30-يونيو-2021

كان من الممكن أن يكون حال التونسيين أفضل لو كان هناك قيادة موحدة مدعومة سياسيًا وشعبيًا تجاه جائحة لا ترحم (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

 

مقال رأي

 

في آخر أفلام المخرج اليوناني الفرنسي كوستا غافراس، صدر سنة 2019 حول أزمة الديون اليونانية والمفاوضات التي خاضتها الحكومة اليونانية مع شركائها في الاتحاد الأوروبي، وانتهت إلى انسداد كالذي نعيشه هذه الأيام في بلادنا، تقول الممثلة جوزيانا بنسن التي تلعب دور كريستين لاغارد في الفيلم "نحتاج إلى يافعين في الغرفة" والفيلم بنفس العنوان بالمناسبة.

لا فائدة ترجى من اجترار تسلسل الأحداث والتي قد تختلف حولها الرؤى باختلاف زوايا النظر والمرجعيات وخاصة الأهواء لكن الحقيقة واحدة ولا يمكن إنكارها، أننا صرنا نتخبط جميعًا فيما يُشبه "المستنقع".

من المنتظر في مثل هذه الحالات إطلاق صيحة الفزع والاستغاثة وطلب المساعدة.. لكن من سيطلقها في تونس الآن؟

تشارف الحصيلة الكوفيدية على عتبة الـ 15 ألف وفاة، انهيار مع تأجيل الإعلان للمنظومة الصحية، عجز بديهي للمالية العمومية، أجواء من البؤس العام تخيم على البلاد. ومن المنتظر في مثل هذه الحالات إطلاق صيحة الفزع والاستغاثة وطلب المساعدة كما سبق وقدمنا دون طلب للإيطاليين واللبنانيين.. وغيرهم. لكن من سيطلقها؟

ذات متألهة تعميها البارانويا، لها بال لتتبع من يتناول قداستها بكلمة وتجند لها خبيرًا قانونيًا، وما أكثر الخبراء في البلاد، وتوعز لذراعها - "التلقائية" - لإخراس من انفلتت أنامله من وثاقها وخطت في الافتراضي ما يضيق به صدر فخامته. العالم الافتراضي الذي كان درجه لنيل فخامة هي كفخامة ثياب الإمبراطور في القصة الفرنسية، صار الآن غرفة مظلمة للمأجورين.

يا ترى لو فعل سابقوه ما فعل كيف كان لمدونيه أن يخطوا رسالته المقدسة وأفكاره الجديدة وتصوراته التي لم تتسع لها لا كتب ولا مقالات. لن أوزع الأدوار والأسباب فالرئاسة مغانم ومآثم ومن تلحف بلحاف القائد كان له شرف الانتصار وخزي الهزيمة وأي نصر بعد أن خيمت رائحة الموت على كل فؤاد.

في إحدى الورشات التي حضرت حول الحكم المحلي والبلديات، يروي المدرب أنه أثناء جولاته التكوينية في البلدان الأوروبية، تعرض إلى تجربة مدينة أمستردام الهولندية. السلطة التنفيذية للمجلس البلدي بيد مجموعة من العمد، جزء منهم يعينهم الملك، وجزء آخر منتخب من المجلس البلدي المنتخب بدوره. تركيبة هجينة من المنتخبين ديمقراطيًا والمعينين ملكيًا. يقول المدرب أثناء تعرضه لمختلف التراتيب والإجراءات التنظيمية للعمل البلدي، لم يعثر على أدوات ووسائل فض النزاعات بين أعضاء مجلس العمد. فسأل:

  • لو اختلفتم، كيف تفضون نزاعكم وإلام مرجعكم؟ 
  • يجيبه أحد العمد: 
  • نتفاهم
  • طيب لو لم تتفقوا 
  • نجلس ونتفق 
  • وإذا لم تتفقوا؟ 
  • لا سبيل إلا أن نتفق.. 

بغض النظر عن مدى مصداقية الرواية، فالواضح أنه لم تصر هولندا هولندا، ولا الدنمارك دنماركًا، بالمكابرة وصراع الديكة.

بخصوص سعيّد، من السهل الاستنتاج أننا إزاء ذات انفعالية يقوم فعلها على رد الفعل، ويقتصر خطابها على الرد والإجابة بدل الطرح والمبادرة

اجتمع مؤخرًا رئيس الجمهورية برئيس مجلس النواب. لقاء كان يمكن أن يكون عاديًا لولا المأزق الذي سببه صبيانية الطرفين. ولاستثنائية اللقاء، سارع أنصار حركة النهضة إلى تصويره انتصارًا على إرادة الرئيس. ليستغل الصيادون في المياه المتعفنة، والعكرة أيضًا، مسابير الرئاسة المنتصبة بين البلاتوهات الإعلامية والحسابات الفيسبوكية لعمالقة الرأي الهلامي، فصوروا اللقاء على أنه بداية صفقة دبرت بليل وانعراج للمسار البيضاوي للمكوك الرئاسي.

