في رحاب

في رحاب "مجلس الصبيان".. فرجة وامتعاض

"نجحت" موسي فيما فشل فيه بقية معارضي الغنوشي والنهضة عبر الهرج وكيل الاتّهامات والثّلب والتّجريح (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

 

مقال رأي

 

تتنظّم الحياة السياسية البريطانية عبر مجموعة من الأعراف، التحالفات والاتفاقيات التي عقدت على مر العصور حتى شكّلت ما يعرف الآن بـ"القانون العمومي Common Law". وتعدّ الوثيقة العظمى أو "Magna Carta" هي النّواة المؤسّسة لهذا القانون الذي يمكن أن نسمّيه "عرفيًا"، حيث أنّه لا يوجد دستور مكتوب (Uncodified Constitution) ومصادق عليه من هيئة تشريعيّة منتخبة/معيّنة بالمعنى المتعارف عليه. وإنّما حزمة من التّقاليد السياسية التي طال عهد الإنجليز بها وتتطبّعوا بها حتّى تغلغلت ضمن هويّتهم وصارت جزءًا من عاداتهم الأساسية.

إنجلترا ليست استثناء في هذا المجال، فهناك دول أخرى ليس لها دساتير مكتوبة كالمملكة السعودية مثلاً، إلا أنّ الأخيرة لا يمكن القياس عليها نظرًا لأن النظام فيها نظام أوليغارشي تيولوجي، عكس النظام الإنجليزي حيث يتم تداول السلطة عبر الانتخابات وتبقى العائلة المالكة كسلطة رمزيّة يحافظ على بقاءها الشعب طواعيّة كتراث حيّ.

في جغرافيا أخرى، تحديدًا في تونس، ينظّم دستور 2014 الحياة السّياسيّة في تونس ويعتبر مؤسّسًا للجمهوريّة الثانية عقب انهيار المنظومة الأولى مع شرارة ثورة 17 ديسمبر/ كانون الأول 2010، حيث تمّ اعتماد نظام سياسي هجين (مزدوج) لاعتبارات عديدة وتبعًا لمقتضيات المرحلة. 

ورغم الدستور الفتيّ، إلاّ أنّ عديد الأطراف السّياسيّة، والتي شاركت غالبًا في صياغته، لا تفتأ تبدي تبرّمها منه لأسباب متباينة أهمّها أنّه "مليء بالألغام" وقابل لتأويلات عديدة وقراءات مختلفة. وحول هذا وعبره، انطلق منذ مطلع شهر أكتوبر/ تشرين الأول الحالي الموسم الثاني من مسلسل "هرطقات مجلس الصّبيان"، بعد موسم أوّل أقلّ ما يوصف به أنّه كان ناريًا. وهو ما أثار استياء طيف واسع من متابعي الشأن العام، وأبهج قلوب طيف آخر، فيما أيّد هذا التشرذم نظريّة "الجلوس على الرّبوة/البرج العاجي" لآخرين. فماهي أسباب هذا وذاك؟ ماهي أهمّ رهانات السنة النّيابيّة الحالية والّتي تنذر بأن تكون أسخن من سابقتها نظرًا للتحدّيّات الجمة التي تنتظرها؟

انفردت عبير موسي وزمرتها بلقب المشاغبة عن جدارة طيلة الدورة الأولى للبرلمان عبر تعطيل الجلسات العامّة، قطع مداخلات زملائهم والمطالبة بنقاط نظام لا تنتهي وغير ذلك

انفردت عبير موسي وزمرتها بلقب المشاغبة عن جدارة طيلة الدورة الأولى للبرلمان عبر تعطيل الجلسات العامّة، قطع مداخلات زملائهم، الاحتجاج على هذا وذاك والمطالبة بنقاط نظام لا تنتهي، والإضراب داخل قاعة الجلسات العامّة بين الفينة والأخرى. ممّا أحرج الكتل البرلمانية وخاصّة كتلة حركة النهضة. 

