في عيدها التاسع.. المستفيدون التسعة من الثورة (2/2)

في عيدها التاسع.. المستفيدون التسعة من الثورة (2/2)

الباب الخامس الذي أقبل عليه الطامعون في جنان الثورة وخيراتها ولذائذها هو باب النشاط السياسي (فتحي بلعيد/ أ ف ب)

 

لم يكن حصر الأطراف المستفيدة من ثورة الحرية والكرامة أمرًا هيّنًا، فقد اقتضى هذا المسار التحليلي في جزئه الأول التنبيه إلى جملة من المحاذير والمقدمات التي بدت ضرورية لرفع شبهات التحيّز والتهافت، ففضلًا عن التسلح بالحجج التشريعية والواقعية والإحصائية استأنسنا ببعض المراجعات والتدقيقات الاصطلاحية، نستذكر منها لمقصد منهجي اثنين، أولها التأكيد على أنّ طهورية الفعل الثوري وبطوليته وعفة القائمين به لا تتعارض مع المقصد النفعي والرغبة في تحقيق المكاسب وتحصيل المغانم، المراجعة الثانية ارتبطت بقائمة المستفيدين من الثورة، فقد اقتضى الاعتراف بنسبية الفكر السياسي والتاريخي والاجتماعي التمسك بمرونة القائمة عددًا ونوعًا في ظل التغيرات السيّالة في المشهد التونسي.

تحرش بالديمقراطية العديد من الانتهازيين وفيهم من بلغ مأربه ولو إلى حين

اقرأ/ي أيضًا: في عيدها التاسع.. المستفيدون التسعة من الثورة (1/2)

كما ألزمتنا بعض المؤشرات لمقاصد إبلاغية إيضاحية بالبوح ببعض النتائج قبل نهاية التحليل، منها الاعتراف بأنّ المستفيدين من الثورة صلتهم بها قد لا تكون قويّة متينة، بل فيهم من يتطاول عليها، ويتحرش بها، ويحلم بأن يجفف منابعها، هذه النقطة أباحت لنا الحديث عن المكاسب التي حققها عدد من الفاسدين خاصّة هؤلاء المستفيدين من قانون المصالحة، أما الأطراف التي أبرزنا في القسم الأول استفادتها من الثورة بالحجة والأرقام فأولها المتمتعون بالعفو التشريعي العام والمتنعمون بالمصالحة الإدارية الاقتصادية، وثانيها الموظفون الذين قطفوا ثمار الزيادات قبل آجالها، وثالثها النقابيون الذي بلغوا أعلى درجات الهيبة والنفوذ، ورابعها الإعلاميون والمبدعون والمفكرون الذي نهلوا من نسمات الحرية، فتشكل من هذا النبع الصافي الخبر الدقيق والفن الجميل والنقد الموضوعي.

نفس النبع الذي ارتوى منه هذا الطرف تدافع إليه السياسيون حتى كادوا يجعلونه عكرًا منفرًا مقززًا أحيانًا، هؤلاء يمثلون الجهة الخامسة المستفيدة من الديمقراطية ومن مخرجات الثورة.

باب التحرش بالطفولة.. طفولة الديمقراطية

الباب الخامس الذي أقبل عليه الطامعون في جنان الثورة وخيراتها ولذائذها هو باب النشاط السياسي، هذا المدخل بدا واسعًا يسيرًا لا يحرسه خازن أو رقيب، خلا الطريق إليه من الحفر والمعابر ومخفضات السرعة، فتحول إلى قبلة المحترفين والهواة والجناة والمهربين والفصحاء والمتلعثمين.

إقبالٌ مثير على العمل السياسي تؤكده الأرقام، فقد تعدّى عدد الأحزاب في تونس المائتين وعشرين حزبًا معترفًا به وفقا لمقتضيات المرسوم عدد 87 لسنة 2011 المؤرخ في 24 سبتمبر/ 2011 المتعلق بتنظيم الأحزاب السياسية. هذا الرقم المثير يدفعنا إلى التذكير ببعض زوائد القول ونوافله، منها أن العمل السياسي يقتضي، فضلًا عن الحس الوطني والإشعاع والاستعداد للتضحية، جملة من الكفاءات الثقافية والقانونية والمهارات الخطابية والإبلاغية، فتنظيم الأنصار ومواجهة الخصوم يستوجبان حسن التدبير والحكمة في التواصل.

