما يزال طويلًا وشاقًا ومحفوفًا بالعقليات التي ترفض التجديد والتغيير رغم مرور 63 سنة على أول ثورة مجتمعية حقيقية شهدتها تونس، والتي ستقوم بكل ما تراه ضروريًا لمنع تحقيق المساواة التامة.

نحن اليوم بحاجة إلى أن ندرك أن المساواة مسألة حياتية، ومسألة لا تحتمل التأجيل

فحملات التشويه تطال كل من تسوّل له نفسه الدفاع عن راية المساواة بين المرأة والرجل والحريات والفردية، حتى أنها قد تصل إلى التكفير، وهي تحيلنا اليوم إلى ما كان قد عاشه في مرحلة ما الطاهر بن حداد عندما أصدر كتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" دفاعًا عن المساواة الكاملة بين الجنسين.

نحن اليوم بحاجة إلى قرارات جريئة وسياسيين يتحلّون بما يكفي من الشجاعة على تحدي "الخطاب الشعبوي" وسنّ التشريعات التي تضمن حقوق المرأة وتتبنى المساواة كخطوة أولى، ليتم من ثمة العمل على القطع مع الثقافة الذكورية السائدة والبطريركية التي تحكم المجتمع وطبيعة العلاقات بين أفراده، إصلاح يتم أولًا من خلال اتهام الدفاع عن الحريات الفردية والمساواة بـ"البورجوازية" والنظر إلى هذه المسألة كـ"ترف" لا يهم إلا فئة معينة من المجتمع، وإدراك أن هذه الحريات والمساواة التامة ستفتح آفاقًا جديدة أمام المرأة في المدينة والريف وستمكنها من مزيد فرص العمل وبالتالي من اكتساب ثروات إضافية.

هذا إلى جانب الإصلاح الديني، هذا الموضوع القديم المتجدد الذي يخشى جلّ المعنيين به طرحه علانية خوفًا من اتهامهم بالكفر، باستثناء بعض المفكرين الذين غالبًا ما تُقصى أصواتهم ولا تُقرأ كتبهم إلا نادرًا ليجدوا أنفسهم أمام وابل من حملات التكفير والتشويه.

نحن اليوم لا نستطيع أن نتحدث بفخر عن حضارتنا ما دمنا مازلنا نرفض الاستجابة للأصوات المنادية والمدافعة عن الحريات الفردية والمساواة ونقمعها، نحن اليوم بحاجة إلى أن ندرك أن المساواة مسألة حياتية، ومسألة لا تحتمل التأجيل، وسيكون لتفعيلها آثار إيجابية على الاقتصاد والمجتمع وحتى السياسة، وكما قالت رئيسة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات يسرى فراوس في كلمة ألقتها خلال الاحتفال بالذكرى الثلاثين لتأسيس الجمعة، الثلاثاء 6 أوت/ آب 2019، "على هذه الأرض ما يستحق المساواة".

 

اقرأ/ي أيضًا:

كيف اخترقت التكنولوجيا المجال النسوي المغلق؟

"وراء كل امرأة عظيمة ولا حدا".. كفوا أيديكم عنها