المشيشي وتحويره: من وسادة القصر إلى وسادة البرلمان

المشيشي وتحويره: من وسادة القصر إلى وسادة البرلمان

"ما سيتحقق فقط هو أن يحافظ هشام المشيشي على موقعه في القصبة مهما كان الثمن" (ياسين القايدي/الأناضول)

 

مقال رأي

 

أعلن نهاية الأسبوع رئيس الحكومة هشام المشيشي عن التحوير الحكومي، الذي طال انتظاره. يكتمل بهذا التحوير مسار تسلق شخص باهت تحوّل إلى ماسك بأهم مقاليد السلطة التنفيذية دون المرور بأي إطار حزبي، وتبنيه لرؤية وتوجه واضحين.

نحن إزاء أول حالة تموقع في أعلى السلطة والدولة إثر دستور 2014 واستقرار النظام السياسي من قبل شخص بلا ماض سياسي معروف وخارج أي مسار انتخابي. يحتاج الأمر تركيزًا خاصًا حول هوية الرجل حتى يمكن أن نفهم مآلاته القادمة.

اقرأ/ي أيضًا: تونس بين حوار "سعيّد/الطبوبي" وتحوير المشيشي

ينبغي القيام بملاحظات أساسية بداية حتى نفهم طبيعة رئيس الحكومة الحالي:

أولاً، تسلق هشام المشيشي بسرعة أروقة السلطة عبر القصر، حيث أتى بدءًا كمتربص لتقلد الاستشارة القانونية خلفًا لنادية عكاشة التي عيّنها الرئيس في موقع إدارة الديوان، وهو المقرّب منها. لم يقابله الرئيس سوى مرات قليلة قبل اقتراحه من قبل نادية عكاشة لتقلّد موقع وزارة الداخلية.

لم يقابل الرئيس هشام المشيشي سوى مرات قليلة قبل اقتراحه من قبل نادية عكاشة لتقلّد موقع وزارة الداخلية

سيرة المشيشي قبل ذلك كانت في صفوف طلبة التجمع أيام الدراسة الجامعية منتصف التسعينيات، قبل التحاقه بالمدرسة القومية للإدارة، ثم بعد الثورة تقلد مواقع إدارة الدواوين خاصة عبر أستاذته نائلة شعبان، التي تقلدت موقع وزيرة المرأة في حكومة مهدي جمعة.

من عاشره في الدواوين التي اشتغل فيها أو عندما تقلّ الداخلية يشير إلى شخص ضعيف ولا يتحمل قرارات شجاعة ويهتم أساسًا بالتموقع. لا تُعرف عنه مواقف لافتة، وتجنب عمومًا الصدام مع أصحاب النفوذ وتبنى كلية مواقف النقابات الأمنية.

ثانيًا، نحن بصدد تحوير مؤجل يعود إلى اكتشاف قيس سعيّد أن المشيشي لم يكن حملاً وديعًا، وأنه كان ينسق مع رئيس قلب تونس نبيل القروي خاصة في فترة تكليفه بشكل سرّي وهو ما بلغ الرئيس، وتأكد من ذلك إثر رفض المشيشي تعهده الأول الذي كان شرط تكليفه، أي الانضباط الكلي للرئيس وخياراته، وقبول اختيار معظم أعضاء الحكومة من قبل القصر. كان اختيار المشيشي في الأصل قائمًا على التجربة القصيرة التي قضاها في الداخلية وكان فيها في الظاهر مواليًا تمامًا للرئيس قيس سعيّد وديوانه.

كان اختيار المشيشي في الأصل قائمًا على التجربة القصيرة التي قضاها في الداخلية وكان فيها في الظاهر مواليًا تمامًا للرئيس قيس سعيّد وديوانه

في الأيام الأخيرة قبل التصويت في البرلمان والانتهاء من تشكيل الحكومة، بدأ يظهر "تمرد" المشيشي علنًا على سعيّد، وتحديدًا على تعهده بترك اختيار أغلب أعضاء الحكومة للقصر. في المقابل، وردت للقصر معطيات كافية أن المشيشي بصدد التنسيق وأيضًا التعهد لنبيل القروي وأيضًا لحركة النهضة بأنه سيقوم بإعفاء "وزراء الرئيس" حال الحصول على تصويت البرلمان.

وأعلن نبيل القروي يوم التصويت على إذاعة "اي اف ام" في بث مباشر قائمة الوزراء التي تعهد المشيشي له أنه سيزيحهم وكان على رأسهم وزير الداخلية. في النهاية، فهم المشيشي أنه بعد التكليف ثم التصويت أصبح مصير بقائه مرتبطًا بالولاء للحزام البرلماني، وليس لمن وضعه في القصبة في الأصل. انقلاب المشيشي من أجل بقائه في القصبة سيكون مسألة وقت.

اقرأ/ي أيضًا: المشيشي ينفق بلا حساب ويرتمي في أحضان القروي

ثالثًا، اختار المشيشي مسارًا متدرّجًا للقطيعة مع القصر مستغلاً في البداية سوء بعض اختيارات القصر خاصة في البداية في وزارة الثقافة، لتبقى بعض المواقع شاغرة، في انتظار توجيه الضربة إلى الموقع الأهم أي وزارة الداخلية. المشيشي تحديدًا بدأ مساره الوزاري في الداخلية لأنه مرشح القصر، وهو مدين لذلك على أساس العلاقة الخاصة مع القصر، وهو آخر من يمكن أن يكون متبرمًا من تدخل القصر في تعيين وزير الداخلية، على أسس دستورية، كما يريد البعض أن يوهمنا الآن.