هذه السمات لم يجدها المواطنون في جل السياسيين، فبعض "مسيري الأحزاب" الذين ينعتون أنفسهم بالمناضلين عددهم أكثر من أتباعهم حتى انطبق عليهم المثل التونسي "مْيَاتْ سارحْ ونعجه (مائة راع وشاة واحدة)".

إقبالٌ مثير على العمل السياسي تؤكده الأرقام، فقد تعدّى عدد الأحزاب في تونس المائتين وعشرين حزبًا معترفًا به

نحن لا ننكر الموقف الذي يرجع هذه اللهفة السياسية إلى الحرمان من الانتظام والتحزب طيلة عقود، فلا تنتظرْ من الجائع إذا بلغ مراتب السعار والمخمصة أن يتريث عند حضور الطعام فيأكل بالشوكة والسكين، ولا تحلمنّ بلطف ورومنسية من مهووس مكبوت كبتًا عُصابيًا إذا وقف أمام جسد صارخ أخّاذ، لكننا في المقابل لا نشك كذلك في أنّ الحافز الأساسي الذي أفضى إلى تلك الأرقام هو الرغبة المحمومة في تحقيق المنافع الفرديّة وكسب الأرباح ودفع المضارّ.

يعتز التونسيون بالشهادات العالمية التي ترفع تونس إلى المرتبة الأولى عربيًا وإفريقيًا في مؤشر الديمقراطية أهمها تقرير أعدته وحدة بحث علمي تابعة لمجموعة "إيكونوميست البريطانية" سنة 2018.

كما يعتز المتمدنون الديمقراطيون بحجّهم إلى مكاتب الاقتراع بشكل متواتر بلغ ذروته سنه 2019، رغم ذلك مازال الغالبية يشعرون بخطورة المرحلة وصعوبة التجربة، فالديمقراطية بالنسبة إليهم أشبه بحسناء مثيرة لم تتخطّ بعدُ مرحلة الطفولة لا تملك التجربة والحكمة والذكاء الحدسي الذي يخول لها فرز المحب الطاهر من الشبقي الداعر، لذلك تحرش بها العديد من الانتهازيين، وفيهم من بلغ مأربه، ولو إلى حين، ألم يستفد العديد من المشبوهين من طفولة الديمقراطية، ألم يستغل عدد منهم "سذاجتها التشريعيّة" فيركبها ركوب الفاجر المحتال حتى تبلغ به برّ الأمان، أقصد برّ الحصانة النيابية.

مكاسب السياسيين من الديمقراطية تتعدى الغنيمة المادية والحصانة البرلمانية لتدرك تخومًا أبدية، قال لي أحد النازعين نزعة واقعية لائمًا معاتبًا عتابًا صادقًا لطيفًا: دعك من التفاصيل، التاريخ لن يحفظ غير تلك السجلات الرسمية أحببتَ أم كرهتَ، هذا الذي منه تسخر هو مؤسس دستور 2014، وذاك الذي منه ترتاب سيكون مصدر التشريعات والتسميات والترقيات وسائر الأحكام الملزمة لي ولك، هل ثمة فائدة أشرف اعتباريًا من هذه المنزلة؟

اقرأ/ي أيضًا: مراكمات الثورة التونسية.. ثورة "الرمال المتحرّكة"

الأمنيون وباب التكفير عن الذنوب..

الباب السادس المفضي إلى نعيم الثورة وخصبها ورخائها، كان من نصيب الأمنيين، فقد نالوا فوائد تجعل الالتحاق بهذا السلك مقصد الناشئة ومهجة الفتيات والفتيان الحالمين بالاستقرار المهني. الفوائد التي نالها الأمنيون بعد الثورة لا تكتسي قيمتها من تنوعها وكثرتها إنما تكتسيها من تحوّل هذه الفئة من موضع الشبهة والاتهام إلى مراتب البطولة والاحترام، فقد اقترنت بهم في سنوات خلت نعوت وأفعال جردتهم من المهنية والإنسانية، منها الرشوة والتعذيب واستغلال النفوذ، وغيرها من الصفات التي جعلت الشرطي أيام المد الثوري يلوذ بالصمت أو يجنح إلى الاعتذار أو يعمد إلى التبرير مستأنسا بحجة "التعليمات".

