زنقة المشيشي: إما التفاهم الكبير أو التيه الأكبر

زنقة المشيشي: إما التفاهم الكبير أو التيه الأكبر

سيستغرق الأمر أسابيعًا قليلة ربما وسنرى كيف ستتم "الطبخة" وماذا سيكون مذاقها

 

مقال رأي

 

كلمة زنقة مناسبة تمامًا للوضع الراهن، بمعناها الدارج أي الممر المسدود أو بمعناها المصري - المشرقي أي نقطة ذروة الاختناق. حكومة المشيشي في حالة فوضى تشبه أوضاع جيش منهك ومنهزم في حالة انسحاب جنونية. انخرام كامل لزمام القيادة وارتباك مريع وانفلات في كل الاتجاهات، وآخرها طريقة خروج مدير عام الخطوط الجوية التونسية.

مسألة انتهاء حكومة المشيشي مسألة وقت، وفقط بعض فلول النهضة ومنظومة الأعراف "الأوتيكا" ستتمسك بتمرير التحوير الحكومي وليس بنهاية حكومة المشيشي

مسألة انتهائها مسألة وقت، وفقط بعض فلول النهضة ومنظومة الأعراف "الأوتيكا" ستتمسك بتمرير التحوير الحكومي وليس بنهاية حكومة المشيشي. بالنسبة للبقية الموضوع الرئيسي هو شكل الإخراج وتفاهمات البديل ووضع الغنوشي في البرلمان. وعوامل الضغط المحلية لن يزيد تسارعها سوى عوامل الضغط الإقليمية والدولية.

اقرأ/ي أيضًا: عن مستقبل حكومة هشام المشيشي..

الأزمة السياسية الراهنة هي الأصعب بلا شك منذ 2011. مع كل حالات الاضطراب وقرب انهيار الدولة في الأشهر القليلة بعد جانفي/ يناير 2011، كانت الحيوية المتقدة للشارع والانسجام الواسع بين نخبة المعارضة السابقة لبن علي الحصن الحصين للوضع العام. في صيف 2013 ورغم اجتياح موجة الإحباط والثورة المضادة عربيًا ونجاح الإرهاب في شق صفوف الأحزاب وفر توازن الضعف واستحالة الحسم للنخبة السياسية السائدة بمختلف مرجعياتها إطاراً مناسبًا لعقد صفقة سياسية لإيصال البلاد إلى بر الأمان في 2014، وكانت هناك بقايا من منسوب الثقة سمحت بذلك.

أما الآن فإن أي تصاعد في حدة الصراع وسخونة السياق لن يجد آليًا نخبة سياسية قادرة على عقد تفاهم كبير يسمح باستقرار حكومي لإنجاز بعض الاستحقاقات الاقتصادية والاجتماعية. حالة اللاثقة العميقة بين أهم الفاعلين السياسيين لا تسمح حتى باستقطاب ثنائي عريض. نحن إزاء استقطاب ثلاثي في أحسن الحالات (قيس سعيّد وراشد الغنوشي وعبير موسي). وإضافة إلى ذلك فإن هوية جزء مهم من أقطاب الصراع تتميز بالنفور الوجودي من فكرة السياسة، كما أن التشكيل الفسيفسائي للساحة السياسية لا يعطي لأي طرف القدرة على الحشد للحسم، بل الجميع تقريبًا يرى في مبدأ التفاهم تهديدًا لوجوده.

الجدل الرئيسي الآن هو شكل الإخراج لحكومة المشيشي وتفاهمات البديل ووضع الغنوشي في البرلمان وعوامل الضغط الإقليمية والدولية

لم يكن مفاجأة أن مآل التحوير الحكومي كان بالشاكلة التي تمت، كان سيتم النظر إليه من القصر كانقلاب. المشيشي كان من البداية، وقياسًا لوزنه الضامر سياسيًا، مقررًا له أن يكون "تحت تصرف القصر أو باردو". اعتقد المشيشي أن له القدرة على الاختيار والبقاء في القصبة. تبيّن له الآن أن مجرد تفكيره في الاختيار كان شرط انتهاء العقد وابتداء مسار رفع الغطاء عنه.