اختار المشيشي مسارًا متدرّجًا للقطيعة مع القصر مستغلاً في البداية سوء بعض اختيارات القصر

رابعًا، لم يكن إيقاف رئيس حزب قلب تونس نبيل القروي في حساب هشام المشيشي. أي تهديد وضعف لكتلة نبيل القروي تعني تهديدًا ضمنيًا لوسادته السياسية، بل كانت أقوى علاقاته بـ"الحزام" البرلماني تحديدًا مع حزب قلب تونس وخاصة نبيل القروي الذي كان يزوره بشكل متواتر في القصبة.

أصر المشيشي على الحفاظ على العلاقة قوية مع الرجل، ومحيطه ولهذا استقبل أعضاء عائلته بصفتهم تلك أساساً وهم الملاحقون قضائيًا (زوجة نبيل القروي وأخاه النائب غازي القروي) ولو في الإطار الرسمي للكتلة، وعبر رئيس الحكومة أمام حزامها بوضوح عن تعاطفه مع القروي. وتردد أيضًا أن زيارته لباريس لم تكن لشأن خاص أو مرض أحد أبنائه كما روج البعض (تبيّن أن أبناءه لم يغادروا تونس في رأس السنة)، بل لزيارة رجلي أعمال مرتبطين بالقروي. أصبح الحفاظ على كتلة القروي مسألة وجودية لاستكمال مسار القطيعة مع القصر.

خامسًا، اعتقد المشيشي ومحيطه أن ضعف "الحزام" بدخول القروي السجن فرصة أيضًا لتحقيق بعض المكاسب المباشرة، وليتحوّل التحوير ربما ليس فقط إلى قطيعة مع القصر بل أيضًا مناسبة لتشكيل "حزام مشيشي" مرتبط به شخصيًا. حيث حاول تمرير أقرب مساعديه لمواقع متقدمة في الحكومة (الذهبي في الداخلية، وكان منتظرًا توزير رشاد بن رمضان في التشغيل، إضافة إلى شهاب بن أحمد القريب من مدير ديوانه المقدم). لكن الضغط الكبير من أوساط من قلب تونس والنهضة وحتى التهديد بعدم تمرير التحوير والسماح فقط بـ"سد الشغورات"، أدى إلى تراجع المشيشي عن بعض هذه الاختيارات، والسماح بحضور أكثر لـ"مستقلي" الأحزاب المرشحين لمناصب وزارية، خاصة منهم المثير للجدل سفيان بن تونس في وزارة الطاقة وهو الخيط الرابط بين القروي وبن ميناشي عبر مؤسسة Oscar Instructive Services، علاوة على تضارب المصالح في كون بن تونس مدير كبير إقليميًا في مؤسسة طاقية أمريكية مشهورة.

اعتقد المشيشي ومحيطه أن ضعف "الحزام" بدخول القروي السجن فرصة أيضًا لتحقيق بعض المكاسب المباشرة، وليتحوّل التحوير ربما ليس فقط إلى قطيعة مع القصر بل أيضًا مناسبة لتشكيل "حزام مشيشي" مرتبط به شخصيًا

في المحصلة سيمر التحوير بتحالف واسع بين حركة النهضة وقلب تونس، و"طالبان" التجمع مثلما يسميه البعض، أي حزام المنتسبين قديمًا إلى طلبة التجمع من أعضاء كتل مختلفة في البرلمان بما في ذلك كتلة قلب تونس نفسها، وطبعًا سيعير ائتلاف الكرامة نوابًا إضافيين يوم التصويت إذا تعذر الحصول على 109 صوتًا، رغم البيان حاد اللهجة من هذا الحزب ضد رئيس البرلمان مؤخرًا.

وفي المحصلة، لن يكون هدف الحكومة تحقيق شيء ذي بال، إنجازات أو إصلاحات ومصلحة عليا للبلاد، إذ لا يحمل المشيشي رؤية بل بيّن في الأشهر الأخيرة حالة لا كفاءة واضحة في تسيير ملفات أساسية منها التوازنات المالية، وملف مواجهة كورونا، ومقاربة المسائل الاجتماعية.

اتحاد الشغل الذي قام بمبادرة الحوار الوطني سيجد نفسه أيضاً في وضع صعب، إذ لا معنى كبير لحوار بعد تحوير حكومي لن يتغير بعده الشيء الكثير. ما سيتحقق فقط هو أن يحافظ هشام المشيشي على موقعه في القصبة مهما كان الثمن، وأن يحافظ "الحزام" على إمكانية القيام ببعض التعيينات والدفاع عن بعض المصالح. لن يعالج ذلك مسار أزمة مركبة، اجتماعية وسياسية، هيكلية قادمة لا محالة.

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"

 

اقرأ/ي أيضًا:

10 سنوات على الثورة.. حتى لا يبقى "المصعد" معطّلًا

عائلات الريع.. المستفيد الأول من الاستقطاب الثنائي