تخطى الأمني هذه الفترة الحرجة، فاستعاد هيبته، بل حقق مكاسب أخرى يعز بلوغها بالقوة والنفوذ، منها مراتب المحبة والاحترام والتعاطف، وقد تحقق ذلك حينما اتحد المواطنون والأمنيون في جبهة واحدة ضدّ الإرهاب، فاستعاد هذا السلك مرتبة المنقذ الحامي المساهم في ضمان السلامة والأمان.

دفعت هذه المكاسب الكثير من الأمنيين إلى حسن استثمارها، فمنهم من تمسك بتشريعات تساهم في تكريس صورة الأمن الجمهوري سعيًا إلى التخلص من التدخل السياسي أو التعليمات أو غيرها من الضغوطات، لكن فئة أخرى تطلعت إلى قوانين خاصّة ترفع عن الأعوان الحرج والملاحقة عند سوء التقدير في استعمال القوة، وهو ما تصدى له طيف كبير من المجتمع المدني رغم الوعي بدقة بعض المواقف التي يواجهها العاملون في هذا القطاع خاصة عند التصدي للإرهاب أو الجريمة المنظمة.

باب الجريمة.. العبث بالجسد الجريح

بُعيد الثورة، انقسم التونسيون إلى ثلاث فرق، الأولى لازم المنتسبون إليها البيت خوفًا أو حلمًا بعودة "صانع التغيير" واثقين ثقة واهمة من قدرة الجنرال على قمع الثوار، أمّا الثانية فقد تجندت تلقائيًا عفويًا لحماية الممتلكات الخاصة والعامة، وأما الثالثة وهي التي تعنينا في هذا المقام فقد اختارت العبث بالجسد الجريح، إذ استفادت من حالة التراخي الأمني والفوضى والتوتر، فاندفعت إلى الجريمة بكل ألوانها، غير أن اللون الطاغي تمثل في السرقة والسطو، وقد تواصل هذا المشهد أشهرًا، واتسع ليبلغ مرتبة الجريمة المنظمة التي طالت المال والأرض والعرض، ونال المهربون نصيب الأسد من الفوائد المادية، فتحكموا في الاقتصاد، وتخطت مكاسبهم عائدات الدولة، وحينما امتلأت خزائنهم التفتوا إلى السلطة فحاز بعضهم ما به يحمي ثروته.

سياسة الأمر الواقع، واقتصاد الأمر الواقع، والحكومات المغلوبة على أمرها، هذه العناوين يمكن أن تفسر العجز عن الحد من تغوّل الاقتصاد غير المهيكل، وهو تغول متسارع متعاظم إن تواصل على هذا النسق ينذر بنهاية الدولة وانخرام النظام، وقد يفضي الأمر إلى منظومة شكلية ظاهرة تتحكم فيها منظومات مافيوزرية خفية، ليس في هذا التوصيف سخط أو مبالغة أو سوداوية، الأرقام تعلن عن ذلك إعلان المؤذِّن، فقد كشف المعهد الوطني للدراسات الاستراتيجية سنة 2019 عن إحصائيات صادمة مفزعة، منها الإقرار بأن الأنشطة غير المهيكلة تستقطب أكثر من مليونين ونصف ناشط، أي ما يزيد عن أربعين في المائة من العاملين.

سياسة الأمر الواقع، واقتصاد الأمر الواقع، والحكومات المغلوبة على أمرها، هذه العناوين يمكن أن تفسر العجز عن الحد من تغوّل الاقتصاد غير المهيكل،

لا بد من التذكير بأن الاقتصاد الموازي تربطه صلة رحم بالثورة، بويضته من عون التراتيب التي تمسكت يوم 17 ديسمبر/ كانون الأول 2010 بتطبيق القانون والتصدي للانتصاب الفوضوي، أما نطفته فمصدرها البوعزيزي الذي رفض الالتزام بقانون بدا له غير عادل.

