هل بدأ رصيد قيس سعيّد يتآكل؟

هل بدأ رصيد قيس سعيّد يتآكل؟

انتقادات حادّة لتعيين قيس سعيّد رجل الإدارة سامي بن جنات مديرًا عامًا للمعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية

 

ما إن تسلّم قيس سعيّد مهامه يوم 23 أكتوبر/ تشرين الأوّل 2019 حتّى أشهر المتابعون للشأن السياسيّ أقلامهم ورفعوا أصواتهم نقدًا وتثمينًا وتأثيمًا، فقد بدأ عدّاد الحكم وسلطان النقد والتقييم في الاشتغال منذ الساعات الأولى بُعيد أداء رئيس الجمهوريّة اليمين أمام مجلس النوّاب. وخلافًا لحركة النهضة الفائزة بالانتخابات التشريعيّة فوزًا صعبًا منهكًا ضعيفًا، دخل سعيّد قصر قرطاج معزّزًا برصيد اعتباريّ وشعبيّ قويّ واسع ومتين. 

إجماع الكثير من المحلّلين على طهارة قيس سعيّد جعل رصيده السياسي يبلغ أعلى درجات الشحن والامتلاء وهو ما جعل مسؤولّيته ثقيلة

ولئن تراجع رصيد النهضة النضاليّ والثوريّ والإصلاحيّ بسبب تجارب الحكم منذ سنة 2011، فإنّ الفائز بانتخابات 2019 الرئاسيّة قد بلغ الخطّ النهائيّ منتشيًا مدعومًا بجيش من الموالين والأنصار تخطّى كميًا عدد المصوّتين لسائر الأحزاب معًا، كما تميّز نوعيًا لمّا ساندته تيّارات مختلفة متباينة، فبدا أستاذ القانون الدستوري المؤلّف بينها، وقد تدعّم هذا التفوّق الاستثنائيّ من خلال شريحة المصوّتين له التي تمّ تصنيفها ضمن النخبة المتعلّمة والمثقّفة.

وممّا أكسب سعيّد هذه الحظوة انخراط العديد من المبدعين والمفكّرين والباحثين في مساندته مساندة تلقائيّة عفويّة أبعد ما تكون عن المناشدات لبن علي، تلك التي تورّط فيها عدد من المثقفين قبل الثورة.

إجماع الكثير من المحلّلين على طهارة قيس سعيّد جعل الرصيد السياسيّ لهذا القائد يبلغ أعلى درجات الشحن والامتلاء، وهو ما جعل مسؤولّيته ثقيلة، فبقدر الآمال والانتظارات تكون الأعباء والمحن و"على قدر أهل العزم تأتي العزائم".

اقرأ/ي أيضًا: الإخشيدي و"قيس بوك" و"نظام قيس".. طرائف ومنحوتات لغويّة تفاعلًا مع قيس سعيّد

أين سيفك يا جلّاد

"انتخبناه لكي يتصدّى للفاسدين"، "لم يفعل الرئيس شيئًا إلى الآن"، هذا ما يردّده العديد من التونسيين في الساحات العامّة والمقامات الخاصّة، فقد ظنّ الكثير منهم أنّ طهارة قيس سعيّد وصرامته التي كشفت عنها خطاباته ستتجسّد في الواقع حالما يعتلي كرسيّ الحكم، فترسّبت في اللاوعي الجمعي صورة السلطان الحاكم بأمره المستبدّ العادل الذي يطارد الفاسدين، فيسجن هذا ويصادر أملاك ذاك. وقد ترجم الحالمون هذا التصوّر في عبارات تحفيزيّة من قبيل "افعل"، "لا تخف"، "لا تتردّد فوراءك أكثر من ثلاثة ملايين" كما اتّضح التعلّق بأستاذ القانون الدستوريّ ذي السيرة الطيّبة من خلال ردود أفعال متشجنّجة حادّة ضدّ كلّ من تخوّل له نفسه الاستخفاف بالرئيس والاستهانة بشخصه أو باختياراته.

ظنّ الكثيرون أنّ طهارة قيس سعيّد وصرامته التي كشفت عنها خطاباته ستتجسّد في الواقع حالما يعتلي كرسيّ الحكم فترسّبت في اللاوعي الجمعي صورة السلطان الحاكم بأمره المستبدّ العادل الذي يطارد الفاسدين

هذه المواقف يمكن إرجاعها إلى خشية أنصار قيس سعيّد من تحويله إلى أضحوكة والإمعان في تصيّد أخطائه بأسلوب فيه الكثير من التعسّف والشطط والمغالطة، ولقد كانت لهؤلاء "القيسيين" في تجربة المنصف المرزوقي أوّل رئيس بعد الثورة مثالًا وعبرة، فقد تركه أتباعه للذئاب ينهشون عرضه وهيئته وصورته وتاريخه.

