المهدي المبروك: قيس سعيّد متصوّف ثوريّ قد يرقى إلى الشخصية الجامعة (حوار)

المهدي المبروك: قيس سعيّد متصوّف ثوريّ قد يرقى إلى الشخصية الجامعة (حوار)

وزير الثقافة السابق ومدير فرع تونس للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

 

يرقى خبر تصدّر الأستاذ الجامعي قيس سعيّد لنتائج الدور الأول للانتخابات الرئاسيّة السابقة لأوانها بنسبة 18.4 بالمائة وقد صوّت لفائدته حوالي 621 ألف ناخبًا، إلى منزلة الحدث التاريخيّ الاستثنائيّ الخارق، بل بدا بالنسبة إلى الكثير من المتابعين مزلزلًا يكاد يوصف بالغرابة والسرياليّة، كيف لا، وقد كسر هذا الفوز جلّ الأنساق، وهتك سرّ العديد من أنماط التفكير والتحليل والتصنيف والتوصيف، إنّه تحوّل يوحي بتطهير سياسيّ وحزبيّ بسلاح انتخابيّ يضاهي عمليّات التطهير العرقيّ في المجال الحربيّ.

المهدي المبروك هو وزير الثقافة الأسبق (2012-2014) ومدير فرع تونس للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات وهو الحاصل منذ سنة 1996 على شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع 

لكن حتّى لا تحملنا عجائبيّة الحدث إلى تقييمات متسرّعة متهافتة وحتّى نلجم أفواهنا وأقلامنا عن السقوط في النعرات الانفعاليّة والمواقف الانطباعيّة لا بدّ من "عقلنة المشهد"، وهو ما يقتضى بالضرورة الاستئناس بمصادر ومراجع وشخصيات أكاديميّة تنزع في قراءاتها نزعة علميّة موضوعيّة.

وهو ما حثّنا على ملاقاة المهدي المبروك وزير الثقافة الأسبق (2012-2014) ومدير فرع تونس للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وهو الحاصل منذ سنة 1996 على شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع ومن أهمّ مؤلّفاته "هل نحن أمّة"، "أزمة النخبة التونسية" و"أشرعة وملح (ثقافة الهجرة السرية: الشبكات والتنظيم)"، وهي كتابات تتيح له فهم دور النخبة السياسيّة ومنزلة الشباب في تحوّل قيس سعيّد إلى بؤرة الاهتمام السياسيّ والشعبيّ. ويتأكّد هذا في الحوار التالي:

اقرأ/ي أيضًا: عدنان منصر: لهذا انسحبت من الحراك ويجب التفكير من الآن في انتخابات 2024 (حوار)


  • ما الذي جعل في البداية المهدي المبروك صاحب التجربة السياسيّة والحزبيّة الطويلة يعزف عن العمل الحزبيّ؟

انخرطت في النشاط السياسيّ منذ المرحلة التلمذيّة، وبلغتْ هذه المحطّة درجة من النضج في سنوات لاحقة، فكانت لي تجربة حزبيّة طويلة خلال العهد النوفمبري في مراكز قياديّة بالحزب الديمقراطي التقدمي، ورغم الهرسلة والتضييق كان الدافع إلى الصمود والنضال في تلك الفترة قويّا جّذابا.

المهدي المبروك: دفعني تعقّد المشهد السياسي وغموضه بعد الثورة إلى محاولة فهمه فهما دقيقًا موضوعيًا معمّقًا، هذا ما جعلني أفضّل البحث العلميّ على العمل الحزبي

 في المقابل، دفعني تعقّد المشهد السياسي وغموضه بعد الثورة إلى محاولة فهمه فهما دقيقًا موضوعيًا معمّقًا، هذا ما جعلني أفضّل البحث العلميّ على العمل الحزبي، فقد تكون إضافتي من هذا المنبر أوكد.

