حوار| جنات بن عبد الله: كورونا سيعمّق المديونية و

حوار| جنات بن عبد الله: كورونا سيعمّق المديونية و"الأليكا" تهدد صناعة الأدوية

كاتبة صحفية متخصّصة في الشأن الاقتصادي

 

فيروس كورونا الذي ملأ الدنيا وحصد الأرواح وحير العلماء في بحثهم المستمر من أجل دواء يقضي عليه، يطرح أبعادًا اقتصادية في العالم وفي تونس التي تواجه أزمة اقتصادية منذ سنوات، ليُطرح السؤال اليوم حول الخيارات المطروحة لمواجهة التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لوباء كوفيد-19.

وقد طرح هذا الوباء، في الأثناء، ملف تجارة الأدوية وما يتعلق بخصوص مسألة براءات الاختراع. وستناول هذا الملف وعلاقته باتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق مع الاتحاد الأوروبي المعروفة اختصارًا باسم "الأليكا" والخيارات الاقتصادية الممكنة لمواجهة فترة ما بعد كورونا، مع الكاتبة الصحفية والمحلّلة في الشأن الاقتصادي جنات بن عبد الله، وهي متحصلة على ماجستير في الاقتصاد وماجستير ثانية في التجارة الدولية وتمارس العمل الصحفي منذ الثمانينيات متخصّصة في الكتابة حول الملفات الاقتصادية. وفيما يلي نص الحوار:

اقرأ/ي أيضًا: حوار| محمد صالح العياري (خبير جبائي): هذه الإجراءات اللازمة للإصلاح الجبائي


  • تمر تونس بأزمة اقتصادية يبدو أن فيروس كورونا زاد في تعميقها، هل لدينا خيارات اقتصادية لمواجهة ما بعد الأزمة ؟

أعتقد أن حكومة إلياس الفخفاخ لن تخرج عن الأعراف المدمرة التي أحكمت المؤسَّسات المالية الدولية تكريسها في بلداننا، وستتوجّه إلى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للاقتراض منهما وخصوصًا أن الأخير أعلن عن تخصيص اعتمادات للبلدان النامية لمواجهة هذا الوباء.

جنات بن عبد الله: نتجه دائمًا صوب تبعية مالية مدمرة بارتباطنا بالمؤسسات المالية الدولية وهو ما يعمق أزمة المديونية

ورغم أن البنك المركزي التونسي، اتخذ قرار خفض نسبة الفائدة المديرية 100 نقطة إلا إن ذلك يبقى غير كافٍ للعمل على خفضها نحو الصفر لإنقاذ المؤسّسات ومواطن الشغل.

وكالعادة عوضًا عن الاعتماد على القدرات الذاتية، فاننا نتجه دائمًا صوب تبعية مالية مدمرة بارتباطنا بالمؤسسات المالية الدولية وهو ما يعمق أزمة المديونية.

  • برأيك هل التفويض الذي منحه البرلمان لرئيس الحكومة الياس الفخفاخ قادر على حل الإشكاليات الاقتصادية المقبلة والمرتبطة أساسًا بما بعد الكورونا؟

استطاع رئيس الحكومة السابق يوسف الشاهد خلال ثلاث سنوات الماضية تنفيذ جزء كبير من الإصلاحات الهيكلية التي وضعها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي مقابل تمويل ميزانية الدولة في صيغة قروض أثقلت كاهل الشعب وأتت على مؤسساتنا العمومية عبر سياسة تقشف صارمة جمدت الأجور والانتدابات في الوظيفة العمومية ورفعت الدعم عن المحروقات ورفعت الضرائب والأداءات إلى جانب سياسة نقدية متشددة ضربت كل محركات النمو التي أخذت منحى سلبيًا سيتعمق مع أزمة كورونا.

لكن حكومة الشاهد لم تستكمل برنامج الإصلاحات لتأخذ حكومة الفخفاخ المشعل ولكنها اصطدمت برفض قوي من قبل قوى وطنية لا دليل لديها سوى مؤشرات تتعلق بطريقة اختيار الفخفاخ من بين الأسماء المقترحة من قبل الأحزاب لتشكيل الحكومة، ووجود عناصر في حكومته معروفة بولائها إلى الاتحاد الأوروبي، وعقمها الفكري لاستنباط الحلول خارج دائرة صندوق النقد الدولي ووصفاته الملغمة.

جنات بن عبد الله: ندعو الى إعادة قراءة مشروع مجلة المياه في ظل حقيقة وأبعاد جدوى عقود الامتياز والتجارب الخطيرة التي مرت بها عديد البلدان 

لذلك فاننا نخاف من أن يكون منح الفخفاخ هذا التفويض قد فتح المجال أمام هذه الحكومة لاستكمال تنفيذ ما تبقى من برنامج الإصلاحات الهيكلية والمتمثلة أساسًا في التفويت في المؤسسات العمومية عبر عقود الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص، وعبر عقود الامتياز وهي صيغ استنبطها البنك الدولي للالتفاف على آلية الخصخصة في محاولة لاستبلاه الشعوب والتلاعب بسيادتها الوطنية.