اقرأ/ي أيضًا: في وقع العلاقة بين سعيّد والغنوشي على الحل السياسي

بطبيعة الحال، لم يتأخر الرئيس عن درء الشبهات التي قد تدنس "ثوب العناية الإلهية". كيف لا وقد عودنا برد الفعل بدل الفعل في أكثر من واقعة. لامه البعض بسبب غيابه عن بعض المنتديات والفعاليات الدولية فانطلق من يومه يستقبل كل سفير وملحق دبلوماسي بالبلاد، بدل وزير الخارجية، الوافدين والراحلين، ربما لم يلتقي الفرد منهم رئيس بلاده إلا عند تسلمه أوراق اعتماده. وعندما لام الوزير المكلف هشام المشيشي بعدم إدراج عناصر نسائية في تحويره المعلق، رد معارضوه أنه هو أيضًا لم تتمثل النساء بالشكل الكافي في تعييناته. فاستقبل من الصباح رئيسة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات.

حكومة المشيشي مشلولة نصفها مقال ونصفها الآخر مجموعة من موظفي الوزارات، المجبولين على الطاعة للتموقع بين التيارات قصد المحافظة لأطول فترة ممكنة على الامتيازات

وغير هذه الحوادث الكثير، ما يجعل من السهل الاستنتاج أننا إزاء ذات انفعالية يقوم فعلها على رد الفعل، ويقتصر خطابها على الرد والإجابة بدل الطرح والمبادرة. في هذه الحالة، ماذا يمكن أن يفعل أي غريم سياسي يستثمر في تعفين الوضع ويستبطن نظرية "دردرها تصفى"، النسخة التونسية المشوهة من نظرية الفوضى الخلاقة، سوى التلاعب والعزف المنسجم للترويج لطرح ما أو فكرة، حتى يتجه الرئيس عكسها وضدها؟ هو العبث في أبهى تجلياته. على أن العبث مدرسة فلسفية عريقة لها فلاسفتها ومنظروها ولا يمكن أن يكون الهواة السياسيون في بلادنا من تلاميذها. فإن لم يكن العبث فما هذا الذي نعيش؟ أروني موقفًا أكثر بذاءة مما نحن فيه، كما يقول مظفر النواب.

في المقابل، حكومة مشلولة نصفها مقال ونصفها الآخر مجموعة من موظفي الوزارات، العاملين بالفكر والساعد، المجبولين على الطاعة للتموقع بين التيارات قصد المحافظة لأطول فترة ممكنة على الامتيازات الوظيفية، مع البحث المستمر على المنصب الموالي حالما تهب رياح تغيير الحكومة التي صارت سنة تهب مع هبوب رياح الخريف كل عام تقريبًا باستثناء هدنة 2017-2019، والتي لا نزال نتحمل أوزارها حتى اللحظة.

لا يمكن أن يتوقع الفرج من عقول ديكة منشغلة بفقئ عيون بعضها، فيما يمضي المئات من التونسيين لياليهم يئنون مختنقين كان من الممكن أن يكون حالهم أفضل

على ما يبدو انتهت معزوفة الإفلاس التي اشترك في عزفها المعارضة والحكومة على حد سواء. قضي الأمر وحلت الكارثة الصحية. ولا يبدو أن الشعب سينتفض لا لزيادة أسعار ولا لتردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، على المدى القريب على الأقل. من البديهي ألا يتحرك المرء ضد شيء لا يراه. هل لا يزال هناك من يراهن على انتفاض الشعب، أو أي شعوب، على حكومة لا يراها؟ أين هي هذه الحكومة كما قال صاحب قولة الرأسمال الجبان فجر الانفجار الكوني غير المسبوق، وفق عباراته فخامته؟

إذًا هي أزمة صحية مستدامة على ما يبدو في انتظار ما يخالف ذلك: التلقيح أو الدواء. في انتظار ذلك، لا يمكن أن يتوقع الفرج من عقول ديكة منشغلة بفقئ عيون بعضها، فيما يمضي حوالي المئات من التونسيين لياليهم يئنون مختنقين كان من الممكن أن يكون حالهم أفضل لو كان هناك قيادة موحدة مدعومة سياسيًا وشعبيًا تجاه جائحة لا ترحم لكن الوحدة تفترض وعيًا والوعي يفترض رشدًا لا يرجى من "الصبيان"، فالله ما أخذ وله ما أعطى. 

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"

 

اقرأ/ي أيضًا:

الحوار في تونس.. عود على بدء

سعيّد يقترح العودة لدستور 59 وتنقيحه.. ردود فعل الأحزاب السياسية

سعيّد يقترح العودة لدستور 59 وتنقيحه.. أساتذة قانون دستوري يعلقون