ولم تقدّم كتلة عبير موسي أي مبادرة تشريعيّة عدا مبادرة حول العدالة الانتقاليّة وبعض الاقتراحات الّتي رفضت بخصوص مشروع زجر الاعتداء على الأمنيين لكن "نجحت" فيما فشل فيه بقية معارضي راشد الغنوشي والحركة الإسلامية، عبر الهرج وكيل الاتّهامات والثّلب والتّجريح. وربّما ذلك كان سببًا  في تزايد شعبيّتها لدى جمهورها الّذي يعتبرها المعارضة الأشرس حسب آخر استطلاعات الرّأي. معارضة مشهديّة استعراضيّة على المقاس ومتلائمة مع المراهقة الدّيمقراطيّة الّتي نعيش، لكن هل سنستطيع دفع تكلفة هذه العروض الفرجويّة؟

اقرأ/ي أيضًا: هكذا ورد اسم عبير موسي في تقرير هيئة الحقيقة والكرامة (وثائق)

من جهة أخرى وعكس ما عرفت به من انضباط وانسجام، بدأ صدى الصراعات الداخليّة لحركة النهضة يظهر بصورة جديّة إثر بعض التّصريحات لأفراد من مجموعة الـ12 (12 نائبًا من كتلة حركة النّهضة الممضين على الّرسالة التي وجّهوها لرئيس الحركة مطالبين تعهّده بعدم التّرشّح لرئاسة الحركة في المؤتمر القادم) وخاصّة تصريحاتهم حول مشروع قانون تقدّمت به كتلة ائتلاف الكرامة حول تنقيح المرسوم المنظّم للاتّصال السّمعي البصري عدد 116. وهي خطوة تصعيديّة أحرجت الائتلاف البرلماني "نهضة+قلب تونس+ائتلاف الكرامة". 

تراجع شعبيّة حركة النهضة يعود إلى انخراطها في المنظومة السياسيّة الحاليّة وتحوّلها إلى حزب مدني لا طعم له كباقي الأحزاب الفاقدة للتّنظير الاستشرافي والرّؤية الاستراتيجيّة. ثمة العديد من الدراسات اعتبرت أن الحركات التي تدمج الوعظ الديني مع النشاط السياسي في هيكل مؤسسي واحد تتعرض إلى موقف صعب وقلق من مغبة تقويض مصداقيتها وفقدان جماهيريتها إذا ما تخلت عن مبادئها ومواقفها الثابتة1. وهو ما تعاني منه الحركة منذ مؤتمر أكتوبر/ تشرين الأول 2015 الّذي أعلنت فيه عن مدنيّتها. وفي انتظار ما سيتمخّض عن المؤتمر القادم للحركة، هل ستتقيّد النهضة بسنّة الحركات والدول الإسلاميّة2 السابقة، تنازع، تحكيم فانفصال؟ 

تراجع شعبيّة حركة النهضة يعود إلى انخراطها في المنظومة السياسيّة الحاليّة وتحوّلها إلى حزب مدني لا طعم له كباقي الأحزاب الفاقدة للتّنظير الاستشرافي والرّؤية الاستراتيجيّة

وفي خضمّ هذا التخبّط السياسي، تبقى رهانات الانتقال الديموقراطي مجرد تفاصيل بدل أن تكون المحاور الأهم. لم يقع بعد استكمال تركيبة وقوانين بقيّة الهيئات الدّستوريّة كالمحكمة الدّستوريّة، هيئة الاتصال السّمعي البصري، هيئة حقوق الإنسان.. الخ، كما أنّ جملة من المجلّات الجزائيّة والتنظيميّة لم تقع مناسبتها مع الوضع الرّاهن. وما تقاذف المسؤوليّات بين المعتمديّة والولاية والبلديّة، إثر كلّ فاجعة، إلّا أبسط تجلّ لعجز مجلة التّهيئة التّرابيّة والتّعمير والمجلّة الجزائيّة أيضا بلونها القمعي، ومجلّة الاستثمار والصّرف البدائيّة. كلّ هذه القوانين والمراسيم تحتاج مراجعة وتنقيحًا لتتماهى مع المبادئ الجوهريّة للدّستور الحالي ولتلبّي تطلّعات التونسيّين، أو جزء منهم، آمن يومًا أنّ التغيير ممكن.

إلّا أنّه يبدو أنّ هذا الجزء ليس ضمن الخزّانات الانتخابيّة للأحزاب الممثّلة في البرلمان، والّتي أصبحت تراهن على الشّعبويّة والعربدة لدغدغة فؤاد المشاهدين عبر فيديوهات الفيسبوك والّتي بدورها صارت أدوات حزبيّة بدل الجرائد و البيانات والمناشير، لتكتمل صورة السّرك السّياسي بين العرض والمهرّجين والجمهور كما كتب يومًا المصري مصطفى محمود.

