في ذكرى الحبيب بورقيبة.. جروحٌ تونسية باقية

في ذكرى الحبيب بورقيبة.. جروحٌ تونسية باقية

979 مشاهدة
الحبيب بورقيبة في فرانكفورت 1966 (Getty)

تُحيي تونس هذه الأيام الذكرى 12 لوفاة الرئيس السابق الحبيب بورقيبة. ودائمًا ما يُستعاد مع هذه الذكرى السنوية الجدل حول إرثه، بخاصة وقد أصبح إحياء ذكرى الوفاة بعد الثورة حدثًا يلقى اهتمامًا رسميًا لافتًا، ذلك أن الرئيس الحالي الباجي قايد السبسي، يعتبر نفسه وريث المدرسة البورقيبية.

وإن ما كان الجدل حاضرًا دائمًا في كل ذكرى، فإنه يتزامن هذه السنة مع عرض هيئة الحقيقة والكرامة، التي تشرف على تنفيذ العدالة الانتقالية، لشهادات علنية لمقاومين ومعارضين لأول رؤساء البلاد زمن الاستقلال. حيث أحدثت هذه الشهادات رجّة في الساحة السياسية والأكاديمية، بخاصة مع دعوة الهيئة للمؤرخين من أجل إعادة كتابة التاريخ على ضوء الحقائق المكشوفة. وبينما اعتبر فريق بأن هذه الشهادات هي نفض للغبار وكشف للحقيقة عن فترة لا زالت ضبابية ومغيّبة في الذاكرة الجماعية، اعتبر فريق آخر بأنها تحمل فرقة وتستهدف بورقيبة وتشوه نضالاته.

أصبح إحياء ذكرى وفاة بورقيبة بعد الثورة حدثًا يلقى اهتمامًا رسميًا، وذلك لأن الرئيس الحالي الباجي قايد السبسي يعتبر نفسه امتدادًا له

وهذا يكشف عن مدى الحساسية حين تسليط الضوء على فترة الاستقلال وما رافقها من صراعات لا زالت آثار انتهاكاتها متوارثة عبر الأجيال حتى مثّلت الثورة مناسبة لإعادة طرحها والنبش فيها.

في العودة للتاريخ الرمادي

ماذا تعرف عن الصراع البورقيبي اليوسفي الذي شقّ الصف الوطني زمن الاستقلال منتصف الخمسينات؟ الكثير من التونسيين، بخاصة الشباب منهم، لا يعلمون إلا النزر اليسير، ليس فقط بحكم عدم القراءة أو عدم ولعهم بالتاريخ المعاصر، بل لحجم التعتيم الرسمي طيلة عقود زمن الاستبداد. ولعلّه لذلك اختار المؤسْسون، أعضاء المجلس الوطني التأسيسي، أن تنطلق عهدة هيئة الحقيقة والكرامة منذ يوليو 1955.

ولكن اختيار هذا التاريخ بالتحديد يعكس أساسًا رغبة في معالجة جذرية لماضي انتهاكات حقوق الإنسان في تونس زمن الجمهورية الأولى. فقد استقلت تونس سنة 1956 وانتقلت من النظام الملكي إلى النظام الجمهوري سنة 1957. ولكن اختيار بداية يوليو 1955 هو اختيار لزمن فارق في التاريخ المعاصر لتونس. وهو تاريخ انشقاق الحركة الوطنية لشقّين ومن ثمّ تحوّلها لصراع بين الدولة والمعارضة بعد الاستقلال.

اقرأ/ي أيضًا: ديمقراطية المستبدين في طبعتها التونسية

انطلق الخلاف داخل الحزب الحر الدستوري الجديد، الذي قاد معركة الاستقلال، بخصوص اتفاقيات الاستقلال الداخلي المبرمة مع الاحتلال الفرنسي سنة 1955، حيث اعتبرها رئيس الحزب حينها الحبيب بورقيبة "خطوة للأمام"، فيما اعتبرها أمين عام الحزب صالح بن يوسف "خطوة للوراء". وقد تضمنت هذه الاتفاقيات الاعتراف بالسيادة التونسية ولكن بصفة صورية، حيث تركت مسألة الدفاع والشؤون الخارجية لفرنسا، وأكّدت على تواصل التواجد العسكري الفرنسي، واعتبرت اللغة الفرنسية غير أجنبية.

