التحوير الوزاري ونهاية حكومة الرئيس

التحوير الوزاري ونهاية حكومة الرئيس

تحوير لن ينهي صراع الصلاحيات المدمّر بين رأسي السلطة التنفيذيّة

 

أعلن رئيس الحكومة هشام المشيشي، مساء السبت 16 جانفي/يناير 2021، عن فحوى التحوير الوزاري. وشمل إحدى عشرة وزارة منها وزارات الداخليّة والصحّة والصناعة والفلاحة. ولقد عاش المشهد السياسي في الأسبوعين الماضيين على وقع هذا التحوير المرتقب إلى جانب ملفّات سياسيّة أخرى في مقدّمتها مبادرة الحوار الوطني التي تقدّم بها الاتحاد العام التونسي للشغل.

ولم يُفهم التحوير الوزاري، منذ أن صار خبرًا متداولًا، إلاّ على أنّه محطّة من محطّات صراع النفوذ المحتدم بين رأسي السلطة التنفيذيّة الذي انطلق مع اختيار رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد هشام المشيشي، وزير الداخليّة في حكومة الفخفاخ المستقيلة، لتشكيل حكومة من خارج الأحزاب السياسيّة.

لم يُفهم التحوير الوزاري، منذ أن صار خبرًا متداولًا، إلاّ على أنّه محطّة من محطّات صراع النفوذ المحتدم بين رأسي السلطة التنفيذيّة

اقرأ/ي أيضًا: شمل 11 وزارة: تفاصيل التعديل الوزاري في تونس

حكومة الرئيس وملابسات ظهورها

انطرحت فكرة حكومة الرئيس على إثر انتخابات 2019 والتي اعُتبرت في تقديرٍ أوّل اختيارًا شعبيًّا لمكوّنات حزبيّة تُحسب على الثورة. وكان خطاب المرشّح قيس سعيّد ذي المرجعيّة الإسلاميّة التقليديّة الواضحة في الحملة الانتخابيّة في دورتيها يُوهِم بأنّ في حصول النهضة على المرتبة الأولى وفوز قيس سعيّد بالرئاسة بتفويض تاريخي ترجيحًا قويًّا لكفّة القوى المحافظة الداعمة لمسار الانتقال الديمقراطي وتثبيت شروطه. وفي هذا السياق لحق بسعيّد تحاملٌ كبيرٌ وصل إلى درجة اتهامه بترويج خطاب التطرّف والدوعشة.

وكانت مثل هذه التهم من المرشّح نبيل القروي وأنصاره ومن رموز اليسار الوظيفي ولجان تفكير التجمّع المقبور. وفي هذا تأتي مداخلات حمّادي بن جاب الله أستاذ الفلسفة والابستمولوجيا بالجامعة التونسيّة وصاحب كتاب "الثورة الهادئة" في مناشدة بن علي وتزيين إرهابه.

ولكن لم يمرّ شهر على الانتخابات حتّى ظهر اتجاه الرئيس قيس سعيّد السياسي وأثره على العلاقة بالمنظومة ونظامها السياسي ومنه مؤسسة البرلمان. وهو ما سمح لبعض القوى بإعادة قراءة انتخابات 2019 ونتائجها السياسيّة. وإذا كان الدافع إلى "حكومة الرئيس" الاختلاف الإيديولوجي بين النهضة صاحبة المرتبة الأولى في الانتخابات وحركة الشعب ذات المرجعيّة العروبيّة فإنّ الانتباه المبكّر إلى "مزاج الرئيس" السياسي كان كافيًا لتغيّر الرهانات ومن ثمّ التحالفات. وصار قيس سعيّد "قِبْلةً" لكلّ "مُسْتَطِيعٍ بغَيْره" وكلّ من يعتبر "تناقضه الرئيسي" مع حركة النهضة، وفي مقدّمة هؤلاء المناشد أبدًا أستاذ الابستمولوجيا.

بعد انتخابات 2019، بدأت بالتشكّل قوّة غير معلنة نواتها قيس سعيّد والكتروناتها الدوّارة في الحزام نفسه من حزبي التيّار الديمقراطي وحركة الشعب

وهكذا بدأت بالتشكّل قوّة غير معلنة نواتها قيس سعيّد والكتروناتها الدوّارة في الحزام نفسه من حزبي التيّار الديمقراطي وحركة الشعب. وعلى مسافة أبعد قليلاً كان اتّحاد الشغل الذي وقف مع مرشّح أحد شقوق القديم للرئاسة المنافس لقيس سعيّد، عبد الكريم الزبيدي.

