دكتاتوريات داخل الأحزاب واستقالات بلا حساب

دكتاتوريات داخل الأحزاب واستقالات بلا حساب

يحرص العياري على الظهور في صورة الشاب المتمرد الرافض لكل أشكال الخضوع (فتحي بلعيد/ أ ف ب)

 

لم تعد استقالة النواب من أحزابهم أو تحوّلهم من كتلة إلى أخرى تثير الدهشة أو الاستنكار، بل تحولت إلى ظاهرة مألوفة من فرط تواترها، وهو ما أفضى إلى ضرب من التطبيع السياسي والإعلامي والنقدي معها. بيد أن بعض الاستقالات مازالت تحمل شروط الإثارة ودواعي القلق، وذلك بسبب ما يحف بها من ملابسات وما تطرحه من إشكاليات.

عادت الاستقالة التي يكون دافعها التفرّد بالرأي إلى ساحة الجدل السياسي حينما أعلنت إيمان بالطيب النائب بالبرلمان انسلاخها عن حركة أمل وعمل

من أوكد هذه الإشكاليات تلك التي تنشأ عن أحادية القرار ودكتاتورية الرجل الأول في الحزب، هذا الرجل تجتمع فيه أحيانًا صفات المؤسس والقائد والرئيس والناطق الرسمي وكبير المفاوضين والفاتق الناطق والمتحكم في كلّ صغيرة وكبيرة.

يرفض العديد من المواطنين والأعضاء والناشطين الاستلاب والذوبان، فترتفع أصواتهم امتعاضًا واحتجاجًا ورفضًا، فينتهي الأمر إلى الاستقالة أو الانشقاق بدافع التحرر من الهيمنة والسطوة، في هذا السياق تتنزل عدة استقالات من الأحزاب والمنظمات والائتلافات.

اقرأ/ي أيضًا: أي أسباب لعزوف النهضة عن وزارة التربية وإقبالها على بقية الحقائب؟

من اعترض فلا "أمل" له ولا "عمل"

عادت الاستقالة التي يكون دافعها التفرّد بالرأي إلى ساحة الجدل السياسي، يوم 18 فيفري/ شباط 2020 حينما قررت إيمان بالطيب النائب بالبرلمان انسلاخها عن حركة أمل وعمل، وعللت قرارها هي ومجموعة "نابل 1" في بيان استقالة جماعية بما أسموه " تفرّد النائب ياسين العياري بالرأي رفقة المحيطين به".

الخطير في هذا التعليل الكشف عن سلوكات تعسفية للعياري أوضحها السبب الثاني للانشقاق عن الحركة منها "طرد كل عضو ناقد للحركة أو معارض لياسين العياري والسعي إلى نشر الإشاعات لكل عضو نقد "مولى الباتينده"، فلا أمل ولا عمل لكل من يخالف توجهات القائد.

هذا التعليل، إن كان صادقًا صحيحًا، أوحى بأنّ العياري قد حوّل حركته شأنه شأن العديد من قادة الأحزاب من مؤسسة سياسية إلى ملكية فردية، ولو أبحنا لأنفسنا تصوير المشهد بأسلوب مجازي لقلنا على لسان العياري متحدثًا عن حركته هذه "أملي أنا وعملي وحدي"، وهو ما يفضح ما يمكن نعته بتضخّم الذات الناشئ عن الإفراط في الثقة بالنفس.

 يحرص العياري على الظهور في صورة الشاب المتمرد الرافض لكل أشكال الخضوع، لذلك أحدثت المبررات التي قدمتها بالطيب في المتابعين صدمة وخيبة

يحرص العياري على الظهور في صورة الشاب المتمرد الرافض لكل أشكال الخضوع، لذلك أحدثت المبررات التي قدمتها بالطيب في المتابعين صدمة وخيبة توقع يمكن ترجمتها في سؤال إنكاري من قبيل كيف تفعل بغيرك ما لا تقبله على نفسك؟

يمكن إرجاع تعالي العياري على شركائه في الحركة إلى منزلته العلمية وكفاءته الحجاجية ومنزلته الرمزية فهو "ابن الشهيد"، غير أنّ غيره من "المستبدين" يراهنون على مصادر نفوذ أخرى منها التاريخ النضالي.

هل يبيح التاريخ النضالي الاستبداد الحزبي؟

بصرف النظر عن التباين في المرجعيات والمقاصد فإنّ الجامع بين راشد الغنوشي وحمة الهمامي هو التاريخ النضالي ضد سياسة بن علي، هذه التجربة النضالية في سبيل الحرية والديمقراطية لم تتعزز في أداء هاتين الشخصيتين داخل حزبيهما، فقد توخيا وفق العديد من الشهادات التفرد بالرأي، ومثل ذلك أحد الأسباب التي دفعت إمّا إلى الاحتجاج أو الاستقالة، إذ لم يخف عبد اللطيف المكي في أكثر من مساحة إعلامية خشيته الدائمة من تحول حركة النهضة إلى حزب يدار داخليًا بأسلوب دكتاتوري أحادي.