وسرعان ما تحوّل الخلاف لساحة للصراع وتجنيد كل قيادي لأنصاره، وهو ما بلغ ذروته في مؤتمر صفاقس الشهير في نوفمبر 1955 الذي أقصى من خلاله الحبيب بورقيبة غريمه صالح بن يوسف وأنصاره الذين أصبحوا معارضة خارج الحزب. فالتجأ الشق اليوسفي للكفاح المسلح واستؤنفت عمليات المقاومة في الجنوب التونسي ضد الاحتلال الفرنسي. وبضغط من عمليات المقاومة، وفيما اعتبر سعيًا من الفرنسيين لترجيح فريق على حساب آخر، سرّعت فرنسا في إعلان الاستقلال التام لتونس وهو ما تمّ بتاريخ 20 مارس 1956.

وعوض أن يكون هذا التقدم في معركة الاستقلال فرصة للمصالحة الوطنية، شرع الشقّ البورقيبي مباشرة في عملية تصفية لمعارضيه بإحداث ميليشيات سمّاها "لجان الرعاية"، التي نفّذت مداهمات بالتعاون مع القوات الفرنسية، وقامت باغتيال عدد من اليوسفيين وحاولت اغتيال صالح بن يوسف منذ بداية 1956 قبل تمكنه من الفرار، وظلّ في المهجر حتّى اغتياله على يد أحد مستشاري بورقيبة يدعى البشير زرق العيون في فرانكفورت بألمانيا سنة 1961.

شرع الشقّ البورقيبي في عملية تصفية لمعارضيه بإحداث ميليشيات سمّاها "لجان الرعاية"، التي نفّذت مداهمات بالتعاون مع القوات الفرنسية

مثلت انتهاكات القيادة السياسية لدولة الاستقلال تجاه معارضيها أولى بذور دولة الاستبداد، وفاتحة لعقود طويلة من الانتهاكات. حيث أنشأ الشق البورقيبي الذي استطاع الظفر بقيادة الدولة الجديدة بعد إقصاء خصومه مراكز اعتقال سريّة أشهرها معتقل "صباط الظلام" بالعاصمة والذي تنقل شهادات بأنه يحتوي على بئر ترمى فيه جثث المعارضين بعد قتلهم. وبالتوازي، انتصبت المحاكم الاستثنائية لمحاكمة المعارضين وذلك منذ بداية 1956. وذكرت هيئة الحقيقة والكرامة في وثائقي بثته بأن هذه المحاكم وفي ظرف ثلاث سنوات من 1956 إلى 1959 حاكمت 1270 متّهمًا صدرفي حقّهم 36 حكمًا بالإعدام و244 حكمًا بالأشغال الشاقة ومصادرة الممتلكات.

وطيلة سنوات حكم الحبيب بورقيبة الذي كان يكنّى بـ"المجاهد الأكبر"، همّش المقاومين في فترة الكفاح المسلّح ضد الاحتلال الفرنسي، باعتبار أن العديد منهم انضمّوا لمعسكر صالح بن يوسف، حيث حُرموا من حقوقهم السياسية والمدنية. وكشفت هيئة الحقيقة والكرامة بأنها تلقّت 1782 ملفًّا من المقاومين من بينهم 367 امرأة عدد منهم لم يتمتّع بصفة مقاوم.

وطالب أحد المقاومين مّمن قدموا شهادتهم للعموم في جلسات الاستماع الأخيرة، برفع "صفة الخيانة" عنه. وكان قد أعدم بورقيبة عددًا من المقاومين بتهمة الخيانة والإعداد للانقلاب بداية الستينات من بينهم المقاوم الشهير الأزهر الشرايطي الذي قد قدّمت أرملته كذلك شهادتها للعموم مؤخرًا، طالبت خلالها باستعادة رفات زوجها.

اقرأ/ي أيضًا: في تونس.. ثورة للتذكّر ونظام للنسيان

إعادة كتابة التاريخ.. وسؤال المصالحة

حقائق كثيرة مخفية بالكاد انطلقت جلسات الاستماع العلنية الأخيرة في كشفها، وروايات رسمية بمرتبة المقدّس بالكاد باتت تقابلها روايات كانت مهمشة ومقصية لعقود، بالنهاية تسترجع تونس هذه الأيام حقبة زمنية فارقة في تاريخها، يجمع غالبية التونسيون بأن تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة يقتضي العودة إليها ونفض الغبار عنها، وإن ظلّ الخلاف دائمًا حول سبيل طريق العودة ونوايا قاصديه.

