"14 غير درج - أوان تونس".. تاريخ الثورة لم يُكتب بعد رغم زخم المادة

معرض يتناول كرونولوجيا الثورة التونسية طيلة أيامها الـ 29

 

كان رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي، قبل 8 سنوات، في حالة تقاعد سياسي، وقد كتب مذكراته بكل هدوء كما يفعل عادة كبار المسؤولين بعد انتهاء مسيرتهم السياسية، وقد نشرها في زمن ابن علي عن دار الجنوب للنشر.

ولم يشر السبسي البتة في هذه المذكرات للضيم والإقصاء من الحياة السياسية الذي تعرض له قسرًا من قبل النظام النوفمبري بل ذيّل كتاب مذكراته بألبوم صور تعرض أساسًا لمسيرته السياسية ولقاءاته الدبلوماسية العديدة. وكأن الباجي أراد توجيه رسائل مشفرة للنظام الذي أقصاه رغم ولائه له في عشريته الأولى، إذ تفوح مشاعر الإقصاء السياسي من جنبات الكتاب بالرغم من عدم تصريحه بذلك.

نفضت الثورة التونسية الغبار عن قائد السبسي ليعود من التقاعد للمشهد السياسي ويصبح رئيسًا للجمهورية ويفتتح معرضًا حول الثورة في ذكراها الثامنة

إنها لفحات الدكتاتورية تجرعها السبسي وقتها في صمت، وحتى يوم تقديم كتاب مذكراته حينها بمعرض تونس الدولي للكتاب لم يكن الحضور مكثفًا، فقد كان السبسي من عداد المنسيين. لكن الديمقراطية التي جلبتها رياح الثورة التونسية في جانفي/كانون الثاني 2011، أعادته لدوائر الحكم بطريقة سوريالية بل وأدّت به إلى قصر قرطاج سنة 2014.

كم يبدو المشهد مرتّبًا بطريقة قدريّة، فكأنها يد الإله تدخّلت لتطعم الرئيس من شهد الحرية والديمقراطية وهو الذي عاش أزمنة الاستبداد، وذلك هو الدرس المستخلص من حكاية هذا الشيخ الرئيس.

لسنا نعلم مشاعر رئيس الجمهورية، المتمتع بالحرية والديمقراطية التي أهدته إيّاها الثورة، وهو يفتتح يوم 14 جانفي/كانون الثاني 2019 بمناسبة الذكرى الثامنة للثورة التونسية المعرض الوثائقي الأرشيفي: "أربعطاش غير درج، أوان تونس" بالمتحف الوطني بباردو.

غير أن المؤكد أنها مشاعر خاصة وغير معلنة لأن الرئيس المخضرم حايث كل الحقب التي يطرحها هذا العمل الوثائقي، ويعرف أكثر من حقيقة لم يدونها المعرض وقد يدونها الرئيس في الجزء الثاني من مذكراته، لو فكر في يوم ما إتمامها، أو ربما سترحل معه ذات يوم ويكتبها التاريخ من بعده.

افتتاح معرض "أربعطاش غير درج، أوان تونس" 

"أربعطاش غير درج"، المعرض الذي يستمر إلى غاية 31 مارس/آذار 2019، لم يكن معرضًا بالمعنى النمطي للكلمة، وإنما هو كرونولوجيا الثورة التونسية طيلة أيامها الـ 29 والتي انطلقت شرارتها من سيدي بوزيد يوم 17 ديسمبر/كانون الأول 2010 تحت وطأة شتاء قاس وثقيل سالت على عتباته دماء الشباب، لتتوّج بتجمهر شعبي بشارع الشوارع بالعاصمة، شارع بورقيبة، يوم 14 جانفي/كانون الثاني 2011 ما أدى إلى سقوط نظام الاستبداد.

اقرأ/ي أيضًا: الرضيعة يقين القرمازي أصغر شهداء الثورة: بأي ذنب قتلوها؟

المعرض الموجود ببهو المتحف الوطني بباردو هو مشروع تشاركي ومبادرة مواطنية قادها بالأساس، وفي سابقة رائدة، المجتمع المدني ومؤسسات عمومية وهي شبكة دستورنا، ومكتب المغرب العربي للشبكة الأورومتوسطية لدعم المدافعين عن حقوق الانسان، والأرشيف الوطني التونسي، ودار الكتب الوطنية، والمركز الوطني للتوثيق، والمعهد الوطني للتراث، والمعهد الأعلى للتوثيق، والمعهد الأعلى لتاريخ تونس المعاصر والمعهد العربي لحقوق الإنسان.