  • من أطروحاتك الاجتماعيّة اعتبارك الاستبداد سببًا من أسباب الهجرة السريّة، ما الذي يفسّر تواصل هذه الظاهرة رغم مناخ الحريّة والديمقراطيّة الذي عمّ تونس منذ ثورة 2011؟

ساهمت الثورة في التصدّي للاستبداد، غير أنّ مناخ الحريّة رغم فضائله السياسيّة ومزاياه الثقافيّة أفضى إلى "دمقرطة الفساد" إذ باتت الانتخابات مطيّة يمكن من خلالها للعديد من الفاسدين التسلّل إلى مراكز قياديّة في السلطة، هذا ما تسبّب في ترذيل العمل الحزبيّ، فطغت صورة السياسيّ الانتهازي، وسرت على الألسن أمثال وعبارات من قبيل " البلاد سرقوها الصحاح" فانتهى الأمر إلى الإحباط وغياب الثقة، وظلّت السياسة سواء في عهد الاستبداد أو في زمن الفساد سببًا طاردًا لأبناء الوطن يدفعهم دفعًا نحو الهجرة المقنّنة العلنيّة أو السريّة هربًا من التفقير والتهميش والفساد.

المهدي المبروك: الفقر لا يمكن أن يتحوّل آليّا إلى خزّان انتخابيّ دليل ذلك أن حمّة الهمّامي المناضل اليساري لم يستفد من هذه الدعاية رغم استنجاده بعبارات مشدودة إلى الفئات الشعبيّة

يؤكّد علم النفس وعلم النفس الاجتماعيّ وجلّ المداخل العمليّة على أنّ الفقر كان وما يزال معطى موضوعيّا في الحملات الدعائيّة، ويمكن اعتباره عاملًا محدّدا للسلوك الانتخابيّ. وهو عنصر يندرج ضمن التبشير بالعدالة الاجتماعيّة، فلا شكّ أنّه مسلك إنسانيّ وجيه في رأيي، غير أنّ المشكل يكمن في الخطاب والأدوات.

فقد مورس العمل الخيري في غير أغراضه الإنسانيّة النبيلة، ووقع توظيف الخصاصة والحاجة في الدعاية الرخيصة الفجّة، وتمّ الاعتماد على أسلوب شعبويّ خال من الصدق بل مقرف مقزّز، فساهم ذلك في التلاعب بمشاعر الفقراء، وهو وجه من وجوه " الفساد الانتخابيّ".

لكن في كلّ الأحوال لا بدّ من التنبيه إلى أنّ الفقر لا يمكن أن يتحوّل آليّا إلى خزّان انتخابيّ دليل ذلك أن حمّة الهمّامي المناضل اليساري لم يستفد من هذه الدعاية رغم استنجاده بعبارات مشدودة إلى الفئات الشعبيّة من قبيل "الزوالي" و"القِّليل" و"خالتي مباركة".

مراسل "ألترا تونس" مع رئيس فرع تونس للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات المهدي المبروك

  • أشرت إلى دمقرطة الانحراف السياسيّ والتلاعب بالفقراء والتأثير في أصواتهم، في المقابل نال قيس سعيد المرتبة الأولى رغم زهده في حملته الانتخابيّة، ألا ترى في ذلك مؤشّرًا على ثورة ضدّ الفساد؟

هذا التوصيف فيه مبالغة، لا أرى في قيس سعيّد أنموذج السياسيّ الثائر، إذ لم نعرف له ما يؤكّد تمسّكه المعلن الصريح بمطالب الثّوار، فقد كان صوته غائبًا في قضايا أساسيّة منها موضوع العدالة الانتقاليّة واحتجاجات" مانيش مسامح" وحملة "وينو البترول".

 يبدو أنّ الناخب قد اختار صورة قيس سعيّد ولم يبن موقفه على خطاب هذا الرجل وآرائه، فقد بدا سعيّد في صورة الزاهد المتعفّف أو "المتصوّف الثّوريّ" فهو يساريّ/ تروتسكي إسلاميّ، بل قل إنّه خليط غير منسجم.