اقرأ/ي أيضًا: التوتّر الدائم بين الغنوشي وموسي.. أكثر من خلاف سياسي؟

تعاني بقيّة الكتل البرلمانيّة ما عانته سابقاتها في الدورة السّابقة، بين استقالات ومراودات، ليعاد في كل مرّة تشكيل المشهد البرلماني مع بعض الاستثناءات. لم يفق بعد التيار الديموقراطي من صدمة الصيف الفارط، إذ اقتيد مكرهًا من الحكم إلى المعارضة، جارًّا معه شريكه في الكتلة الديمقرطيّة حركة الشّعب، فاقدًا لكارط "محاربة الفساد" وباحثًا عن شعار جديد لتلافي تحوّل التّيّارات داخله إلى شقوق وانقسامات.

لم يفق بعد التيار الديموقراطي من صدمة الصيف الفارط، إذ اقتيد مكرهًا من الحكم إلى المعارضة، فاقدًا لكارط "محاربة الفساد" وباحثًا عن شعار جديد لتلافي تحوّل التّيّارات داخله إلى شقوق وانقسامات

أخيرًا، وبعد مضيّ عام على تولّيه الرّئاسة، تمخّضت هضبة قرطاج عن مبادرة تشريعيّة قد تكون فاتحة لمبادرات أخرى بعد الأداء الهزيل للرّئيس قيس سعيّد في الفترة السابقة. الديوان الرّئاسي أيضًا لا يخلو من التخبّط والتقلّبات، إذ استقالت مؤخّرًا المديرة الثّانية للديوان. 

ومن جهة أخرى، أمام الرئاسة تحدّيّات جمّة على الصّعيد الدبلوماسي والأمني، بين جائحة فاتكة والملتقي القادم حول ليبيا والذي ترعاه الأمم المتّحدة، تواجه البلاد شبح الإفلاس حسب تصريحات وزير الماليّة مؤخّرًا، إذ يفترض أن تكون إحدى حلول الأزمة، نظريًّا، الاقتراض الخارجي وما يقتضيه ذلك من تحرّكات ديبلوماسيّة، هي أساساً من صلاحيات الرئاسة. 

رغم الصفعة السّياسيّة الّتي تلقّتها النّخب إثر انتخابات 2019، تواصل الأخيرة خوض معارك جانبيّة وهميّة لا ترتقي إلى تطلّعات المواطن ورغباته، معمّقة بذلك الهوّة بينها وبين الشارع، ومستعيدة بذلك الضّحالة القياديّة التي انتفض ضدّها هذا الشّارع ذات 14 جانفي 2011. 

لن تفرّق الجماهير بين صالح وطالح، لكلّ طرف نصيب من المهزلة الّتي نعيش. مهما تطوّرت أساليب السّلطة في امتصاص الغضب عبر الشّعبويّة الخطابيّة و"التّطنيش"، فإنّ شعبًا انتفضت أقلّيته يومًا على الماكينة القمعيّة بعد 23 سنة من القبضة الحديديّة والبروباغندا الرّديئة، لن يطول صبره أكثر ممّا طال، فالشّتاء في بلادنا له نواميسه الثّوريّة، فما بالك بشتاء بطعم الجوع وتتخلّه روائح الجثث ويُغذي برده "برد قلوب المحتكرين" من تجّار ومضاربين، وأصحاب المصحّات الجشعين وسياسيين متخاذلين. إنّ التّاريخ لا يعيد نفسه إلا في شكل مهزلة، كما قال ماركس يومًا، فكيف ستكون المهزلة القادمة؟

 

1 ـ Nathan J.Brown, Amr Hamzawy, Islamic movements and the democratic process in the Arab world: Exploring the Gray zones, Carnegie papers, number 67, march 2006, p 4-6.

2 ـ مفهوم الدّولة هنا يعني التنظيم السّياسي الحاكم: دولة بني أميّة، دول بني العبّاس، الحفصيّون والحسينيّون..

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"

 

اقرأ/ي أيضًا:

أفيون الثورة التونسية

بخطى حثيثة نحو إخصاء الثورة... وبالقانون!