كان بالإمكان احترام نتائج الانتخابات وتكليف الحزب الفائز بالمرتبة الأولى بتشكيل الحكومة، ولكنّ الشعب والتيّار شدّدا، حين لم يُقبل مقترح حكومة الرئيس،  ألاّ يكون رئيس الحكومة مستقلاّ تحت دعاوى لا أساس قانوني ودستوري لها. وكان لهما ذلك بعد سقوط حكومة الحبيب الجملي، وتحوّلت عهدة التكليف إلى رئيس الجمهوريّة، وتم الشروع في تشكيل حكومة الفخفاخ. ولقد خلّفت المفاوضات المضنية حولها شروخًا عميقة بين مكوناتها الحزبيّة سيظهر أثرها على أداء الفريق الحكومي.

اقرأ/ي أيضًا: حكومة إلياس الفخفاخ.. لا يمكن إلا أن تمر!

سياق التحوير 

المشيشي، الذي كان وزيرَ داخليّة في حكومة إلياس الفخفاخ، صار رئيسًا للحكومة بتكليف من الرئيس قيس سعيّد. وقد أمكن للرئيس سعيّد أن احتفظ بالعهدة، بعد استقالة حكومة الفخفاخ بسبب تهمة تضارب المصالح التي حامت حول رئيسها.

وانتظرت الساحة الحزبية والسياسيّة أن تكون حكومة المشيشي تجسيدًا فعليًّا لفكرة "حكومة الرئيس" التي تجسّد انتهاكًا صارخًا للدستور. ذلك أنّ الدستور لا يمنح رئيس الجمهوريّة حقّ المساهمة في تشكيل الحكومة. وحتّى وزيرا الدفاع والخارجيّة يعيّنهما رئيس الحكومة بالتشاور معه. ورشَحت أخبارٌ عن دور مديرة ديوان رئيس الجمهوريّة في تشكيلة الحكومة. ولكنّ قبل أيّام قليلة من الإعلان عن تركيبتها ظهرت خلافات غير منتظرة بين رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة حول الفريق والحقائب الوزاريّة. واتّجه المشهد برمّته إلى ما يشبه الانقلاب.

في هذا السياق، تلقّفت النهضة وحليفاها قلب تونس وائتلاف الكرامة هذا المستجدّ المفاجئ، فتقدّمت الأحزاب الثلاث لمنح الثقة للحكومة الجديدة. وهو ما يعني أنّ صفة حكومة مستقلّة من خارج الأحزاب لم تعد الصفة المناسبة لها. فهي، بعد هذا الذي جدّ، صارت حكومة مستقلّة بحزام سياسي حزبي. وانطلقت حكومة المشيشي بعد نيلها الثقة منقسمة بين وزراء القصبة ووزراء قرطاج. وتواصل هذا التجاذب وكانت له صوره المتعدّدة في المشهد السياسي، وهي مواقف تتقاطع جميعها في تعطيل الدور الطبيعي للوزارات وما يُنتظر منها من إصلاحات متأكّدة.

انطلقت حكومة المشيشي بعد نيلها الثقة منقسمة بين وزراء القصبة ووزراء قرطاج. وتواصل هذا التجاذب وكانت له صوره المتعدّدة في المشهد السياسي

ومثّل توسّع الاحتجاجات الاجتماعيّة في الجهات، وتواصل البلطجة داخل البرلمان وتعطيل أشغاله من قبل كتلة الدستوري الحر، واحتداد التجاذب السياسي داخله وبلوغه العنف اللفظي والمادي وما تولّد عنه من اعتصام الكتلة الديمقراطيّة وإضراب الجوع الذي شنّه بعض من نوّابها، من ناحية، والدعوات المتعدّدة إلى الحوار وفي مقدّمتها دعوة الاتحاد العام التونسي للشغل، من ناحية أخرى الإطار الذي يُنَزَّل ضمنه التحوير الوزاري الأخير.

يأتي التحوير الوزاري في سياق احتداد التجاذب بين رأسي السلطة التنفيذيّة. وقد كانت معركة الرئيس قيس سعيّد الذي لا يخفي مناهضته للمنظومة الحزبيّة والسياسيّة على الصلاحيّات وتأويل الدستور. ومثّل خطابه النمطي عمليّة إرباك قويّة لم تعرفها من قبل مؤسسات الدولة (رئاسة الجمهوريّة ورئاسة الحكومة والبرلمان).

اقرأ/ي أيضًا:  كيف تحوّلت "حكومة الرئيس" إلى حكومة تدعمها النهضة وقلب تونس؟

تداعياته السياسيّة

طال التحوير إحدى عشرة وزارة وهو ما يقارب ثلث وزارات الحكومة. وشمل كلّ الوزراء المحسوبين على قيس سعيّد. وهو ما يعني أنّ حكومة الرئيس أصبحت من الماضي من الناحية العمليّة. دون أن يمنع هذا أن يكون من بين الوزراء الجدد من هو قريب من رئيس الجمهوريّة. وممّا لا شكّ فيه أنّ تداعيات التحوير ستطول التوازنات السائدة بين مؤسسات الرئاسة والحكومة والبرلمان.

