بين السياسي والاجتماعي.. أي دور اليوم للاتحاد العام التونسي للشغل في تونس؟

بين السياسي والاجتماعي.. أي دور اليوم للاتحاد العام التونسي للشغل في تونس؟

258 مشاهدة
جدل دائم حول الدور السياسي للمنظمة الشغيلة (أمين الأندلسي/وكالة الأناضول)

دعا الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نورالدين الطبوبي، قبل أشهر، رئيس الحكومة يوسف الشاهد بضخ دماء جديدة في الحكومة عبر"كفاءات قادرة على تجاوز المعوقات المحيطة بالبلاد سيما الاقتصادية منها" وهو إقرار علني بفشل الفريق الحكومي، وذلك في تصريح قوبل بتململ واضح من بعض الأطراف على غرار حركة النهضة. ولكن لم تمرّ إلا بضعة أسابيع وقتها حتى أعلن الطبوبي بتصريح أكثر وقعًا دعوته لرحيل الحكومة برمتها. وأثارت هذه الدعوة العديد من الانتقادات حتى أن أحد الفاعلين في المشهد السياسي تساءل: "لماذا لا يمارس اتحاد الشغل السياسة بطريقة رسمية ويكوّن حزبًا؟".

أثار الدور السياسي للاتحاد العام التونسي للشغل العديد من الانتقادات حتى أن أحد الفاعلين في المشهد السياسي تساءل: "لماذا لا يمارس اتحاد الشغل السياسة بطريقة رسمية ويكوّن حزبًا؟"

لا أحد في تونس ينكر الدور التاريخي للاتحاد العام التونسي للشغل في العمل النقابي من خلال الدفاع عن حقوق العمال، وفي العمل السياسي منذ زمن مقاومة الاستعمار، وذلك مرورًا بمحطات تاريخية عديدة وصولًا إلى الثورة حينما ساهمت قواعده الجهوية في تحركاتها، وأيضًا من خلال الدعوة إلى إضراب عام احتجاجًا على الممارسات القمعية للنظام السابق. ودفعت المرحلة الانتقالية بعد الثورة الاتحاد العام التونسي للشغل، وفي أكثر من مناسبة، للدخول في المعترك السياسي، وأهم هذه المناسبات هو الحوار الوطني.

لكن يواجه الاتحاد، من جهة أخرى، انتقادات كثيرة حول ما يسميه البعض تدخلًا في العمل السياسي. أي دور يلعبه الاتحاد في تونس اليوم؟ وهل يمكن اعتبار الاتحاد منظمة نقابية فقط أم أنه أكثر من ذلك بالنظر إلى تاريخه النضالي؟

اقرأ/ي أيضًا: اتحاد الشغل في تونس.. خلفيات النفوذ ورهان البقاء "فوق الجميع"

تجاوزت الانتقادات الموجهة ضد المنظمة الشغيلة، في بعض الأحيان، إطارها السلمي وبلغت تمظهراتها إلى حد الهجوم على مقراته الجهوية ومقره المركزي في ساحة محمد علي. وتتواصل اليوم هذه التحفظات خاصة بعد مطالبة الأمين العام نورالدين الطبوبي برحيل الحكومة.

يقول محمد علي البوغديري الأمين العام المساعد المكلف بالقطاع الخاص في تصريح لـ"الترا تونس" إن الدعوة إلى ضخ دماء جديدة في الحكومة كانت في إطار الإمضاء على وثيقة قرطاج باعتبار أن الاتحاد هو طرف في هذه المنظومة حسب تعبيره. لا يجد البوغديري حرجًا في القول إن الاتحاد في قلب المعركة السياسية ويضيف: "نحن نشتغل في السياسة لكن بمنظور آخر و بأبعاد أخرى تختلف عن الأحزاب".

محمد علي البوغديري (الأمين العام المساعد للاتحاد): "لا يمكننا تكوين حزب سياسي لأن الحزب يدافع عن أشخاص، نحن ندافع عن شيء أشمل وأكبر وهو مقدرات البلاد والمواطنين على اختلاف توجهاتهم

 وردًا عن دعوة الاتحاد لتكوين حزب سياسي، يجيب البوغديري في حديثه معنا قائلًا: "لا يمكننا تكوين حزب سياسي لأن الحزب يدافع عن أشخاص، نحن ندافع عن شيء أشمل وأكبر وهو مقدرات البلاد والمواطنين على اختلاف توجهاتهم".

 يرى قياديو الاتحاد أن المنظمة منذ تأسيسها في 20 يناير/ كانون الثاني 1946 كانت تنشط في صلب العمل النقابي والسياسي، بمساهمتها في المقاومة الوطنية خاصة مع نضالات أمينها العام الشهيد فرحات حشاد، وبتقديمها لبرنامج اقتصادي واجتماعي بعد الاستقلال، إضافة لدورها في عديد المحطات التاريخية مثل دورها في انتفاضة الحوض المنجمي وفي الثورة فضلًا عن مساهمتها في إنجاح الحوار الوطني سنة 2013. يعدد البوغديري هذه "الإنجازات التاريخية" للاتحاد ويضيف قائلًا: "بعد كل هذه المحطات وغيرها يأتي البعض ليقول إن الاتحاد تجاوز دوره الاجتماعي. هو منظمة عريقة ويستمد استمراريته وتواصله من هياكله ولعل حصوله على جائزة نوبل للسلام دليل على خياراته الصحيحة".

