المشيشي ينفق بلا حساب ويرتمي في أحضان القروي

المشيشي ينفق بلا حساب ويرتمي في أحضان القروي

"ما تحتاجه البلاد حوار معمق حول وقف النزيف المالي" (فتحي بلعيد/ أ ف ب)

مقال رأي

 

الصورة بدأت تتضح. المشيشي ووزيره للمالية والاقتصاد علي الكعلي بصدد ارتكاب فظاعة في حق المالية العمومية. يمنح العطايا من مال لا يملكه لإرضاء الجميع، وفي المقابل يرتمي تمامًا في أحضان القروي، الذي يردد في كواليس السياسة أنه "يتقاسم الغرفة" مع المشيشي.

في عام استثنائي يتمثل أساسًا في العبء المالي للكورونا، يقرر المشيشي مزيد إغراق البلاد في مصاريف إضافية من الزيادات في الأجور، بل الأسوأ دفع فوائد الدين للبنوك مع ديون قديمة لدى المؤسسات العمومية (تصل مثلًا فيما يتعلّق بمنشآت المحروقات إلى 1600 مليارًا). المشيشي أعلن أنه من غير المعقول بخصوص "هيبة الدولة" أن لا يدفع ديون الدولة، ومن ثمة سيزيد من الاقتراض من البنوك، ويقوم بذلك مع وزير مالية واقتصاد كان قبل أشهر قليلة مدير عام بنك خاص، وأحد ممثلي "كارتيل" البنوك الخاصة. في ذات الوقت يتردد في أوساط الحياة السياسية أن القروي يحدث رجال الأعمال أنه قادر على "حل مشاكلهم" إذا "استمع إليه" المشيشي.

 المشيشي ووزيره للمالية بصدد ارتكاب فظاعة في حق المالية العمومية. يمنح العطايا من مال لا يملكه لإرضاء الجميع، وفي المقابل يرتمي تمامًا في أحضان القروي، الذي يردد في كواليس السياسة أنه "يتقاسم الغرفة" مع المشيشي

البنك المركزي التونسي لم يلتزم بأي تحفظ، في بيان له  الثلاثاء 27 أكتوبر/تشرين الأول 2020، إذ أعلن أن مشروع قانون المالية التعديلي لسنة 2020، يتضمن عجزًا يفوق بكثير تداعيات الأزمة الصحية لفيروس كورونا المستجد والمنتشر عبر العالم، ليبلغ "مستوى غير مسبوق"، قدر بـ 13,4% من الناتج المحلي الإجمالي.

كما أشار إلى أنّ مشاركة القطاع البنكي في هذا الجهد لتعبئة الموارد عبر الاكتتاب في إصدارات الخزينة "من شأنه أن يسلط مزيدًا من الضغوط على السيولة، وبالتالي مزيدًا من اللجوء إلى إعادة تمويل البنك المركزي". و شدد على أهمية التحكم في تأثير اللجوء المفرط للتمويل الداخلي على استقرار الاقتصاد الكلي والتأثيرات المباشرة وغير المباشرة على مستوى التضخم وعلى الحجم الجملي لإعادة التمويل.

اقرأ/ي أيضًا: أفيون الثورة التونسية

الخوف من النفقات المفرطة ونسبة الاقتراض العالية دفعت نوابًا، حتى الموالين منهم لحكومة المشيشي، إلى إطلاق ناقوس الخطر. مقرر لجنة المالية والتخطيط والتنمية فيصل دربال (حركة النهضة) نبه من مصادقة مجلس نواب الشعب على مشروع قانون المالية التعديلي لسنة 2020. وأشار دربال إلى أن ذلك سيكون بمثابة "قبلة الموت للحكومة"، على اعتبار أن هذه الميزانية ستترك الحكومة في ورطة كبرى خاصة عند توجهها للخروج إلى السوق العالمية. ولم يستبعد دربال في تصريحات سابقة، وقوع تونس في السيناريو اليوناني خلال السداسي الثاني من 2021.

القروي يهمه أساسًا استرجاع دعم نخبة رجال أعمال يمكن أن يدّعي ضمان مصالحهم، ويعيد تمويل حزبه للمراحل القادمة. أما الغنوشي فمن الواضح أن ركن الزاوية في خطته العامة هو تهيئة كل شي حتى تأجيل مؤتمر حركته مهما كانت تداعيات ذلك

من الطبيعي حينها أن نرى ذات القلق من المعارضة. مثلًا عضو لجنة المالية هشام العجبوني (التيار الديمقراطي) يقول أن ميزانية الدولة لسنة 2020 ارتفعت بحوالي 22,3% مقارنة بسنة 2019، أي حوالي أربعة أضعاف نسبة التضخم. وأن المديونية ارتفعت بصفة غير مسبوقة في سنة 2020 وستناهز 90% من الناتج الداخلي الخام، دون اعتبار ديون المنشآت العمومية و دون احتساب ضمان الدولة في القروض التي يتحصلون عليها. ويتساءل هل يمكننا تعبئة 10 مليار دينار في ظرف شهرين.

الآن يجب ان نسأل: ما مصلحة الائتلاف البرلماني الداعم للمشيشي في إغراق البلاد في هذه الحالة الخطيرة التي يمكن أن تنفجر في أي وقت؟ هل إرضاء الجميع والحقن المسكنة بمزيد من الاقتراض سيجعل الوضع مستقرًا حقًا؟ 

يبدو أن هناك تقديرًا سياسيًا، خاصة بين رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي وشريكه نبيل القروي، أن المرور من المنعرج الحالي الصعب عبر حكومة اختار رئيسها خصمهم قيس سعيد، وأنهم في ذات الوقت قادرون على تسيير المشيشي دون أن يكونوا "مورطين سياسيًا" في الحكومة، هي صيغة مؤقتة مناسبة.

ما تحتاجه البلاد حوار معمق حول وقف النزيف المالي والشروع في إصلاحات تسمح بنمو الثروة وبناء تراكم إنتاجي حقيقي، وإلا نحن إزاء السناريو اللبناني وربما أسوأ

القروي يهمه أساسًا استرجاع دعم نخبة رجال أعمال يمكن أن يدّعي ضمان مصالحهم، ويعيد تمويل حزبه للمراحل القادمة. أما راشد الغنوشي فمن الواضح أن ركن الزاوية في خطته العامة هو تهيئة كل شي حتى تأجيل مؤتمر حركته مهما كانت تداعيات ذلك، وأيضا تحضير تحالف واسع متنوع يشمل خاصة ممثلين للمنظومة خاصة نبيل القروي، لكن أيضًا محمد الغرياني لدعمه في في انتخابات 2024، وهو يفكر في ذلك بمعزل عن كل المؤشرات الواضحة التي تظهر استحالة إحصائية لكي يقدر على منافسة جدية. وهو ذات المسار الذي حصل بعد انتخابات 2014 وتفكير رئيس حركة النهضة آنذاك في ذات السيناريو وتراجعه عنه عندما اقتربت انتخابات 2019.

ما تحتاجه البلاد حوار معمق حول وقف النزيف المالي والشروع في إصلاحات تسمح بنمو الثروة وبناء تراكم إنتاجي حقيقي. وإلا نحن إزاء السناريو اللبناني وربما أسوأ وليس مجرد السيناريو اليوناني. وحينها لن تكون انتخابات 2024 بأي معنى، هذا إن تمت أصلًا.

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"

 

اقرأ/ي أيضًا:

المشيشي كومبارس والقروي يسيّر القصبة

في رحاب "مجلس الصبيان".. فرجة وامتعاض