"سقطت الأقنعة".. انتهاكات تطال الحريات الفردية في دولة لا تطبق قوانينها!

لقاء قريبًا مع وزير الداخلية حول غلق المقاهي والمطاعم في رمضان

 

"سقطت الأقنعة".. عنوان اختاره الائتلاف المدني من أجل الحريات الفردية لتقريره لسنة 2018 حول وضع الحريات الفردية في تونس. عنوان التقرير جاء ليعبّر عن "المشهد الذي فضحه تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة إثر صدوره في جوان/ حزيران 2018، إذ سقطت أقنعة جلّ من ادعى التقدمية والحداثة والمحافظين سواء الليبراليين أو الدينيين. كما ركب البعض الآخر أقنعة الدفاع عن الحريات والمساواة زيفًا".

تقرير الائتلاف المدني جاء ليسلّط الضوء على الانتهاكات التي تمّ تسجيلها سنة 2018 في مجال الحريات الفردية والتي تهمّ 6 مجالات أساسية تتمثل في الحريات الدينية، وحرية التصرف في الجسد، والمساواة التامة والفعلية بين المرأة والرجل، والحرمة الجسدية.

اقرأ/ي أيضًا: "يوم جاؤوا لاعتقالي".. أو البحث عن وطن يجعلنا أحرارًا

لقاء قريبًا مع وزير الداخلية حول غلق المقاهي والمطاعم في رمضان

في هذا الإطار، عقد الائتلاف المدني من أجل الحريات الفردية، الذي يضمّ عدة منظمات وطنية، ندوة صحفية بمقرّ النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، الخميس 11 أفريل/ نيسان 2019، لتقديم التقرير الذي يتضمن "أهم الانتهاكات التي تقوم على أساس التجاهر بفحش والمس من الأخلاق الحميدة، ومن تعنت ضدّ النساء والأشخاص المنتمين لمجتمع الميم، ونفاق الدولة في ما يخصّ بيع المواد الكحولية، والانتهاكات المسلّطة على حقوق الأطفال، ثم الانتهاكات المرتكبة على أساس التوجه الجنسي والتعبير عن الهوية الجنسية من حملات تشويه ووصم، وانتهاكات لحق المرأة التونسية في الاختيار، والانتهاكات المتعلّقة بحرية الضمير بمختلف مرتكبيها، وبحرية التظاهر السلمي، وأخيرًا بالحق في النشاط الجمعياتي".

ويأتي هذا التقرير إزاء عدم إيفاء الدولة التونسية بالتزاماتها في مجال الحريات الفردية علمًا وأن الأرقام التي تضمنها التقرير تقريبية وتعتمد بالأساس على المعلومات المتوفرة لدى المنظمات المندرجة في الائتلاف المدني والمعطيات التي تقدّمها وسائل إعلام في علاقة بالانتهاكات، وفق ما أكده عضو الجمعية التونسية للدفاع عن الحريات الفردية وحيد الفرشيشي خلال الندوة الصحفية.

جمال مسلم (رئيس رابطة الدفاع عن حقوق الإنسان): المرحلة الانتقالية شهدت تراجعًا في بعض المكتسبات

الفرشيشي تحدث كذلك عن انتهاكات طالت مجموعة من الشبان من ديانة مختلفة عن الإسلام وعن اعتداءات طالت أماكن مقدسة غير إسلامية على غرار مقبرتين في جزيرة جربة ومقبرة مسيحية في ولاية سوسة، فضلًا عن الاعتداء على شبان التحقوا حديثًا بديانة مغايرة للديانة الإسلامية في طريقهم لتلقي دروس كاثالوكية.

من جهته، أكد رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وعميد الائتلاف المدني من أجل الحريات الفردية جمال مسلم أن الحريات الفردية تبقى منارة مضيئة في مسار تكريس الديمقراطية، مشيرًا إلى أن هذه المرحلة الانتقالية في تونس صعبة وشهدت تراجعًا في بعض المكتسبات.

وذكّر مسلم بعدم تجاوب السلطة التنفيذية مع مطالب الحق في حرية الضمير خصوصًا فيما يتعلّق بعدم غلق المقاهي والمطاعم خلال شهر رمضان، مبينًا في هذا الإطار أنه سيتمّ عقد لقاء مع وزير الداخلية في هذا الشأن خصوصًا مع اقتراب شهر رمضان.

كما لفت إلى تواصل انتهاكات السلطة والمواطنين ضدّ المثليين الجنسيين والعابرين والمتحولين جنسيًا بسبب العقلية إلى جانب عديد الأمثلة المتعلقة بانعدام المساواة بين المرأة والرجل.

800 حالة اغتصاب سنويًا في تونس

وفي السياق ذاته، أكدت عضو الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات هالة بن سالم أن الجمعية تشتغل من أجل كلّ حقوق النساء معتبرة أن الندوة الصحفية المنعقدة الخميس هي لتسجيل موقف أو لفت انتباه باعتبار أن منظومة القوانين التي تمت المصادقة عليها مؤخرًا غير مكرّسة فعليًا.