اقرأ/ي أيضًا: مصطفى بن جعفر: نحن في مرحلة البناء الفوضوي وهذا مرشحي للرئاسيات (حوار)

  • ما الذي يجعل هذا الأستاذ المتقاعد صاحب الملمح الصارم يحظى بتلك المساندة القويّة العفويّة من فئة الشباب؟

لقد تعاقد قيس سعيد مع هذه الفئة عقد روحيًا خاصًا استثنائيًا انبنى على قاعدة" الأحلام الطوباويّة" والانفلات من قيد السائد والمألوف، هذا ما يفسّر المساندة الشبابيّة التي توحي في ظاهرها بمفارقة، ولكنّها تنطوي على لون مخصوص من الانسجام.

المهدي المبروك: بدا سعيّد في صورة الزاهد المتعفّف أو "المتصوّف الثّوريّ" فهو يساريّ/ تروتسكي إسلاميّ بل قل إنّه خليط غير منسجم

  • وصفتْ بشرى بالحاج حميدة في تصريح على قناة "فرانس 24" قيس سعيد بكونه محافظا وسلفيّا، ما تعليقك على هذا التوصيف؟

هي محقّة في وصفه بكونه محافظًا، وهذه السمة ليست تهمة أو نقيصة، ويمكن تبيّنها من خلال سلوكه الاجتماعيّ. في المقابل، أعتقد جازمًا أنّ تصنيف قيس سعيّد سلفيًّا يعدّ حكمًا مجحفًا متعسّفًا بل إنّ هذا الرجل أقرب إلى الماركسية الإنسانية أو اليسار الإسلاميّ من أيّ تيّار آخر.

  • بم تفسّر إذن هذا التوصيف الصادر عن ناشطة سياسيّة لا تعوزها القدرة على الفهم والتصنيف؟

أرى أن تصريح بشرى بالحاج حميدة أقرب إلى "الثأر السياسيّ"، فهي تمثّل فئة لطالما احتكرت خطاب الحداثة.

المهدي المبروك: قيس سعيّد أقرب إلى الماركسية الإنسانية أو اليسار الإسلاميّ من أيّ تيّار آخر

  • بدا التصويت في الانتخابات الرئاسيّة 2019 عقابيًا لمنظومة 2014 حكما ومعارضة، هل ترى هذا التقييم وجيهًا؟

التصويت العقابيّ حصل سنة 2014، أمّا ما نراه الآن 2019 فهو بمثابة القطيعة والتأثيم والوأد لنخبة سياسيّة حكومة ومعارضة ومنظمات، حتّى لو بادر الاتحاد العام التونسي للشغل بمساندة صريحة لأحد المترشّحين لفشل، لأنّه جزء من السيستام في ظنّ المنتمين إلى هذه الموجة الجديدة. لذلك خيّرت المنظمة الشغيلة تجنّب المغامرة.

  • كيف تتوقّع نتائج الدور الثاني في ظلّ تزامنه مع الانتخابات التشريعيّة ومن تراه أقرب إلى مساندة قيس سعيد؟

ستخضع الانتخابات التشريعيّة والرئاسيّة إلى علاقة التأثر والتأثير، فقيس سعيّد لا حزب له لكن يقف وراءه أكثر من 620 ألف ناخب، حجمهم يعادل 80 مقعدًا في البرلمان، سيكون لهؤلاء دور في تخيّر حوالي ربع النواب في البرلمان المقبل.

من جهة أخرى، سيحظى قيس سعيد بمساندة واسعة من الإسلاميين لاسيما الجبالي ومخلوف والحامدي كما يمكن للمراهن الأول على الرئاسة الاستفادة من التيّار العروبيّ والعائلة الديمقراطيّة الاجتماعيّة، وقد يلتحق بهؤلاء أطراف أخرى (حتّى من باب محاولة الاستفادة من خزّانه الانتخابيّ)، وبناء على ذلك يمكن القول إنّ قيس سعيد رغم عدم انتمائه الحزبيّ قد يرقى إلى مرتبة الشخصيّة الوطنيّة القادرة على التجميع والتأليف.

 

اقرأ/ي أيضًا:

كمال الرياحي: الثورة الثقافية لامرئية وما حصل لـ"بيت الخيال" عمل داعشي (حوار)

كلثوم كنو: هذه أهداف مبادرة "مواطنون" ولا إرادة سياسية لإصلاح القضاء (حوار)