ما لا يمكن تفسيره في مواقف هذا الجمهور الواسع تلك الآمال الطوباويّة التي جعلت الكثيرين يستعجلون النتائج والأحكام والإيقافات والمصادرات واجتثاث دابر الفساد واقتلاع جذوره وتجفيف منابعه وقطع رؤوسه حتّى خِلناهم ينادون قيس سعيّد في أسف واستنكار "أين سيفك يا جلّاد"؟

التعيينات وميزان الكفاءات

لئن بدت مواقف عامّة المواطنين بسيطة انطباعيّة مواجهتها بالحجّة والبرهان أمر يسير هيّن، ولئن كانت آراء "تجار السّخط" متهافتة مفضوحة كاشفة عن تحيّز وعداء، فإنّ عددًا من التقييمات لأداء قيس سعيّد تستحقّ العرض والإبراز والتفاعل والتركيز، لأنّها تبدو مدجّجة بحجج أشدّ قوّة من صراخ الأنصار وبَأْسهم ومساندتهم اللامشروطة للرئيس.

آخر التقييمات ما تعلّق بالتعيينات، فقد عيّنت مؤسّسة الرئاسة سامي بن جنّات مديرًا عامًا للمعهد التونسيّ للدراسات الاستراتيجيّة، بعد أن تولّى سابقًا الإدارة العامّة لوكالة التبغ والوقيد،، وكان هذا الاختيار صادمًا بالنسبة إلى الكثير من الباحثين العارفين بخصوصيّة هذا المركز ومقتضياته. فقد عدّ المهدي المبروك، وزير الثقافة الأسبق ومدير فرع تونس للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، هذه الخطوة "سيّئة بكلّ المقاييس"، واعتبرها "إجراءً مُهينًا" للجماعات العلميّة والأكاديميّة بالبلاد التي يمكن حسب رأيه أن تنهض بهذه المؤسسة المنكوبة، فهذا الاختيار على حدّ تعبيره في صفحته على فايسبوك: "لا يستند إلى مقاييس الجدارة العلميّة ومعايير الكفاءة البحثيّة".

مثل تعيين قيس سعيّد لرجل الإدارة سامي بن جنات مديرًا عامًا للمعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية اختيارًا صادمًا بالنسبة إلى الكثير من الباحثين العارفين بخصوصيّة هذا المركز ومقتضياته

ولم يخف المبروك خشيته من أن يكون اصطفاء بن جنّات قائًما على "العلاقات الزبونيّة والولاءات"، وعلّل المتحدّث رأيه بأنّ إمكانيّات المدير العامّ الجديد لمعهد الدراسات لا تخوّل له غير بعض المراكز الإداريّة، كأن يُعيّن على سبيل المثال في خطّة الكاتب العام للمعهد. واستعرض المبروك ما تعاني منه هذه المؤسّسة منذ خمس سنوات قائلًا: "هذا المعهد مهمّش معزول عن محيطه الوطنيّ والدوليّ، لم يُنتج دراسة استشرافيّة واحدة ذات قيمة علميّة مضافة منذ أكثر من خمس سنوات، واقتصر نشاطه على اللهث وراء الإثارة وعرض الإحصائيّات الصادرة عن مؤسسات الدولة في غير عمق أو أفق استراتيجيّ".

 

 

تتناغم مواقف العديد من الباحثين والناشطين السياسيين مع قراءة المهدي المبروك، منهم عبد اللطيف الهرماسي، الأكاديمي المختصّ في علم الاجتماع، الذي علّق على هذا التعيين قائلًا: "بالفعل هي تسمية مثيرة للتساؤل عن أسبابها ودوافعها، كان من المفروض أن يعطي الرئيس الجديد رسالة إيجابية وقوية بدلا من تسمية غير مفهومة وغير مقنعة".

أخطر ما في هذه المواقف الاحتجاجيّة صدورها عن أطراف يعسر التشكيك في كفاءتها العلميّة، و يعزّ اتّهامها بمعاداة قيس سعيد، فقد حظي أستاذ القانون الدستوري منها بدعم مؤثّر مُساهم مساهمة فعّالة في توجيه الرأي العام خاصة في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسيّة السابقة لأوانها في 13 أكتوبر/ تشرين الأوّل 2019.

