حوار| المكي: التوافق ممكن مع التيار و

حوار| المكي: التوافق ممكن مع التيار و"الشعب" والغنوشي قدم تنازلات غير مبررة

أحد أبرز قيادات التيار الإصلاحي داخل حركة النهضة

 

خاضت حركة النهضة منذ عقود تجربة طويلة متنوّعة متنامية متقلّبة، هذه النعوت تُبيح للدارس الحديث عن الحركة في صيغة الجمع، فالنهضة "نهضات". فمن باب التعسّف والانطباعيّة حصرها في خانة الإسلام السياسيّ والفكر الإخوانيّ، ومن باب الكسل التفكيكيّ والتحليليّ تقسيم قياداتها إلى حمائم وصقور، فالموضوعيّة والنزعة العلميّة تقصّيًا واستقراءً واستدلالًا من شأنها أن تكشف لنا أنّ هذا الحزب قد تحوّل إلى ظاهرة شديدة التعقيد والتداخل رغم ما توحي به مرجعيّاته الدينيّة وضوابطه التنظيميّة من وحدة وثبات وتناغم وانسجام.

يمثّل عبد اللطيف المكي "شقًّا سياسيًا" داخل حركة النهضة ما انفكّ يعلن عن اختلافه وتميّزه وتمرّده أحيانًا في المواقف والمقاربات والقرارات 

وتبدو أحيانًا المسافة الفكريّة والسلوكيّة بين مناضِلَيْن من النهضة أبعد من المسافة بين أحدهما وواحد من قيادات الأحزاب الأخرى اليساريّة والوسطيّة واللبراليّة، ففي مجلس الشورى يمكن أن تجد الثوريّ والمُهادن والتّقدّمي والأصوليّ والمسكون بالمبادئ والثوابت والمشدود إلى المصلحة والنجاعة. زيتأكّد لك هذا التباين بيسر إذا عقدت مقارنات بين اللوز والوريميّ والبحيري والجلاصي والغنوشي والمكّي الذي أصبح على سبيل المثال يمثّل "شقًّا سياسيًا" داخل الحركة ما انفكّ يعلن عن اختلافه وتميّزه وتمرّده أحيانًا في المواقف والمقاربات والمناهج والقرارات والتعيينات سواء تعلّق الأمر بتسيير الحركة من الداخل أو بعلاقتها ببقيّة الأحزاب أو الشأن الوطنيّ عامّة.

وهذه المسألة مثلت أحد العناصر المهمّة في حوار "ألترا تونس" مع القيادي في حركة النهضة عبد اللطيف المكي الذي خاض تجارب نضاليّة كلّفته السجن والتضييق لكنّها أكسبته ثقة أنصار النهضة، وهو الذي واكب مسار الانتقال الديمقراطي وزيرًا للصحة في أول حكومة بعد انتخابات المجلس التأسيسي ثم نائبًا في أول مجلس نيابي بعد إقرار الدستور:

اقرأ/ي أيضًا: البحيري: التيار و"الشعب" يرفضان تحمّل المسؤولية والتمديد للغنوشي جائز (حوار)


  • لنبدأ من آخر الوقائع السياسيّة، كيف تقيّم الخصومة بين جميلة الكسيكسي وعبير موسي؟

الخصومة لم تكن بين هذين النائبين إنّما هي خصومة بين تيّارين مختلفين متباينين، هذا لا ينفي المسؤوليّة الفرديّة لجميلة الكسيكسي، كان ينبغي عليها تجنّب ما من شأنه أن يمثّل مطيّة يمكن أن يستغلّها الخصم للتعطيل والعربدة والترذيل.

