14-يناير-2020

الناظر في الثورة التونسيّة واجد أنّها لم تدَّعِ التعالي والمثاليّة (صورة أرشيفية/ أنطوان غيوري/ AGP/ كوربيس)

 

ما من فعل بشري فرديّ أو جماعيّ إلّا وكان خاضعًا في تثمين مردوده إلى ميزان الربح والخسارة، حتّى العبادات لا تكاد تتملّص من هذا المعيار المادي رغم طابعها الدينيّ القدسي، ألا ترى ذلك في إحصاء الحسنات والسيئات والحديث عن درجات الجنّة ودركات الجحيم، لا عجب إذن أن يُستأنس بهذه المعادلة في بعض المجالات النبيلة كالحب والجهاد في سبيل الأوطان والدفاع عن الحريّات ونصرة المظلومين، عبثًا يحاول المرء إظهار تعففه وتعاليه عن نيل الملذات والمكاسب، فأسئلة الجدوى والفائدة تلحّ عليه والمقصد النفعي منفلت متسرّب رغم الحجب الاعتباريّة والرمزية التي يسعى المتسامون إلى التحلّي بها.

يحقّ للتونسيين التساؤل بعد تسع سنوات من قيامها عن عائداتها وثمارها

الثورة شأنها شأن العبادات والتجارب العاطفيّة والأفعال البطوليّة النبيلة يحقّ إخضاعها إلى ميزان الكسب والخسران رغم مقامها الرفيع الجليل المعطرّ بمطلب الحريّة التي لا تقاس بمال أو بجاه، فهي جوهر الوجود، وهي ما به يكون الإنسان إنسانًا.

بيد أنّ الناظر في الثورة التونسيّة واجد أنّها لم تدَّعِ التعالي والمثاليّة، فقد جمعت مطالبُها بين المقاصد الاعتباريّة والمرامي الماديّة، إذ لم تقتصر شعاراتها على أهزوجة الزهد والتعفف "خبز وماء وبن علي لا"، إنّما انفتحت كذلك على غائيّات اجتماعيّة معيشيّة، فضلًا عن التطلعات السياسيّة، وقد ترجمتها عبارات واضحة قطعيّة الدلالة منها "التشغيل استحقاق يا عصابة السرّاق".

اقرأ/ي أيضًا: تسع سنوات على الثورة.. تنكر السلطة متواصل لعائلات الشهداء والجرحى

الثائر يريد جزاء.. ويريد شُكُورًا

بناء على هذا الملامح الأساسيّة لثورة الحريّة والكرامة، يحقّ للتونسيين التساؤل بعد تسع سنوات من قيامها عن عائداتها وثمارها، فمن أشعل فتيلها الأوّل وكلّ من أقبل عليها بالفعل والكلمة أو حتّى بمجرّد الدعاء، لا أحد من هؤلاء ادّعى يومًا أنّه لا يريد منها "جزاء ولا شكورًا"، أيحق لنا حينئذ التعالي عن الطامعين في "الثواب الثوريّ"؟ هل يجوز تأنيب السائلين في عفويّة وصدق وتلقائيّة " أش جابتلنا الثورة (ماذا قدّمت لنا الثورة)؟ دعك من هؤلاء المنكرين لها أو المرتدّين عنها، فلا حظّ لهم منها غير الحسرة والنقمة والامتعاض.

العنصران المستفيدان من العفو والمصالحة واقعان على طرفي نقيض

عفوًا لا يحقّ لنا التسرّع في هذا الحيّز التحليليّ، فما ينطبق على جلّ الثورات قد لا يتناسب مع خصوصيّة الثورة التونسية، فقد يكون هؤلاء المرتدون والمعرضون عن الثورة والمستخفّون بها من أكثر المتنعّمين من مزاياها وفضائلها، وإن شئت التحقّق من ذلك تعالوا نحصي قائمة المنتفعين منها.

جِنان الثورة أبوابها تسعة

رغم يقيننا من تواصل المسار الثورّي في تونس وقد أشرف على عشريّته الأولى، ورغم وعينا بخضوع هذا المسار إلى ثنائيات الكر والفر والمد والجزر والخفاء والتجلي، ورغم درايتنا بأنّ المجال إنسانيّ تحكمه النسبيّة وخاضع إلى موجات التقلّب والتبدّل، رغم كلّ ذلك بإمكاننا الآن حصر قائمة المستفيدين من الثورة حصرًا نعترف بأنه يظل خاضعًا للتحيين والمراجعة.