اقرأ/ي أيضًا: الثورة الثقافيّة مُنجَزٌ أم مشروع للإنجاز؟

بن بريك وعطوان..دعوتان مثيرتان

استقبل قيس سعيد في قصر قرطاج عددا كبيرًا من المواطنين أفرادًا ومجموعات، من سياسيين ومفكّرين ومبدعين وفنّانين وإعلاميين، كما نال عدد من البسطاء والمهمّشين شرف ملاقاة رئيس الجمهوريّة في مقرّه الرّسميّ. ولئن بدت استضافة رؤساء الأحزاب والمنظمات الوطنيّة وعددا من السياسيين مسلكًا بديهيًا يحتّمه الواجب، فقد استحسن التونسيّون جلّ الدعوات الاستثنائيّة خاصّة تلك التي شملت جلبار النقّاش المناضل اليساريّ وفوجًا من الشباب القادم من ولاية قفصة ومجموعة من الفتيان الوافدين من القصرين.

لم تكن دعوة بن بريك أشدّ حرجًا من ملاقاة الصحفي الفلسطيني عبد الباري عطوان الذي تعتبره فئة كبيرة من الحقوقيين والديمقراطيين والإسلاميين مساندًا للأنظمة الدكتاتوريّة

في المقابل خلّفت بعض اللقاءات ألوانًا من الدهشة والامتعاض، إذ رأى فيها المنكرون الرافضون ضروبًا من التناقض، فقد أثارت صور رئيس الجمهوريّة وهو يصافح توفيق بن بريك الكاتب والصحفيّ صدمة في نفوس طيف واسع من التونسيين، لا لأنّ هذا الإعلاميّ قد أعلن مساندته الصريحة والرسميّة لنبيل القروي خصم قيس سعيّد، فهذا الأمر مشروع مباح، بل لأنّ الرجل قد أظهر سلوكًا عدائيًا إقصائيًا دمويًا في فترة الحملة الانتخابيّة، فالجميع يذكر عبارته المشهور التي صدع بها يوم 1 أكتوبر/ تشرين الأوّل 2019، "أنا مغتاظ، القروي ليس مرشّحًا عاديّا، هو صديقي وأخي، كأنّهم قد سجنوا أخي، هل تنتظر منّي أن أصمت، وقد سجنت أخي، في بلدان أخرى في هذه الحالة يتمّ رفع السّلاح".

استقبال بن بريك لم يجد له جلّ المتابعين من أنصار قيس سعيد وخصومه تفسيرًا موضوعيًا، وبصرف النظر عن ذاك التصريح تساءل البعض ما هو وجه التفوّق والتفرّد في تجربة هذا الصحفيّ حتّى يقع تبجيله على مئات الإعلاميين المعروفين بكفاءاتهم العلميّة الفائقة وتجربتهم المهنيّة المحترمة ونضالهم الحقوقيّ والنقابيّ المشهود؟

لم تكن دعوة بن بريك أشدّ حرجًا من ملاقاة عبد الباري عطوان، الصحفيّ العربيّ الفلسطيني، في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني، فهذه الشخصيّة، رغم ما تتّصف به من تجربة ثريّة ومهارات إعلاميّة، لا تُعدّ في تونس موضوع إجماع، بل إنّ فئة كبيرة من الحقوقيين والديمقراطيين والإسلاميين يعتبرون صاحب صحيفة "رأي اليوم" مساندًا للأنظمة الدكتاتوريّة، ومقرّبًا من حكّامها. وبناء على ذلك، يتناقض استقباله في القصر، في ظنّ الكثيرين، مع ما به نال قيس سعيّد ثقة جلّ التونسيين، فقد اختاروا حاكمًا مستأمنًا على جملة من القيم أهمّها الديمقراطيّة وحريّة الشعب في تقرير مصيره والقطع مع كلّ عناصر الاستبداد وأدواته ورموزه.

رجل القانون ورجل الدولة

قيس سعيّد رجل القانون المتّصف بالصرامة والمتحليّ بالعفّة والعدل في تجربته المهنيّة أصبح رئيسًا للجمهوريّة، غير أنّ صدى التجربة الأولى مازال مهيمنًا في خطابه رغم انتقاله من مدرج الجامعة إلى مكاتب القصر وقاعاته، وهذا ما تفطّن إليه العديد من المتابعين.