  • ما صدر عن عبير موسي ونوّاب كتلتها هل كان متوقّعًا؟

بالفعل، فهذه الأطراف لا تمثّل حالة سياسيّة، إنّما هي مجموعات كانت مستفيدة من النظام السابق، ماذا تتوقّع من فئة حرمتها الثورة مصدرًا من مصادر الارتزاق؟

  • ألمحت إلى أنّ نيّة تعطيل المجلس وترذيله كانت مُبيّتة، هل تُوافق الرأي القائل بوجود مؤامرة خارجيّة ضدّ المسار البرلماني والديمقراطيّ في تونس؟

لا أستبعد هذه القراءة، وقد كان لنا في الانتخابات السابقة آية على التدخّل الأجنبيّ، ولولا يقظة التونسيين لآلت الأمور إلى عودة منظومة الفساد والاستبداد، أمّا القرائن التي تؤكّد ذلك فهي عديدة ومتواترة، وقد اتّضحت بشكل مفضوح معلن موثّق خاصّة في الرئاسيّات، ألم تُظهر بعض الجهات الخارجيّة دعمها لمرشّح على حساب آخر؟

عبد اللطيف المكي: مجموعة عبير موسي  لا تمثّل حالة سياسيّة إنّما هي مجموعة كانت مستفيدة من النظام السابق، ماذا تتوقّع من فئة حرمتها الثورة مصدرًا من مصادر الارتزاق؟

  • مادمت متأكّدًا من معاداة التجمّعيين للثورة واستقواء بعضهم بالخارج، كيف تفسّر تقارب النهضة معهم في العديد من المحطّات؟

لا بدّ من الإقرار بأنّ طيفا كبيرًا من هؤلاء قد تأقلم مع مهجة الثورة وأدبيّاتها، فمنهم من انسحب، ومنهم من أقدم على المراجعة والنقد الذاتي، وفيهم عناصر أعادت التشكّل في أحزاب تعترف بالمسارات التي اختارها التونسيون بعد سنة 2011.

  • كيف السبيل إلى الحدّ ممّا اعتبرته عربدة في البرلمان؟

الحلول ينبغي أن تكون أخلاقيّة وتشريعيّة، فكتلة عبير ومثيلاتها ينبغي أن تقتنع بأنّ ذاك المسلك لا جدوى منه، وبناء على ذلك فإنّ التحلّي باللياقة في الحوار اختيارٌ لا فكاك منه، هذا الميثاق الواعي التّلقائيّ ينبغي أن تدعمه قوانين، فتطوير النظام الداخليّ ينبغي أن يفضي إلى التعامل السريع والفعّال مع كلّ أشكال التعطيل والإرباك، وفي هذا السياق أُثمّن عزم رئاسة البرلمان على هذا الإجراء.

  • السجالات ليست جديدة في البرلمان، وقد سبق لنواب النهضة أن دخلوا في خلافات حادّة خاصّة مع ممثّلي الجبهة الشعبيّة؟

الجبهة الشعبيّة تختلف اختلافًا بيِّنًا عن الحزب الدستوريّ الحرّ، فاليسار التونسيّ عامّة له تاريخ نضاليّ عريق ويحمل رؤية سياسيّة، ويعرض تصوّرات، فهو في كلّ الأحوال أرقى وأجلب للاحترام رغم جنوحه أحيانًا إلى الحدّة والصدام في علاقته بحركة النهضة. 

أحمد الزوابي يحاور القيادي في حركة النهضة عبد اللطيف المكي

 

  • تحوّلت النهضة من مواجهة العلمانيين بعد الثورة إلى منافسة الندائيين ثم إلى مخاصمة الجبهويين وأخيرًا للتصدي للحزب الدستوريّ، ألا ترى أنّها مستفيدة من هذا الاستقطاب؟

النهضة أقلّ الأحزاب دعوة إلى الاستقطاب ودفعًا إليه، فقد كانت قبل الثورة سبّاقة إلى كلّ وجوه التقارب مع الطّيف السياسيّ الواسع والمتباين على قاعدة دعم الحريّات والتصدّي للدكتاتوريّة، مثال ذلك مشاركة اليساريين والقوميين والحقوقيين ضمن قوى 18 أكتوبر سنة 2005، هذه التجربة الفريدة تعطّلت منافذ  تطويرها في عهد بن علي، وها قد أتاحت لنا الثورة فرصة البناء عليها، لكنّ بعض التيارات والشخصيات السياسيّة راهنت للأسف على المناكفات الإيديولوجيّة.