إننا ندعو اليوم هذه القوى الوطنية إلى مراجعة جدوى عقود الشراكة وعقود الامتياز في ضوء تجارب مرت بها عديد البلدان وتكتمت عليها حكومة الشاهد في إطار سياسة التضليل والتعتيم التي اتبعتها وأفرغت وثائق شرح الأسباب من مضمونها، ومن بينها استدراج النواب للمصادقة على قوانين مثل قانون النظام الأساسي للبنك المركزي والقانون الأفقي للاستثمار وقانون السلامة الصحية للمواد الغذائية وأغذية الحيوانات.

كما ندعو الى إعادة قراءة مشروع مجلة المياه في ظل حقيقة وأبعاد جدوى عقود الامتياز والتجارب الخطيرة التي مرت بها عديد البلدان التي انخرطت تحت ضغط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في تحرير الخدمات المائية، وإعادة قراءة اتفاقية منطقة التبادل الحر القارية الافريقية من زاوية حقيقة السيادة النقدية لأربعة عشر بلد إفريقي ينتمي الى منطقة الفرنك الإفريقي.

 كما ندعو الى مراجعة الترسانة القانونية لمشروع اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق مع الاتحاد الأوروبي بما في ذلك المحور المتعلق بحقوق الملكية الفكرية المرتبط بصناعة الأدوية، وإعادة النظر في اتفاقية السماوات المفتوحة مع الاتحاد الأوروبي من زاوية مخاطرها على حياة الناقلة الوطنية وترك التحاليل المغلوطة التي تدعي أن فتح المجال للمنافسة سيعزز من قدرات الخطوط التونسية.

  • فيروس الكورونا العابر للقارات طرح مجددًا مسالة حقوق الملكية الفكرية وبراءة الاختراع خصوصًا في قطاع  تجارة الأدوية، أي خطورة للمسألة؟

هذا صحيح، مسألة حقوق الملكية الفكرية تناولتها الدول الصناعية منذ بداية القرن التاسع عشر وتم ابرام أول اتفاقية دولية في سنة 1883 وهي اتفاقية باريس لحماية الملكية الصناعية من خلال حماية براءات الاختراع.

لكن مجال حماية حقوق الملكية الفكرية اتخذ منحى خطيرًا بعد إقرار اتفاقية حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة للمنظمة العالمية للتجارة في سنة 1994 والتي استندت إلى اتفاقية باريس واتفاقيات ومعاهدات دولية أخرى في مجال الملكية الفكرية لتبرز الخطورة في وضع قيود إضافية صارمة تحول دون نفاذ البلدان النامية الى التكنولوجيا والابتكارات والاختراعات في جميع المجالات بما في ذلك مجال الأدوية.

اقرأ/ي أيضًا: حوار| عبد المجيد الزار: الدولة تضرب المنتج التونسي ونرفض "الأليكا"

وهو ما يمثل تهديدًا لشعوب البلدان النامية والفقيرة بسبب رفع مستوى الحماية والتمديد فيها لـ20 سنة بالنسبة لحماية براءة الاختراع وبين 5 و20 سنة إضافية بعنوان حماية المعلومات السرية مما أغلق كل الأبواب أمام إمكانية توفير البلدان النامية لأدوية بأسعار مقبولة.

ففي تونس، أعلن وزير الصحة عبد اللطيف المكي يوم 26 مارس/آذار 2020 أن الحكومة رصدت 300 مليون دينار لتكوين مخزون استراتيجي من الأدوية لضمان استقرار سوقها وذلك على خلفية مواجهة تفشي فيروس كورونا. في المقابل، أعلن مخبر لصنع الأدوية في تونس رفض وزارة الصحة منحه ترخيصًا لتسويق دواء "الكلوروكين" مجانًا في السوق التونسية وذلك بعد إعلان وزير الصحة عن قرار عدد من الأقسام الطبية في تونس، استخدام هذا الدواء الخاص بعلاج الملاريا في علاج مرضى فيروس كورونا المستجد.

وفي الإطار نفسه، أعلن شكري حمودة المدير العام للرعاية الصحية الأساسية يوم 24 مارس/آذار 2020 أن مجموعة من العلماء والباحثين في تونس ضبطوا طريقة استخدام "الكلوروكين" مع إضافة أدوية أخرى له في إطار علاج مرضى وباء كوفيد-19 ملاحظًا أن اجراء أول التجارب السريرية في تونس ينطبق مع ما قامت به بلدان متقدمة في إطار مكافحة الوباء، مشيرًا الى أن الادارة العامة للرعاية الصحية الأساسية اقتنت الكميات اللازمة من دواء الكلوروكين بفضل الدعم الكامل الذي تم توفيره من قبل كل من الصيدلية المركزية والبنك المركزي.