ويمثل هذا المعرض في نفس الآن خلاصة عمل طلائعي تمثل أساسًا في جمع وأرشفة وثائق شخصية لأفراد كانوا فاعلين أو شهودًا خلال أيام الثورة، هي "أرشيفات الثورة"، كما سماها منظمو المعرض، أعدها مختصون وخبراء من مؤسسة الأرشيف الوطني ودار الكتب الوطنية.

وحسب ترتيب كرونولوجي، عُرضت أهم أحداث الأيام الـ29 للثورة من صور من سيدي بوزيد والقصرين وضواحي العاصمة تونس، إضافة لتصريحات المعارضين والمواطنين والفنانين عدا عن المقاطع المصورة لتلك اللحظات متوهجة، لحظات استنبات الحرية.

صورة للشهيد شكري بلعيد ضمن معرض "أربعطاش غير درج، أوان تونس" (رمزي العياري/الترا تونس)

وأنت تتجول بالمعرض تتناهى إلى مسامعك من خلال معروضات المقاطع المصورة بهواتف المواطنين غمغمات المسحوقين وعنفوان الشباب التونسي الحالم بتغيير الوضع بأكمله، إنه الهدير العاتي للثورة التونسية، إنها لحظات حاسمة في تاريخ تونس.

كما أبرز المعرض دور الإعلام المواطني في الثورة وانتصاره على الإعلام الكلاسيكي التقليدي بثقله اللوجستي والمادي والبشري، وخاصة توظيفه لشبكات التواصل الاجتماعي وعدم قدرة النظام على السيطرة على هذه المسألة.

ويتضمن المعرض، في هذا الجانب، أولى التدوينات على "فيسبوك" وأولى التغريدات على "تويتر" التي تابعت الحراك الثوري، إضافة للكتابات الشرسة للمدونين.

من التدوينات على مواقع التواصل الاجتماعي إباك الحراك الثوري (رمزي العياري/الترا تونس)

المعرض أعلى أيضًا من صورة الشهيد محمد البوعزيزي، الذي أطلق بإحراقه لنفسه أمام مقر ولاية سيدي بوزيد الشرارة الأولى للثورة، وتمييزها وهو نوع من التكريم والاعتراف.

غير أن معرض "أربعطاش غير درج، أوان تونس" كان انتقائيًا إلى أبعد الحدود حيث لم يتعرض لشهداء الثورة بالشكل المطلوب، كما لم يقدم صورًا ومقاطع مصورة من الجهات وتحديدًا من المدن الداخلية، ولم يرو الملحمة بكل تفاصيلها وزخمها الانساني مكتفيًا بالتسلسل الزمني السطحي. فقد غابت تعليقات خالدة على "فيسبوك" لم نجد لها أثرًا بالمعرض، كما غابت تمامًا صور مليئة بالرمزية ومعاني الثورة.

لم يتناول المعرض شهداء الثورة بالشكل المطلوب (رمزي العياري/الترا تونس)

غمط المعرض أيضًا حق بعض المؤسسات والمنظمات بالرغم من دورها المحوري في أيام الثورة على غرار الجيش الوطني، والاتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وحتى إن حضرت فحضورها لم يكن متوهجًا كما كان خلال أيام الثورة.

كما أن مكان المعرض لا يليق برمزية الحدث فهو في قاعة سفلية ببهو المتحف الوطني بباردو، ولقد كان حريًا بالجهة المنظمة أن تمنح المعرض مكانًا بارزًا بشارع الثورة، شارع الحبيب بورقيبة، لأن للمكان دلالاته. والمتحف يعني في جملة ما يعنى متحفة الحدث في حين أنه مازال ينبض بالحياة ومازالت عديد الأسئلة حوله لم تُطرح بعد.

يبدو أن تاريخ الثورة التونسية لم يكتب بعد بل نحن مازلنا بصدد حماية المادة التاريخية من التلف والتزييف

تتطلب كتابة التاريخ أو صيانة الحدث التاريخي درجة عالية من الحيادية والموضوعية والعلمية والمعرفة الدقيقة، ويبدو أن تاريخ الثورة التونسية لم يكتب بعد بل نحن مازلنا بصدد حماية المادة التاريخية من التلف والتزييف، وعليه مازال أمامنا الكثير من الجهد والأمانة والمسؤولية للوقوف أمام الحقيقة عراة لأن التاريخ لا يرحم، كما يُقال.

يبقى، في الأثناء، دور المجتمع المدني في تونس محوريًا في إسناد عملية كتابة وصيانة التاريخ، وهو مثال الحال في معرض "14 غير درج، أوان تونس".

 

اقرأ/ي أيضًا:

عن تاكفاريناس.. جدّ الثورة التونسية المنسيّ

فيلم "تالة مون أمور".. جرح الثورة المفتوح