وشددت بن سالم على وجود عديد الانتهاكات التي تطال النساء والأطفال مفيدة أنه بالنسبة للنساء تمّ خلال الأشهر الأولى من سنة 2018 تسجيل 315 حالة عنف بمركز الإنصات رغم القانون عدد 58 لسنة 2018 والمتعلّق بمناهضة العنف ضدّ المرأة.

وأضافت أنه يتمّ كذلك تسجيل 800 حالة اغتصاب سنويًا بمعدّل حالتين يوميًا مشيرة إلى أن جلّ ضحايا الاغتصاب هم من الأطفال (80 في المائة) و65 في المائة من القاصرات. كما أبرزت انتهاكات تتعلّق بمنع تونسيات من الزواج بأجانب دون أن يغيروا دينهم إلى الإسلام رغم إلغاء المرسوم 73، علاوة على منع نساء من الدخول لمصالح وزارات بتعلّة أن لباسهن غير لائق.

هالة بن سالم (عضو جمعية النساء الديمقراطيات): تسجيل 315 حالة عنف ضد نساء خلال الأشهر الأولى من سنة 2018

اقرأ/ي أيضًا: مقترح لمجلة الحقوق والحريات الفردية.. ماهي أهم محاورها؟

واعتبرت أن هذه الانتهاكات تستمد شرعيتها من قوانين تعود لمنظومة باردة واستعمارية لافتة في هذا الصدد إلى حالة "هالة" التي تمّ سجنها لأنها متحولة جنسيًا وسلّط عليها نوع من العنف لأن هويتها الجندوية مغايرة لهويتها الموجودة في بطاقة التعريف.

وأشارت هالة بن سالم إلى العنف السياسي المسلّط ضد المرأة خلال الانتخابات البلدية لسنة 2018، مبرزة العنف الذي واجهته رئيسة لجنة الحريات الفردية والمساواة بشرى بلحاج حميدة وأعضاء اللجنة إثر صدور تقريرها والمتمثل في الشتم والسب والتشويه واستغلال الجوامع والمنابر من أجل تسليط العنف السياسي على رئيسة اللجنة وأعضائها.

واعتبرت أن هذا الأمر يبعث بإشارات حمراء خصوصًا وأن سنة 2019 سنة انتخابية ولم يتبق إلا أشهر قليلة على الانتخابات وهو ما من شأنه أن ينسف فعليًا حق المترشحات في الوصول إلى مراكز القرار، مشددة على أن المساواة بين الجنسين يجب أن تكون تامة وفعلية.

120 محاكمة ضد أفراد من مجتمع الميم

بدوره، تحدث عضو الائتلاف المدني من أجل الحريات الفردية بدر الدين الطريفي عن الانتهاكات التي طالت مجتمع "الميم" مفيدًا أنه خلال 2018 وقع تعداد 120 محاكمة اعتمادًا على الفصلين 230 و231 من المجلة الجزائية التي قال إنها تعود لسنة 1913.

وبيّن أن هذه الانتهاكات غير دستورية لأن الدستور يضمن حقوق الأقليات وحرية الضمير وينصّ على أن المواطنين متساوون أمام القانون، مذكرًا بمنع التظاهر السلمي لمجتمع الميم يوم 27 جانفي/ كانون الثاني 2017 واقتياد المتظاهرين إلى مركز الشرطة بتعلّة حمايتهم.

وأضاف أنه خلال سنة 2018 تعرّض شخص يبلغ من العمر 22 عامًا إلى الطعن بسكين ولكن القاضي برأ المعتدين لأنه سمع أن الضحية مثلي جنسيًا، وفق تصريحاته.

الانتهاكات التي سجّلها الائتلاف لم تطل الأفراد فقط بل لاحظ التقرير تضييقًا على الجمعيات من خلال قانون المؤسسات، وفق تأكيد وحيد الفرشيشي. وقد أجمع الحاضرون أن سنة 2019 ستكون صعبة باعتبار أنها سنة انتخابية ستسعى خلالها الأحزاب إلى تجنب الخوض في مسائل الحريات الفردية.

كلّ هذه النقاط السوداء التي وقع الكشف عنها جابهتها في المقابل محطات برزت في 2018 من شأنها أن تبعث بارقة أمل، لعلّ من أبرزها المصادقة على قانون هيئة قانون الإنسان، والمصادقة على بروتوكول ماتو الذي ينصّ على إقرار المساواة الكاملة بين المرأة والرجل ويركز بشكل خاص على مسألة المساواة في الإرث.

وحيد الفرشيشي (عضو الجمعية التونسية للدفاع عن الحريات الفردية) لـ"ألترا تونس": ميزانيات الدولة عند إعدادها لا بد أن تراعي تفعيل القوانين بصفة استباقية

واستغرب وحيد الفرشيشي في هذا الإطار رفض نواب للقانون المتعلق بالمساواة في الميراث رغم أن البرلمان التونسي كان قد صادق على الاتفاقية الإفريقية المذكورة.