في العيد التاسع من 2011 إلى 2020، أبانت لنا الأرقام والإحصائيّات والمؤشّرات الموضوعيّة الملموسة التي يمكن معاينتها بيسر أنّ أبواب الاستفادة من ثمار الثورة تسعة، منها العفو والمصالحة والمطالب المهنيّة والنشاط النقابي والحريّة في مجالات الفكر والفن والإعلام وغيرها. هؤلاء العابرون على الصراط المفضي إلى جنان الثورة فيهم "السابقون السابقون" ومنهم من "مرّ إليها كالبرق"، ومنهم المترنّح، ومنهم الزاحف، ومنهم المتسلّل، ومنهم المتنكّر، ومنهم الراكب على ظهور الصادقين المخلصين، صنفهم على النحو الذي تريد وسمِّهم ما شئت جهات أو أفردًا أو عناصر أو أحزابا أو مجالات أو قطاعات، أو عصابات، هذه الأطراف يتناسب عددها مع عدد سنين الثورة غير أنّ ترتيبنا لها لم يخضع إلى المقياس الزمنيّ الميقاتيّ كما قد يتهيّأ للقارئ المتعجّل الطامع في السلم التأريخيّ التوثيقي.

باب العفو والمصالحة..السابقون السابقون

أوّل أبواب الفوز بمغانم الثورة وثمارها هو بلا شكّ باب العفو، وهو مدخل شائك شديد التعقيد يحتاج إلى إعادة النظر والبحث والتقليب والتقييم، غير أنّ عجالة هذا الحيّز تدفعنا دفعًا إلى الاقتصار على ذكر بعض خصائصه.

الخصيصة الأولى تبدو قائمة على مفارقة عجيبة، فالعنصران المستفيدان من العفو والمصالحة واقعان على طرفي نقيض، ذلك أنّ الأولّ كان متضرّرًا من نظام الفساد والاستبداد في عهد بن علي والثاني كان متمعّشًا مستفيدًا منه، أمّا الأوّل فقد نال نصيبه تشريعيًّا وعمليًّا بعد شهر وخمسة أيّام من فرار بن علي، ففي 19 فيفري/ شباط 2011، صدر المرسوم عدد1 عن فؤاد المبزّع رئيس الجمهوريّة المؤقّت باقتراح من وزير العدل الأسبق الأزهر القروي الشابي في حكومة محمّد الغنوشي الثانية، وأهمّ ما ورد في فصله الأوّل "ينتفع بالعفو العام كل من حكم عليه أو كان محل تتبع قضائي لدى المحاكم على اختلاف درجاتها وأصنافها، قبل 14 جانفي 2011".

الجامع بين الناجين عام 2011 والسالمين سنة 2017 أنّهما قد استفادا من الضغط والابتزاز

وقد بدا هذا المرسوم واسعًا أقرب إلى الإطلاقيّة والشمول دلّ على ذلك أسلوبيًّا تكرار كلمة "كلّ" مرّات عديدة في نص المرسوم، إذ شمل العفو أحد عشر نوعًا من "الجرائم" بصرف النظر إن كانت حقيقيّة أو كيديّة، فما بني على تعسّف واضطهاد كان باطلًا وفق المنطق الثوريّ آنذاك، من تلك الجرائم التي تم تعديدها في نفس الفصل من المرسوم المذكور" الاعتداء على أمن الدولة الداخلي المنصوص عليه بالباب الثاني من الجزء الأول من الكتاب الثاني من المجلة الجزائية". وقد شمل هذا العفو كذلك " كل الذين حوكموا من أجل جرائم حق عام أو جرائم عسكرية إن كانت التتبعات تمت على أساس نشاط نقابي أو سياسي". ومن النقاط التي جعلت هذه الفائدة مجزية الفصل الثاني من المرسوم الذي شدد على "أنّ كل من سيشملهم العفو العام طبقًا لهذا المرسوم الحق في العودة للعمل وفي طلب التعويض"، وقد بلغ عدد المنتفعين من هذا الفصل الثاني حوالي سبعة آلاف وفق دراسة أعدّها المعهد الوطني للدراسات الاستراتيجيّة وأعلن عنها سنة 2018.