يدافع سياسيون عن حق اتحاد الشغل في إبداء رأيه في الشأن السياسي، يصرّح كريم الهلالي النائب بمجلس نواب الشعب لــ"الترا تونس" قائلًا: "هناك فرق بين إبداء الرأي والعمل السياسي. الاتحاد اليوم يلعب دورًا سياسيًا بصفة رسمية، ولكن هذا الدور مرتبط بالمرحلة الانتقالية التي تعيشها تونس وبالوضع السياسي الهش". لكن يدقق الهلالي بالقول: "أعتقد أنه بعد استقرار الأوضاع السياسية في البلاد وتقدم المسار الديمقراطي سيعود الاتحاد إلى دوره النقابي أساسًا".

كريم الهلالي (نائب): من حق اتحاد الشغل أن يبدي رأيه في قضايا مصيرية بالنظر إلى تاريخه النضالي وعراقته لكن أن يطالب بإقالة وزير أو تغيير حكومة فهذا عمل الأحزاب

لا يتفق النائب كريم الهلالي مع الأمين العام المساعد لاتحاد الشغل محمد علي بوغديري حول الدور السياسي للمنظمة الشغيلة. يعتبر الهلالي أن العمل السياسي المباشر هو وظيفة الأحزاب لكن "بالنظر إلى الوضع الاستثنائي التي تعيشه البلاد فطبيعي أن يتدخل الاتحاد في السياسة"، لكن لا يتفق الهلالي مع دعوة الاتحاد لتغيير الحكومة. يقول النائب في هذا الجانب: "من حق الاتحاد أن يبدي رأيه في قضايا مصيرية بالنظر إلى تاريخه النضالي وعراقته لكن أن يطالب بإقالة وزير أو تغيير حكومة فهذا عمل الأحزاب، فكل طرف يجب أن يقوم بدوره، الاتحاد يقوم بدور نقابي أما الأحزاب فلها دور سياسي".

مر الاتحاد العام التونسي للشغل بعديد التجارب والتوجهات والمدارس الاقتصادية خلقت في داخله نوعًا من الديناميكية والاستثنائية جعلت من الصعب دراسته أو تحليله وفق الآليات المعتمدة في التحليل السوسيولوجي للمنظمات. يقول الصحفي محمد صالح العبيدي لـ"الترا تونس" إن النظر إلى المشهد السياسي اليوم يمكن يبيّن أن جزءًا كبيرًا من السياسيين دخلوا إلى معترك السياسة بعد تجربة نقابية صلب اتحاد الشغل ولهذا يمكن اعتباره الورشة الأولى لتكوين الذات السياسية حسب تعبيره.

محمد صالح العبيدي (صحفي): "لم يكن خيار الاتحاد ممارسة العمل السياسي بل ذهب إليه مدفوعًا لأن الواقع يفرض عليه ممارسة دور أبعد من الدور النقابي

العبيدي المتابع للشأن السياسي يعتبر ممارسة الاتحاد للعمل السياسي هي ممارسة مشروعة مصرحًا: "لم يكن خيار الاتحاد ممارسة العمل السياسي بل ذهب إليه مدفوعًا لأن الواقع يفرض عليه ممارسة دور أبعد من الدور النقابي". ويؤكد أن الاتحاد هو صمام الأمان "حتى لا يعيش التونسي في سياق ملبرل (ليبرالي) وذلك في ظل الارتهان للمؤسسات المالية العالمية وتخلي الدولة عن دورها الاجتماعي، وتراجع المقدرة الشرائية".

لكن الصحفي محمد صالح العبيدي لا ينكر في حديثه معنا وجود "أخطاء في السلوك النقابي" وذلك من خلال فرض سقف مطالب عال جدًا في بعض الأحيان إضافة إلى الانفلات داخل بعض النقابات في ظل عدم سيطرة المكتب التنفيذي، وفق تأكيده.

يستمد الاتحاد العام التونسي للشغل دوره السياسي، وفق مراقبين، من خلال تجاربه النضالية التاريخية التي خلقت نوعًا من الديناميكية المراوحة بين الاجتماعي والسياسي، التي جعلت من الصعب اعتباره منظمة نقابية مثل المنظمات النقابية في بلدان أخرى. لكن من جهة أخرى، يرى منتقدون للدور السياسي للمنظمة الشغيلة أنه من الواجب الاكتفاء بالعمل النقابي وترك العمل السياسي للأحزاب في بلد يعيش انتقالًا ديمقراطيًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أزمة المؤسسات العمومية في تونس: التفويت أم الإصلاح؟

قانون المالية 2019.. خنق جديد للمواطن أم الانفراج الموعود؟