عبد اللطيف المكي: أدعو حركة النهضة وائتلاف الكرامة وخاصّة رئيس الحكومة المكلّف إلى بذل كلّ الجهور في سبيل ضمان مشاركة التيار الديمقراطي وحركة الشعب في التشكيلة الحكوميّة المرتقبة

اقرأ/ي أيضًا: عبد اللطيف العلوي: النهضة والتيّار من حلفائنا وأعداء الثورة هم أعداؤنا (حوار)

  • هذه المناكفات بين التيارات المصنّفة ضمن الطيف الثوريّ مازالت قائمة، انظر ما يحدث بين النهضة وائتلاف الكرامة من جهة والتيار وحركة الشعب من جهة أخرى.

مازالت الفرص قائمة لتخطّي هذه الخلافات، الشعب التونسي ينتظر من هذه الأحزاب إيجاد الحلول المناسبة للتقارب خدمة للخطّ الثوريّ.

  • تواصُل هذا الخلاف قد يدفع الحبيب الجملي إلى المراهنة على حكومة كفاءات، هل يبرّر ذلك اللجوء إلى وزراء تكنوقراط؟

أوّلا أنا ضدّ هذا التوجّه لأنّه يتعارض مع المسارات الانتخابيّة والسياسيّة، ففي غياب السند الشعبيّ القويّ المتين يعجز المستقلون والتكنوقراط على فتح الملفات الكبرى وعرضها وتبريرها وتسويقها لدى الرأي العام.

  •   لكن تكوين حكومة ذات تمثيليّة سياسيّة وثوريّة يعتبر أمرًا مستبعدًا في صورة إعراض التيار وحركة الشعب عن المشاركة، أليس كذلك؟

أوافقك الرأي، لذلك أدعو حركة النهضة وائتلاف الكرامة وخاصّة رئيس الحكومة المكلّف إلى بذل كلّ الجهور في سبيل ضمان مشاركة هذين الحزبين في التشكيلة الحكوميّة المرتقبة، فمعهما يمكن تحقيق إنجازات على أرضيّة ثوريّة.

عبد اللطيف المكي: أفضل تولّي وزارة الصحة أو الثقافة لو تم تعييني في الحكومة

 من جهة أخرى، أحثّ التيار وحركة الشعب والبقيّة على التواضع السياسيّ وعرض المقترحات ومناقشتها في إطار من المعقوليّة، وأقول للجميع إنّ المناكفات التي حصلت يمكن تجاوزها والتوافق مازال في متناول أيدينا والتقارب حاصل لا محالة وإن تأخر.

  • في صورة التعويل على حكومة كفاءات سياسيّة، هل أنت معنيّ بإحدى الوزارات.

أرحبّ بذلك، وأعتز بثقة الكثيرين الذي أبدوا حرصًا على تضمين اسمي في قائمة الوزراء المرشّحين.

  • لو حصل التعيين أيّ الوزارات أقرب إلى رغبتك؟

الصحّة أو الثقافة.

  • ألا ترى تباعدًا بين هاتين الحقيبتين؟

بل أراهما يرْشحان من نبع واحد، فالثقافة بالنسبة إليّ هي المجال الأمثل لبلوغ التوازن النفسي والذهنيّ والجسديّ والسلوكيّ، فهي كما أراها أفضل علاج، وأقوم المسالك إلى ديمومة الصحّة.

  • أراك أكثر تمسّكًا بالخطّ الثوريّ من رئيس الحركة، بم تفسّر ذلك؟

قد يرجع الأمر إلى أسباب تكوينيّة، ففي النهضة قيادات تنزع نزعة دعويّة وفكريّة وإصلاحيّة، وفيها كذلك عناصر ساهمت في إعطاء الحركة بعدا ثوريًا وطابعًا اجتماعيًا ورؤية اقتصاديّة.