 ففي حادثة عمدون التي خلّفت تسعة وعشرين قتيلًا وعددا كبيرًا من الجرحى، استحسن التونسيون انتقال قيس سعيّد إلى مكان الحادث ومتابعته الحثيثة لكلّ صغيرة وكبيرة حرصًا على سلامة الناجين ورغبة في التحقّق من ملابسات الواقعة الأليمة. في المقابلـ لم يستسغ البعض حديث الرئيس عن أزمة التشريعات، والحال أنّ المعضلة التي تعاني منها البلاد لا تتمثّل في نقص القوانين بقدر ما تكمن في أزمة القيم، فالأموال والبرامج والضوابط والأوامر والنواهي غير كفيلة وحدها بانتشال التونسيين من الفوضى والتفكّك والإجرام والتخلّف والفساد والخصام، التونسيون في حاجة إلى محفزّات أقدر على إحياء ما به يكون الإنسان إنسانًا، من تمسّكٍ بالمحبّة والأمانة والعفّة ورغبةٍ في العلم والعمل وتطلّعٍ إلى الخير والحقّ والجمال.

قيس سعيّد رجل القانون المتّصف بالصرامة والمتحليّ بالعفّة والعدل في تجربته المهنيّة أصبح رئيسًا للجمهوريّة غير أنّ صدى التجربة الأولى مازال مهيمنًا في خطابه رغم انتقاله من مدرج الجامعة إلى مكاتب القصر

كما لم يستحسن عدد من التونسيين الواثقين في قيس سعيّد انخراطه في الشكوى والتظلمّ وإظهار التبرّم من القوانين البالية وأجهزة الدولة، إذ صرّح بعد معاينة النقائص بالمستشفى الجهويّ بباجة قائلًا: "إن إدخال أجهزة التصوير بالمفراس (سكانير) يتطلب سبعة أشهر، أما المخدرات فهي تدخل البلاد مباشرة". هذا الخطاب المقتضب شبّهه البعض بأحد تدخّلات حمّادي الجبالي رئيس الحكومة الأسبق حينما قال "أين البلديّة، أين الولاة، أين الحكومة؟"

المشهد في الحالتين يكشف عن سلوك يتّميّز بالعفويّة ويبرز ما يتّصف به الساسة بعد الثورة من شفافيّة، لكنّ المواطن العاديّ لا تعنيه تلك المكاشفة بقدر ما تعنيه علامات العزم والحزم والثقة التي توحي بإجراءات عمليّة عاجلة كفيلة بإصلاح الأوضاع.

هذه قرطاج وتلك حدودها

لو أعدنا النظر كرّة ثانية إلى هذه التقييمات في غير تسرّع أو مبالغة لانتهينا إلى ملاحظتين على الأقلّ من شأنهما أن ترفع الحرج نسبيًا عن رئاسة الجمهوريّة:

الملاحظة الأولى تتّصل بخلفيّة بعض الأنصار الذين أصابتهم خيبة خلال الأسابيع الأولى من وصول قيس سعيّد إلى القصر الجمهوريّ، فهؤلاء تبدو انتظاراتهم مفتقرة إلى الوعي ببعض الحدود منها ما تعلّق بنظام الحكم، ومنها ما ارتبط بصلاحيّات رئيس الجمهوريّة. أمّا نظام الحكم فهو شديد التّعقيد، ممّا يجعل السلطات التشريعيّة والتنفيذيّة والقضائيّة مترابطة متداخلة يعز أن تكون المبادرة والحكم لطرف واحد، وأمّا صلاحيّات ساكن قرطاج فهي مقيّدة، وكأنّ صوتًا هاتفًا من الضاحية الشماليّة للبلاد التونسيّة ينادي كلّ مساء "هذه قرطاج الرئاسة، وتلك حدودها، فالرغبة حارقة والقدرة كاسرة".

الملاحظة الثانية تتعلّق بالمدّة التي قضّاها قيس سعيّد في القصر، فهي إلى مطلع شهر ديسمبر/كانون الأول 2019 تبدو قصيرة قصرًا يجعل الرؤية مفتقرة إلى العمق والدقّة والشمول. ولعلّ الأشهر المقبلة أن تكون كفيلة ببلورة تصوّرات استراتيجيّة تقطع مع القرارات والتصريحات واللقاءات الارتجاليّة، غير أنّ الأمر يقتضي صبرًا وتفهّمًا من المواطن والمنظّمات والجهات المحرومة، لكن هل يتحقّق ذلك في ظلّ استفحال الفقر والفساد وتواتر المحن والكوارث والتجاوزات؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

قيس سعيّد رئيسًا: "هبّة الصّندوق" وأسئلة السّلطة الثلاثة.. سؤال الدّاخل (1)

قيس سعيد رئيسًا: "هبة الصندوق" وأسئلة السلطة الثلاثة..سؤال الجوار المغاربي (2)

قيس سعيد رئيسًا: "هبة الصندوق" وأسئلة السلطة الثلاثة.. سؤال العالم والتاريخ(3)