جنات بن عبد الله: منع الاتحاد الأوروبي شركات الأدوية في تونس لفترة تناهز 20 سنة من استخدام البيانات التي توفرها الشركات التي تملك براءات اختراع الأدوية

تساؤلات عديدة يثيرها هذا التصريح بخصوص توفير البنك المركزي التونسي للعملة الصعبة لتوريد دواء "الكلوروكين" في حين أن المخابر التونسية قادرة على توفيره . وقد صاحب الصمت الذي تعاطت معه وزارة الصحة بخصوص توضيح موقفها من عدم منح ترخيص للمخبر التونسي لتسويق دواء "الكلوروكين" ليجعلنا نرجح أن السبب في ذلك هو اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق مع الاتحاد الأوروبي بما في ذلك حقوق الملكية الفكرية بعلاقة بالأدوية والذي تم التفاوض بشأنها مع الجانب الأوروبي بعيدًا عن تشريك الهياكل المهنية والنقابية ودون الإعلان عن نتائجه وتداعياته الخطيرة على قطاع صناعة الادوية في تونس.

فقد نشرت إحدى الجرائد الفرنسية بتاريخ 4 ماي/آيار 2019 اتفاقًا ممضى سنة 2017 بين الديوان الأوروبي لبراءات الاختراع والمعهد الوطني للمواصفات والملكية الصناعية التابع لوزارة الصناعة يقضي بالترفيع في مدة حماية الأدوية من 20 إلى 40 سنة وذلك حسب المقترح الأوروبي.

علمًا وأن هذا القطاع سيحكم عليه بالاندثار في صورة التوقيع على مشروع اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق "الأليكا" مع الاتحاد الأوروبي التي تخضع الى أحكام اتفاقيات المنظمة العالمية للتجارة بما في ذلك اتفاقية حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة والتي تفرض قيودًا إضافية على حماية حقوق الملكية الفكرية من خلال تطبيق المادة 39 التي وضعت نظامًا لحماية المعلومات السرية بالنسبة لقطاع صناعة الادوية والصناعات الكيميائية الزراعية دون غيرها من الصناعات والمجالات التكنولوجية، إلى جانب المادة 27 المتعلقة ببراءة الاختراع والمادة 33 المتعلقة بمدة الحماية بعشرين سنة.

ويعتبر نظام "حماية المعلومات السرية" الذي جاء باتفاقية "التربس" من أكثر أصناف حماية الملكية الفكرية خطورة على البلدان النامية على غرار تونس حيث منع الاتحاد الأوروبي في إطار المفاوضات حول قطاع صناعة الأدوية شركات الأدوية في تونس لفترة تناهز 20 سنة من استخدام البيانات التي توفرها الشركات التي تملك براءات اختراع الأدوية للحصول على تراخيص وهو ما يعني تدمير التجربة التونسية في مجال صناعة الأدوية وتهديد الصحة العامة باعتبار تداعيات ذلك على أسعار الأدوية والأمن الصحي الوطني.

  • دائمًا ما تنتقدين بشدة التوجه لصندوق النقد الدولي، ألا تقدرين أن تونس مجبرة وليست مخيّرة في ذلك؟

الدولة ليست شركة، مقومات الدولة هي السيادة الوطنية والسيادة النقدية والسيادة الثقافية وعلى من يحكم البلاد أن يختار إما ان يكون سيدًا أو عبدًا، فاعلًا أم مفعولًا به. وهل أنت كدولة تريد وتسعى من أجل أن تكون صاحب سيادة ومستقل أم ترغب في أن تظل مقاطعة لفرنسا وللاتحاد الأوروبي.

  • لنكن عمليين، كيف يمكن أن نتحرر من قيود الاتفاقيات الاقتصادية الدولية؟

نستطيع أن نفرض سيادتنا لأن كل القوانين والاتفاقيات تحوي ثغرات يمكن أن نستغلها وهو أمر يتوقف على الذين يسيرون دواليب الدولة وهل هم فعلًا متشبعون بالسيادة الوطنية وحريصون عليها أم لا. فالسيادة الوطنية لا تعني العلم والشعارات بل لا بد أن تتجسد في قوانين تحميها لا أن تصبح قوانيننا في خدمة الاتفاقيات الدولية بل وتحميها.

جنات بن عبد الله: نستطيع أن نفرض سيادتنا لأن كل القوانين والاتفاقيات تحوي ثغرات يمكن أن نستغلها 

نحن في حاجة إلى استغلال الاستثناءات الموجودة في الاتفاقيات لتدعيم القدرات الذاتية على الأقل، فالصين مثلًا انضمت لاتفاقية التجارة العالمية إلا أنها صنعت المواد المقلدة وقامت ببناء صناعتها التكنولوجية رغم أن ذلك ممنوع ويُعاقب عليه.

لكن بالنسبة لنا، نحن أحرص على الشركات الدولية من نفسها، وفرطنا في مؤسساتنا الوطنية وفرطنا في المستثمر التونسي لفائدة المستثمر الأجنبي الذي قمنا ببيعه يدًا عاملة بأجر زهيد فهل هناك أكثر من بيع أولادك. أين السيادة الوطنية؟ نحن وضعنا قوانين تدعم الخارج وتبيع الداخل.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مبارك بن ناصر:القمح والزيتون تحيط بهما الأخطار وتهريب الجينات كارثي (حوار1/2)

مبارك بن ناصر: "الشملالي" و"الشتوي" أفضل مشاتل الزيتون في الكون (حوار 2/2)