عبد اللطيف المكي: يهدف التيار الإصلاحي في حركة النهضة إلى تكريس الديمقراطية الداخلية وهو ما يقتضي تغييرات في آليّات اتخاذ القرار منها تعويض المكتب التنفيذي بمكتب سياسيّ

  • ألا ترى أنّ التباين في الرؤى قد دعّمه السباق على رئاسة النهضة؟

ليس صحيحًا، فرغم الخلافات قبل المؤتمر العاشر وأثناءه لم نُنازع الغنوشي في الرئاسة، كان رهاننا دائمًا التمسّك بتطبيق القانون وإصلاح منظومة القرار حتى لا تظّل رهينة العبقريّة الفرديّة، نحن نرغب في التعويل على الذكاء الجماعي وعلى جعل القرارات صادرة عن المؤسسة.

  • هذه المواقف تندرج ضمن توجّه في النهضة يسميه المتابعون التيار الإصلاحي، هل ترى المصطلح دقيقًا وما تعريفك له؟

التسمية في محلّها، أمّا أهداف التيار الإصلاحي فهي التطلّع إلى تكريس الديمقراطية داخل الحركة وضمان شروط الحوكمة الرشيدة، وهو ما يتقضي تغييرات في آليّات اتخاذ القرار، منها تعويض المكتب التنفيذي بمكتب سياسيّ تكون اختياراته جماعيّة ومدروسة، فيتمّ القطع مع النزعة الفرديّة في كلّ المبادرات.

  • هل أفضت بعض القرارات الفرديّة إلى اختيارات غير موفقة؟

لا أقول إنها غير موفقة وإنما أؤكّد أنها تحتاج إلى المراجعة، فالقياديّ الذي يتمّ اختياره ينبغي أن يتحلّى بالقدرة على الصمود والاستقرار وضبط النفس وتغليب المصلحة الجماعيّة، حتّى لا تعبث الاستقالات بهيبة الحركة.

  • هل ينطبق ما تقوله على استقالة زياد العذاري؟

لا أقصد العذاري بعينه، وقد سبق أن عبّرت عن رأيي في هذه المسألة، لكن يعنيني في هذا المقام البعد المبدئيّ والتأسيسي حتّى لا تتكرّر هذه القرارات المربكة.  

عبد اللطيف المكي: رئاسة الغنوشي للبرلمان يمكن أن تمثّل عمليًا عنصرًا إضافيًا ينفي نهائيًا فكرة التمديد له في رئاسة حركة النهضة

  • في الشأن الوطنيّ اتخذ الغنوشي قرارات بدت للبعض حكيمة في حين عدّها الكثيرون متعارضة مع أهداف الثورة، ما رأيك؟

لا شكّ في خبرة الغنوشي وحكمته، لكن بعض القرارات والتنازلات لم تكن مبرّرة، ومدروسة، فقد تمّ التضخيم في تصوير المخاطر التي تحدق بالمسار الديمقراطي، فمثّل ذلك مطيّة للتفريط في بعض أرصدة الثورة.

  • صعد الغنوشي إلى رئاسة البرلمان، هل يحدّ ذلك من الخلاف حول رئاسة النهضة

قلت لك، إن رئاسة النهضة لم تكن موضوع صراع، أمّا رئاسة الغنوشي للبرلمان فيمكن أن تمثّل عمليًا عنصرًا إضافيًا ينفي نهائيًا فكرة التمديد له في رئاسة الحركة وذلك لتضافر عدّة شروط موضوعيّة وأسباب قانونيّة تمنع هذا الإجراء.

 

اقرأ/ي أيضًأ:

زهير المغزاوي: النهضة لم تقدم عرضًا جيدًا ولا اندماج مع التيار (حوار)

حوار| عبد الباسط بن حسن (المعهد العربي لحقوق الإنسان):هذا ما نطلب من قيس سعيّد