اقرأ/ي أيضًا: جلسة منح الثقة للوزراء الجدد.. مأزق المشيشي

نحن الآن في مسار مزدوج. التصعيد عبر منصات مختلفة منها الشارع ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلام لتحسين شروط التفاوض. ومحاولة التهيئة للظرف المناسب لتفاهم كبير في الكواليس. الصفقات الكبرى تحدث تحت القصف. ولا يوجد مجال لعقد التفاهمات دون "حرب تحريك" المياه الراكدة. غبار المعركة الذي سيتصاعد تباعًا في الأيام القادمة يمكن أن يكون الغلاف السميك لترتيبات أخرى تتم في الغرف المغلقة.

نحن الآن في مسار مزدوج. التصعيد عبر منصات مختلفة منها الشارع ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلام لتحسين شروط التفاوض ومحاولة التهيئة للظرف المناسب لتفاهم كبير في الكواليس

لكن المشكل الأساسي أن ليس كل أطراف اللعبة معنية بأساليب وتقاليد الغرف المغلقة للسياسيين المحترفين. قيس سعيّد على رأس الأطراف التي لن تذهب إلى تفاهم بسهولة بل سيتمسك باسترجاع المبادرة بعيدًا عن التفاهمات، ولن يقبل بسهولة بأي تعديل للحظة جويلية/ يوليو 2020 عندما استرجع المبادرة وقرر فرض حكومة القصر "المستقلة تمامًا"، وفقه، أو الذهاب إلى انتخابات. مياه كثيرة جرت منذ تلك اللحظة.

في المقابل، لن تتخلى النهضة ("الآن على الأقل" كما أشار بشكل مخاتل "معاوية" نور الدين البحيري) عن ورقة المشيشي قبل تحصيل أوراق مقابلة، وضع رئيس البرلمان والبديل. حتى الحلفاء الظاهرين للرئيس ومنهم اتحاد الشغل لن يذهب في أي تفاهمات دون ضمان مشاركة في اختيار البديل. لنتذكر هنا أنه وفي مناسبتين على الأقل التقت النهضة مع الاتحاد في اسم فاضل عبد الكافي، ولا أعتقد أن الرئيس نسي ذلك. وستكون تلك عقدة المنشار، خاصة أن هناك قائمة شبيهين لعبد الكافي.

الطريق وعرة في زنقة المشيشي. التفاهم ليس محتومًا رغم أن غياب التفاهم سيعني تيهًا كبيرًا. لا شيء مضمون. لا يزال الجميع في منطقة رفاهة سياسية: المطلوب أن لا يحقق الخصم نقاطاً سياسية. في حين أن البلاد ستواجه مع شهري مارس/ آذار ثم جوان/ يونيو استحقاق دفع أقساط ضخمة من الدين الخارجي. وحين ستطلب الدولة التأجيل سيطل الطرف الدولي برأسه معلنًا نهاية فسحة الراحة.

لن تتخلى النهضة عن ورقة المشيشي قبل تحصيل أوراق مقابلة أي وضع رئيس البرلمان والبديل

تعتقد النهضة أن لحظة النزول للشارع ستشكل صدمة لخصومها. في حين أنه قبل أيام قليلة من 27 فيفري/ شباط القادم، تنطلق إلى تلك اللحظة معزولة حتى من نسختها المتوترة، ائتلاف الكرامة، المتحفز لإعلان انفصاله عن الراعي النهضوي، خاصة أنه بصدد حصد ناخبيه الغاضبين كل يوم بل في كل لحظة.

كما أن الشارع وصدماته لن يغير من حقيقة استحالة التحوير الحكومي، وتوزع مقاعد البرلمان، وتمترس قيس سعيّد في أركان الدستور و"حق التأويل الأخير". سيستغرق الأمر أسابيعًا ربما وسنرى كيف ستتم "الطبخة" وماذا سيكون مذاقها. 

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"

 

اقرأ/ي أيضًا:

عن طوفان الشعبوية في تونس..

حكومة الـ144 هي حكومة السيستام