إذ لا زالت تلك الحقبة الزمنية حاضرة بمعانيها بقوّة في زمن تأسيس الجمهورية الثانية. فالحديث عن الحبيب بورقيبة هو حديث عن "البورقيبية" التي تتصارع اليوم قوى سياسية لادعاء تمثيلها والدفاع عنها، والحديث عن صالح بن يوسف هو حديث عن "اليوسفية" بماهي حركة معارضة حاملة لمشروع سياسي وفكري مخالف للمشروع البورقيبي. فالرئيس الحالي الباجي قايد السبسي كان قياديَا مناصرًا لبورقيبة زمن الصراع، وكان له دور متقدّم حيث تم تكليفه بجمع أسلحة المقاومين سنة 1955. كما تتعدد الشهادات حول وقوفه بصفة شخصية وراء تعذيب معارضي بورقيبة، وهو ما يكشف بوضوح مدى تأثير العودة لتلك الحقبة على الصراع السياسي اليومي.

كما إن الصراع البورقيبي اليوسفي تلّون في مضمونه كصراع مشاريع أو هويّات، إذ يُستحضر في هذا الجانب الصراع البورقيبي الناصري، والاتهام الدائم من بورقيبة لغريمه عبد الناصر بوقوفه وراء الخصم اللدود بن يوسف، وهو ما بلغ مداه بقطع العلاقات بين تونس ومصر نهاية الخمسينات. وهو ما يكشف عن عمق الصراع البورقيبي اليوسفي ومضامينه في المجال العربي؛ فهو صراع، في ظاهره على الأقل، بين الفكر القومي التونسي والفكر القومي العربي.

اقرأ/ي أيضًا: تونس.. تعددية بدائل التغيير وتكثيفها

كما مثّل الصراع البورقيبي اليوسفي أرضية لعقود من تهميش نظام بورقيبة للجنوب التونسي الذي ينتمي إليه بن يوسف وأنصاره، بما فيهم الغالبية العظمى المقاومين المسلحين. حيث تميّز بورقيبة طيلة سنوات حكمه بنزعته الجهوية عبر تمييزه الإيجابي لفائدة المحافظات الساحلية على حساب المحافظات الداخلية والجنوبية، وهو ما لا ينكره أنصار بورقيبة بمن فيهم السبسي وفق ما أورد في مذكّراته قبل الثورة. كما قام نظام بورقيبة على نواة تحالف بين النخبة السياسية في الساحل ونظيرتها في العاصمة، وهو ما جعل الجنوب التونسي مهمّشًا. ولذلك لم يكن من قبيل الصّدفة أن يتخلّف السبسي البورقيبي في المحافظات الجنوبية السّبعة في الانتخابات الرئاسية سنة 2014، حيثّ تصدّر النتائج في جميع محافظات الجنوب الرئيس السابق المنصف المرزوقي الذي كان والده يوسفيا وفرّ للمغرب بسبب ملاحقات نظام بورقيبة.

ويكشف كل ذلك عمق أثر الصراع البورقيبي اليوسفي في المجتمع التونسي، وهو ما يمثل شاهدًا جديدًا على محورية العودة لنفض الغبار عن تلك الحقبة الفارقة في تاريخ تونس المعاصر لتحقيق المصالحة الحقيقية. حيث دعت هيئة الحقيقة والكرامة التونسيين والمؤرخين لنفض المؤرخين عنها ومواجهتها بكل شجاعة بعيدًا عن الرواية الرسمية وذلك كشرط لتجاوز الأحقاد الدفينة المتوارثة عبر الأجيال وردّ الاعتبار لضحايا الانتهاكات.

مثّل الصراع البورقيبي اليوسفي أرضية لعقود من تهميش نظام بورقيبة للجنوب التونسي الذي ينتمي إليه بن يوسف وأنصاره

وهي عودة لا زالت تلاقي تحفظًا من قوى سياسية بما فيها رئيس الجمهورية السبسي الذي سبق وأعلن تحفظه عن مسار العدالة الانتقالية، معتبرًا أن المصالحة تقتضي تجاوز الماضي وعدم العودة إليه. وهو ما يكشف عن الصعوبات التي تواجهها التجربة التونسية الجارية للعدالة الانتقالية في تونس في معالجة جذرية لماضي انتهاكات حقوق الإنسان، بهدف حفظ الذاكرة الوطنية وتحقيق المصالحة، التي لا زال السبيل لتحقيقها محلّ خلاف لا توافق بين القوى الفاعلة في البلاد.

ويظل السّؤال، هل سيقدر التونسيون على مواجهة الماضي بشجاعة ومعالجة جروحه لتحقيق المصالحة المنشودة، أم سيتواصل الهروب للأمام برفض كشف الحقيقة وبالتالي إعدام شرط أساسي لبلوغ مصالحة قوامها الإنصاف والوحدة الوطنية؟

 

اقرأ/ي أيضًا: 

عزمي بشارة: "الإجابة لا تزال تونس"

مكافحة الفساد أو الحرب الكاذبة في تونس