من القرارات المتهافتة إلى المسارات الملتوية

بصرف النظر عن وجاهة هذا الإجراء الذي بدا متهافتًا، خاصّة في صلة بالكفاءة المهنيّة والتعيين دون الخضوع إلى مناظرة أو تعهّد للمعارف، يحقّ لنا القول إنّ هؤلاء الذين تمّ العفو عنهم قد كانوا من أكثر المستفيدين بعيد الثورة التي حررتهم من السجن ثم فتحت لهم باب العيش الكريم رغم يقيننا بأن فئة كبيرة منهم مازالت تشكو إلى الآن الإهمال والنسيان. ولئن بدا هذا العفو المشفوع بجزاء مادي ومهني حمّالًا لبعض الوجاهة في صلة بجانب من استحقاقات الثورة فإنّ لونًا آخر من العفو قد عده الكثيرون متهافتًا واعتبروه ضدّ روح الثورة وأهدافها بكل المقاييس، فقانون المصالحة قد أفضى إلى العفو عن الموظفين الذين أسهموا في الفساد قبل 14 جانفي/ كانون الثاني، وقد تجسّد ذلك تشريعيًّا من خلال مصادقة مجلس النواب في 13 سبتمبر/ أيلول 2017 على هذا المشروع الذي قدّمه الباجي قائد السبسي الرئيس الراحل.

ها قد شاءت بعض المسارات الملتوية للثورة أن تتقاطع الخطوط المتوازية وتتماهي الأقطاب المتباينة و" تتواطأ الأضداد"، فيشمل العفو سنة 2011 "المناضلين" أو هكذا يبدو، وتضم المصالحة بعد ست سنوات الفاسدين، فينالون ما لم يحلموا به حتّى في عهد "الأمان النوفمبري"، فقد كانوا منخرطين في المنظومة وذؤابة سيف المحاسبة يتهدد رقابهم في كل حين، ألم يتوعدهم بن علي قبل فراراه بساعات بالحساب والعقاب؟

غنيمة الموظفين التي فقدت وجاهتها من عدم مراعاتها مبدأ الأوليات ساهمت فيها القيادات النقابية

الجامع بين الناجين عام 2011 والسالمين سنة 2017 أنّهما قد استفادا من الضغط والابتزاز، فضغط الثائرين دفع حكومة محمد الغنوشي الثانية إلى اتخاذ موقف كان في حاجة إلى التروي وحسن الفرز والتدقيق في المتمتعين بالعفو العام حالة حالة، أمّا ضغط الثورة المضادة فقد دفع أحزابًا وشخصيات إلى الإسراع نحو طي صفحة ما قبل 14 جانفي/ كانون الثاني ومحو ذنوب المتمعشين إداريًا، وقد كانوا بشهادة رجال القانون يمثلون النواة الصلب للفساد وسندها البيروقراطي والقانوني، ففي الإدارة كانت تُحبك جميع الصفقات المشبوهة وجرائم السرقة والاختلاس، ألم أقل في مقدمة هذا المقال إن الاستفادة من الثورة لا تخضع بالضرورة إلى أحكامها ومقاصدها ومبادئها العامة النبيلة، يتأكد هذا من خلال النموذج الثاني من زمرة المستفيدين.

اقرأ/ي أيضًا: في ذكرى الثورة.. رفض للاحتفال الفلكلوري وتأكيد التشبث بمطالبها

باب التشغيل وأبواب التعطيل

"التشغيل استحقاق يا عصابة السراق"، كم كان هذا الشعار مدويًا محرجًا لنظام بن علي الذي بدا عاجزًا عن إيجاد الحلول لآلاف المعطلين عن العمل، وقد تسرّب هذا الحرج لفئة المطمئنين المستقرين المستفيدين ممن تدرّ عليهم وظائفهم أجورًا تتيح لهم الحد الأدنى للعيش الكريم.