لئن تسلح بعض المستبدين في أحزابهم بمراتبهم الاعتبارية فإنّ عددًا من القياديين قد أخذته العزة بالنفس دون رصيد متين

حافظت النهضة على تماسكها رغم التململ الناشئ عن تعسف الغنوشي في العديد من الاختيارات، غير أن استبداد "الرفيق" حمة الهمامي في الجبهة الشعبية كان له أثر قاسم طاحن، وكان منجي الرحوي قد اتهم الهمامي برهن الجبهة لفائدته الخاصّة، هذه النبال التي أصابت الهمامي هي نفسها التي سببت لمحمد نجيب الشابي نزيفًا سياسيًا جعله يفقد حزبه ويفرط في مقامه السياسي الذي كان صرحًا فهوى.

ما فعله الغنوشي والهمامي وغيرهما من دكتاتورية داخل الحزب قد يجد له بعض الأنصار مبررات من قبيل الخبرة والاطلاع الواسع والحرص على وحدة الحزب خشية التنازع والتفكك، هذا ما جعل الحسم في اختيارات هذين الرجلين موكول إلى التاريخ أو إلى حيّز تحليلي أوسع وأعمق.

اقرأ/ي أيضًا: حكومة الفخفاخ.. أزمة الربع ساعة الأخير والسيناريوهات الممكنة

المستبد الأعزل

لئن تسلح بعض المستبدين في أحزابهم بمراتبهم الاعتبارية، فإنّ عددًا من القياديين قد أخذته العزة بالنفس دون رصيد متين أو حصن حصين، فهم لا يملكون أي شرط من شروط الهيبة والإشعاع، ومع ذلك يصرون على بسط نفوذهم، فكان مصيرهم السقوط السريع المدوي. ينطبق هذا العديد من قادة الأحزاب منهم عبد الوهاب الهاني وياسين إبراهيم ومحسن مرزوق.

أمّا الأول فقد بلغت هيمنته على "المجد" درجة حجبت عن الأنظار أسماء كل أعضاء الحزب ومسيريه، وأما الثاني فقد أرغم سلوكه الأحادي أعضاء حزب آفاق تونس إلى الاستقالات المتتابعة جماعات وفرادى، فلم ير بدًّا بعد ذلك من اللحاق بهم، أما بالنسبة إلى الثالث فقد أشاح بوجهه عن الناشطين في حزبه فكان ردّ الفعل سريعًا قاسيًا تجلّى في استقالة الكثير من القياديين والأعضاء والتنسيقيات خاصة في الانتخابات السابقة سنة 2019.

 ينبغي النظر إلى تبريرات المستقيلين من أحزابهم بعين نقدية

لم يجد هؤلاء المستبدون الدروع المالية أو الاعتبارية أو التاريخية أو الجهوية التي تبيح لهم التفرد فقد كانت مناعتهم الحزبية ضعيفة لذلك سقطت تجاربهم وتبخرت تطلعاتهم في سنوات قليلة.

بناء على هذه العينات يمكن الاهتداء إلى ثلاث نتائج:

الأولى مفادها أن "الاستبداد الحزبي" لا يرتبط بعمر القائد أو بمرجيته أو برامجه، فلا سلامة من هذه الهنة التسييرية حتى كدنا نعتبرها جزء من الهوية السياسيّة التونسية.

النتيجة الثانية ترتبط بتحول النشطاء والأعضاء والمريدين بعد الثورة من أتباع منضبطين مطيعين إلى أعضاء لا حدود لأحلامهم، فمتى ارتطمت تطلعاتهم مع رغبات القائد أو الرئيس اختاروا التمرد والاستقالة.

النتيجة الثالثة ترتبط بالسياق العام، فالأجواء السياسية سيالة متحولة متقلبة، وهو ما يبيح الاستقالات المتواترة والانسلاخات المتكررة قناعة أو خوفًا أو طمعًا أو استسهالًا أو تطبيعًا مع الظاهرة، لذلك ينبغي النظر إلى تبريرات المستقيلين من أحزابهم بعين نقدية، فقد تُخفي سردية رفض التفرد والاستبداد سرديات أخرى فيها الموضوعي والذاتي والاختياري والاضطراري والرصين والانفعالي والعاطفي أحيانًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

بداية الاختلاف حول قيس سعيّد

حكومة إلياس الفخفاخ.. لا يمكن إلا أن تمر!