بعيد الثورة أبدت الدولة حياء وخوفًا في مواجهة هذا "العصيان الهيكلي والجبائي" ولأن هذا "الانحراف التجاري" يمت بصلة إلى رمز الثورة ومشعل فتيلها أصبح سُنّة مُتّبعة، فأقبل عليها الشباب العاطل عن العمل، وقبْل أن تسترد السلطة المدنية أنفاسها وتلملم جراحها، فتنظر في سبل الحد من هذه الفوضى وقع "أصحاب البرويطة" والمنصبون في الأنهج والشوارع والمحلات في شراك المهربين، فأصبحوا خدمًا لهم، يدينون لهم، ويأتمرون بأوامرهم، فعجزت الدولة مرة أخرى عن مواجهة هذه الحيتان الصغيرة التي وجدت الحماية والتأطير والتوجيه من الحيتان الكبيرة، ولم تفلح تلك العمليات الاستعراضية التي تقوم البلديات في تقويم هذه الأوضاع، من هذا المدخل أي مدخل الفوضى استفادت الجهة الثامنة.

الفوضى.. وعبير الأمن والأمان

من أصعب المواقف الحجاجية، التمسك بالدفاع عن الثورة في ظلّ هذه المشاهد المحبطة، عبثًا تحاول تلميعها وتعديد مزاياها، فالمواطن قد أضنته الفوضى وأقضت مضجعه جعجعة السياسيين، التفت يمينًا، فرأى عجزًا وجهلًا وأوهامًا، والتفت يسارًا، فشاهد عنجهية وأنانية وأسقامًا، فلاذ بأصوات تشدّه إلى "الماضي النوفمبري" حيث الاستقرار ووضوح الرؤية، فبدأ يستذكر عطر الأمن وعبير الأمان، فخرج حينئذ المستفيد الثامن من مخبئه، وأعلن عن نفسه نازعًا السفساري رافعًا الحجب، متخلصًا من لغة الرموز والإيحاءات والاستعارات.

تواصلت حركة "البعث النوفمبري الجديد" وتخطت فترة الحنين إلى بداية مرحلة "التمكين"، فعَلا صوت هذه الجهة في المنابر الإعلامية، ثم صعد إلى البرلمان، وكلما تكشفت عيوب الحرية والديمقراطية تزايد رصيد هذا الطرف وأدرك صوته القلوب والآذان.

استفاد تجمّعِيُّو الصفوف الخلفية من هذه التحولات ونالوا في المشهد السياسي الجديد مراكز ريادية قيادية فساهم ذلك في زعزعة عرش كل الأحزاب

استفاد تجمّعِيُّو الصفوف الخلفية من هذه التحولات، ونالوا في المشهد السياسي الجديد مراكز ريادية قيادية، فساهم ذلك في زعزعة عرش كل الأحزاب، أي نعم كل الأحزاب. واهم من يدعي أن "الخوانجية" هم المعنيون وحدهم بالحساب والعقاب. من هذا الثقب تمكن طرف تاسع من تحقيق فائدة مجانية إنهم المستقلون، فقد ساهم تعفن الأجواء الحزبية داخليًا وبيْنيًّا في تبرير اللجوء إلى فئة ما انفكت تجني ما يزرعه المتحزبون ويغرسه المتأدلوجون، إن شِئتَ التحقق من ذلك انظر إلى ما آلت إليه الانتخابات الرئاسية السابقة التي كسبها قيس سعيد أستاذ القانون الدستوري، ثم أعد النظر كرة ثانية إلى هيمنة مشروع الحكومة المستقلة حتى بات الانتماء الحربي تهمة يتملص منها الراغبون في المراكز الوزارية، وقد تتفشي هذه العدوى إلى مراكز أدنى كالولايات والمعتمديات وغيرها من المسؤوليات.

يكشف هذا العرض المفصّل للأطراف التسعة المستفيدة من الثورة عن ثلاث نتائج، الأولى تتصل بتغير الأوضاع ومراكز النفوذ في مسار ثوري متحول متقلب حافل بالمفاجآت والخيبات. الثانية ترتبط بقدرة الحرية باعتبارها مكسبًا جوهريًا على استيعاب المتناقضات، وقد بلغ الأمر درجة بدت لبعض المتابعين سريالية، إذ تحولت الحرية إلى درع يحتمي به أعداؤها. النتيجة الثالثة تتعلق بتعدد المداخل التي منها استفاد أعداء الثورة، وقد بدت من خلال هذا التحليل تشريعيّة وحربية وماديّة وسلوكية ونفسية، وقد تحملُنا بعض الآفاق التحليلية إلى أسباب أخرى منها ما هو خارجي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

في ذكرى الثورة.. رفض للاحتفال الفلكلوري وتأكيد التشبث بمطالبها

تسع سنوات على الثورة.. تنكر السلطة متواصل لعائلات الشهداء والجرحى