كما أن القضاء لعب دورًا إيجابيًا في بعض مراحل 2018، إذ أنه أقر تغيير الهوية الجندرية لإحدى المواطنات بل وأقر حقها في تغيير وثائق ثبوتيتها من "لينا" إلى "ريان"، وقام بإنصاف جمعية شمس أمام القضية التي رفعتها ضدها نقابة الأئمة. كما أنه منح امرأة غير متزوجة وغير مطلقة وغير أرملة الحق في التنبي وهي سابقة في تونس.

وأشار الفرشيشي إلى أن هذا كله يدلّ على إمكانية أن يحدث تغيير ما مستدركًا بالقول إن المسألة ستطول خصوصًا عند تراجع الدولة عن الإيفاء بالتزاماتها ومبينًا في هذا الإطار أن الوزير السابق المكلف بالعلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان مهدي بن غربية كان قد تحدث أمام البرلمان الأوروبي عن إلغاء الفحوص الشرجية ثم تراجع عن ذلك في تونس وقال إن العملية ستتم خلال 4 سنوات دون أن يقع شيء. وأشار إلى أن شهر رمضان هو عادة "شهر انتهاك الحريات الفردية في تونس في حين أن الأصل هو أنه شهر التسامح".

دور المحكمة الدستورية مهم جدًا

وقد كانت مسألة عدم إيفاء الدولة بالتزاماتها وعدم تكريس القوانين المصادق عليها وتطبيقها فعليًا محلّ إجماع من قبل جلّ الحاضرين في الندوة الصحفية. وفي هذا الصدد، بيّن أستاذ القانون العام وحيد الفرشيشي في تصريح لـ"ألترا تونس" أن هناك قوانين تستوجب تخصيص إمكانيات مادية لتطبيقها موضحًا أن الدولة تقوم أحيانًا بوضع قوانين دون أن تأخذ بعين الاعتبار أن كلّ قانون يتطلّب نفقات كبيرة على غرار قانون مكافحة العنف ضد المرأة.

وأضاف الفرشيشي أن الدولة في هذا القانون قالت إنها ستحارب العنف ضد المرأة بكلّ أنواعه ولكن لم تخصص وسائل مادية لمحاربة العنف على مختلف المستويات، التعليم والتربية والإعلام والأمن والدفاع والعدل، مبرزًا أن كل هذا يحتاج إلى إمكانيات هامة.

وأكد أنه ميزانيات الدولة عند إعدادها لا بد أن تراعي تفعيل القوانين بصفة استباقية، مشيرًا إلى أن المسألة الثانية تتعلّق بصدور الأوامر والقرارات التنفيذية للقوانين.

وحيد الفرشيشي لـ"ألترا تونس": تصدر اليوم قوانين في تونس في حين لا تصدر القرارات والأوامر التنفيذية المتعلقة بها

وأوضح محدثنا أن هناك اليوم قوانين تصدر في حين لا تصدر القرارات والأوامر التنفيذية المتعلقة بها مؤكدًا أنه من المفترض أن تقوم الحكومة باقتراح القانون مرفقًا بنصوصه التطبيقية وبالتالي لا يقبل البرلمان نصوصًا قانونية دون أن يرى كيفية تطبيق الحكومة لها. وأردف بالقول إن هاتين المسألتين ضرورتين في انتظار تغيّر العقليات والقيام بعملية التكوين.

وبخصوص دور المحكمة الدستورية في إلغاء القوانين القديمة التي لا تتماشى مع الدستور، أكد وحيد الفرشيشي لـ"ألترا تونس" أن دور المحكمة الدستورية هام جدًا، مبينًا أن هذه الأخيرة لا تنظر في القوانين من تلقاء نفسها بل تُعرض عليها القضايا ومن هنا يبرز دور المحاكم والمواطين في إحالة قضاياهم وطلب نظر المحكمة الدستورية فيها.

ولئن كان صدور تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة قد أسقط أقنعة الكثيرين، فإن سنة 2018 عرّت انتهاكات تستهدف حرمة أفراد وحقوقهم وحرياتهم التي نصّ عليها دستور الجمهورية الثانية في ظلّ صمت مريب من الدولة وتغافل عن دورها في تطبيق القوانين. ومن المرجح أن تكون سنة 2019 صعبة للمدافعين والمنادين بالحريات الفردية والمساواة التامة بين المرأة والرجل، وفاضحة للفعاليات السياسية التي ستنشغل بخطاباتها الدعائية وحملاتها الانتخابية وتتناسى موضوع الحريات الفردية الذي لا يمكن أن تستقيم دونه الديمقراطية.

ولعلّ تعامل البرلمان التونسي مع مشاريع قوانين حارقة على غرار مشروع مجلة الحريات الفردية ومشروع قانون المساواة في الإرث وإبقائهما في الرفوف خير دليل على التجاهل الذي سيكون مصير الحريات في سنة انتخابية ساخنة تحمل في طياتها عديد التحديات.

 

اقرأ/ي أيضًا:

لتنقيح المجلة الجزائية.. إليكم مقترحات لجنة الحريات الفردية والمساواة

لجنة الحريات: تقريرنا ثوريّ ولا يمس من العقيدة.. والمعارضون يردّون: بل هو فتنة