الدين والإنسانية يدفعان دفعًا إلى مساندة هذه الفئات المهمشة والمفقرة والمهددة بالجوع، لذلك تعاطف جمهور واسع من الموظفين مع المنتفضين، وساندت الكثير من النقابات الأساسية منذ البداية تلك التحركات الاحتجاجية ذات المنحى الثوري، وظن الجميع أن رحيل بن علي سيفضي إلى ترتيب الأولويات الاجتماعية، وانتظر الواعون بجوهر انتفاضة الشباب أن يتأجل حرص الموظفين على الرفع في الأجور إلى مرحلة لاحقة رغم وجاهة هذه المطالب، ذلك أن خلق مواطن شغل للمعطلين عن العمل كان يمثل أولوية مطلقة مراعاة لشعارات الثورة والتزامًا بمبدأ التمييز الإيجابيّ.

كانت للاتحاد العام التونسي للشغل الكلمة الفصل في جميع المسارات التي شهدتها تونس قُبيل رحيل بن علي وخلال السنوات التسع المنقضية

لا شكّ أنّ عشرات الآلاف من الفتيات والفتيان قد ولجوا إلى جِنان الثورة من باب التشغيل، فقد ارتفع عدد العاملين في الوظيفة العمومية بين 2011 و2014، وفق تقرير أعده صندوق النقد الدولي، من 430 ألفًا إلى 560 ألفًا، غير أن هذا الباب كان يمكن أن يحفل ويَحْتَفِيَ بعدد أوسع من المعطلين لو لم تزاحمهم على الغنيمة العاجلة فئة أخرى تدافعت عبر باب التعطيل، فقد عمدت قطاعات عديدة من الموظفين إلى تعطيل العمل طلبًا لزيادات كان يمكن تأجيلها بمقتضى تراتبية الحاجات والاستحقاقات، إذ ارتفع، وفق إحصائيّة أصدرتها وزارة الشؤون الاجتماعيّة، عدد الأيام الضائعة بسبب الإضرابات بنسبة 304 في المائة بين 2010 و2011، (من حوالي 75 ألف يوم إلى أكثر من 300 ألف). وذكر نفس التقرير الذي تم الإعلان عن نتائجه سنة 2018، أن ارتفاع متوسط الأجور في الوظيفة العموميّة قد بلغ 12 في المائة سنة 2016، وأنّ فاتورة الأجور قد أدركت في نفس السنة 14.1 من إجمالي الناتج المحلي بزيادة فاقت 4 في المائة قياسًا إلى سنة 2010.

غنيمة الموظفين التي فقدت وجاهتها من عدم مراعاتها مبدأ الأوليات ساهمت فيها القيادات النقابية، وهي بشهادة الكثيرين من أكثر الأطراف المستفيدة خاصّة على مستوى النفوذ والمنزلة الاعتباريّة.

باب الحل والعقد والعصمة النقابية

" الإدارة ما تحط (لا تضع) إبرة في خيط إلا ما تشاور النقابة"، هذا ما يؤكده سائر الموظفين، في جميع الإدارات خاصّة في المؤسسات العمومية، إذ لا يخفى على أحد تعاظم دور القيادات النقابية منذ الثورة، وقد تخطّى هذا الدور البعد الاجتماعي ليطال الشأن السياسي. وبصرف النظر عن تباين التقييمات، فقد كانت للاتحاد العام التونسي للشغل الكلمة الفصل في جميع المسارات التي شهدتها تونس قُبيل رحيل بن علي وخلال السنوات التسع المنقضية، فلا أحد ينكر أن الإضراب العام الجهوي بصفاقس يوم 12 جانفي/ كانون الثاني 2010 مثّل تحركًا نقابيًا وشعبيًا مثيرًا زعزع ثقة بن علي بنظامه وعجّل في رحيله، هذه الخطوة تلتها خطوات أخرى بعد الثورة، فقد أحدث الاتحاد التوازن السياسي آخر سنة 2011 حينما اصطف مع المعارضة الضعيفة المفككة ضد الترويكا التي استحوذت على كلّ السلطات التنفيذية والتشريعيّة والقضائية، وفي مرحلة موالية تزعمت "السلطة العمالية" الحوار الوطني، في أكتوبر/ تشرين الأول سنة 2013، فتُوج هذا الدور التاريخي بجائزة نوبل للسلام نالها الاتحاد مع بقة الرباعي الراعي للحوار.

نهل المبدعون والأدباء والفنانون من نفس النبع الذي شرب منه الإعلاميون فأحسنوا استثمار هذه الهِبَةِ الثوريّة من خلال تطوير الإنتاج كميًا ونوعيًا

الفائدة التي غنمها القياديون في الاتحاد والنقابات ذات وجهين على الأقل وجه اعتباريّ ووجه سلطوي، فقد اكتسب هذا الطرف وجاهة واحترامًا وهيبة خاصة لدى فئة كبيرة من الموظفين، كما ضمن سلوكيًا وتشريعيًا امتيازات جعلته ماسكًا بزمام الأمور في جل المؤسسات، فبعض المديرين الذين اختاروا السلامة سلَّموا رمزيًا مفاتيح مكاتبهم إلى النقابات الأساسيّة والجهوية فبيدها الحل والعقد، وقد أفرز هذا المشهد ما من شأنه أن يضغط على سائر السلطات بما فيها السلطة القضائيّة، فالنقابي في مقام المعصوم يحظى بالمساندة المطلقة في جل نزاعاته، وهو بين أنصاره منزه عن كل الشبهات، هذه المساندة توظف فيها أدوات شتى منها الإعلام وهو أحد مكونات الطرف الرابع المستفيد من الثورة.

باب الكلمات.. السلال فارغة والمنابر عامرة

شكا التوحيدي الأديب العربيّ ضائقة العيش قائلًا "إلى متى الكُسيرة اليابسة والبُقيلة الذاوية والقميص المرقع"، مقابل هذا الخصاصة كان هذا الكاتب الملقب بأديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء ينعم في القرن الرابع للهجرة (العاشر ميلاديًا) بما يتناسب مع تكوينه الموسوعي في مجالس العلم والإبداع و"الإمتاع والمؤانسة"، هذا شأن التونسيين، فالأسواق والسلال فارغة والمنابر الفكريّة عامرة، ينطبق الملمح الإيجابي على كلّ الفضاءات الخاصة والعامة المتمحضة للإنتاج الإعلامي والنقدي والفني.

المكاسب التي حققتها هذه القطاعات بدت الأكثر وضوحًا، تقوم شاهدًا على ذلك الشهادات والأرقام، فقد أكدت "فريدم هاوس" ومنظمة مراسلون بلا حدود في تقريريهما سنة 2019 أنّ تونس تحتل المرتبة الأولى عربيًا في مجال حريّة التعبير، وما انفكت تحرز تقدمًا على مستوى عالمي، وهو ما جعل الصحفيين في هذا القُطر يعملون في سلام وأريحية يحسدهم عليها الناشطون في الشرق الأوسط وبقية دول إفريقيا التي تعد أكثر المناطق خطرًا على سلامة الإعلاميين.

نهل المبدعون والأدباء والفنانون من نفس النبع الذي شرب منه الإعلاميون، فأحسنوا استثمار هذه الهِبَةِ الثوريّة من خلال تطوير الإنتاج كميًا ونوعيًا، فقد تمكن الرسامون والشعراء والروائيون والمطربون والمسرحيون والسينمائيون من تخطي مرحلة التخبط والتجريب داخل نفس المجالات الناعمة، وأقبلوا على معالجة القضايا الصلبة سياسيًا واجتماعيًا كالديكتاتورية والتعذيب والهجرة السريّة والجريمة المنظمة والفساد المافيوزي وغيرها من المواضيع التي حررتها الثورة من الرقابة الذاتية والاستخباراتية وأباحت لملوك الكاميرا والركح واللحن تعريتها وهتك سرّها ورفع الحجب عنها.

الأطراف الخمسة المتبقية التي استفادت من الثورة يمكن تفصيل القول فيها في الجزء الثاني من المقال.

 

اقرأ/ي أيضًا:

التونسيّون ولحظة الهروب الجماعيّ من المسؤوليّة

اغتيال قاسم سليماني والمشهد السياسي التونسي.. أي تفاعل؟