ولا غرابة في أن يكون لهذا التحوير تأثير إيجابي على العلاقة بين الرئاسات الثلاث باتجاه استقرارها عند ما يضبطه الدستور من صلاحيات لكلّ منها في إطار النظام السياسي شبه البرلماني. ولقد عرفت عهدة 2014 ـ 2019 التجاذبات نفسها مع القديم العائد بانتصار تاريخي بقيادة الباجي قايد السبسي سليل التجربة البورقيبيّة ونظامها الرئاسوي.

طال التحوير 11 وزارة وهو ما يقارب ثلث الوزارات وشمل كلّ الوزراء المحسوبين على قيس سعيّد. وهو ما يعني أنّ حكومة الرئيس أصبحت من الماضي من الناحية العمليّة

هناك اتجاه إلى ربط الاحتجاجات الليليّة وعمليّات النهب التي اندلعت على نطاق واسع بأغلب المدن التونسيّة بالتحوير الوزاري. ويبدو هذا الربط بلا مصداقيّة رغم ما للتحوير الوزاري من تأثير على حقيقة صراع الصلاحيات بين رأسي القوّة التنفيذيّة. والأقرب أنّ الدافع الأوّل إلى هذا الربط وجود صفحات لا تخفي قربها من الرئيس قيس سعيّد وتتسمّى باسمه وتتزيّن بعناوينه هي من يتولّى الدعاية لما تسمّيه "ثورة الجياع".

وهي نفسها الصفحات التي قادت "ثورة الإنقاذ" في جوان/حزيران 2020 ودعت إلى حل البرلمان. ولم تكن هذه التحركات بمعزل عن أجندات إقليميّة معلنة وبوسائل إعلام معروفة تفرّدت بنقل الاحتجاجات الليليّة هذه الأيّام على المباشر. وزاد من هذا الغموض ضعف سياسة وزارة الداخليّة ورئاسة الحكومة الاتصاليّة.   

لا توجد خطّة اتصاليّة ناجعة في مواجهة تحرّكات ليليّة من فئات عمريّة شبابيّة بين 15 و20 سنة. ولم يفهم الناس سرّ تحرّكها الليلي، ولم تتوضّح مطالبها، فهي بلا شعارات إلاّ من سباب عامّي تُكيله لقوات الأمن التي تجتهد في منع النهب والحرق. وضاعف من إرباك الوضع اختلاف الطبقة السيّاسيّة حولها. ففي حين اعتبرت بعض قيادات الجبهة الشعبيّة التي همّشتها الانتخابات الأخيرة أنّ ما يحدث "ثورة ثانية" كانت قيادات من النهضة ومن بعض الأحزاب الديمقراطيّة البرلمانيّة لا تخفي انزعاجها من طابعها العنيف وتدعو إلى أن يكون التعبير عن المطالب الاجتماعية والسياسيّة في وضح النهار وفي كنف السلميّة.

لا غرابة في أن يكون لهذا التحوير تأثير إيجابي على العلاقة بين الرئاسات الثلاث باتجاه استقرارها عند ما يضبطه الدستور من صلاحيات لكلّ منها في إطار النظام السياسي شبه البرلماني

تحوير بلا أفق

التحوير الوزاري لم يكن بمعزل عن مبادرة الاتحاد إلى الحوار، ولا شيء يمنع من اعتباره محاولة لتجاوز الحوار المُتَّفق في مبدئه والمختلف حول مرجعيّته ومخرجاته. كما لا يمكنه أن يكون بمعزل عما عرفه المجلس، بعد حلّ اعتصام الكتلة الديمقراطية وإنهاء إضراب الجوع. فقد كان لهذا المستجدّ تحولات مهمّة في التوازنات البرلمانيّة.

فنواب ائتلاف الكرامة المدان بالعنف في بيان رئيس المجلس الأخير لن يكونوا إلى جانبه في منح الثقة لوزراء التحوير الجديد. ويبدو أنّ رئيس المجلس ورئيس النهضة قد وجد ضالته في قلب تونس وتحيا تونس وكتلة الإصلاح والكتلة الوطنيّة ممّا سيجعل منه رهينة "منظمة طلبة التجمّع" (توزعوا بعد الثورة على أحزاب تحيا والقلب وبقية الكتل التجمّعية المشار إليها)، فهي التي ستسمح بأصواتها بمنح الثقة للوزراء الجدد. وهي التي قد تمنع سحب الثقة من رئيس المجلس وقد تؤكّدها، إذا تغيّر مزاج المشهد وتوازناته. وهو السيف المسلّط من قبل الدستوري الحر والكتلة الديمقراطيّة (الشعب والتيار).

ومع ذلك فإنّ الغنّوشي آخر شيوخ السياسة الفاعلين هو عند خصومه أدقّ ما يكون في حساباته السياسية في لحظات ضعفه وقادر على المناورة عن مراميه السياسية البعيدة لتتحقّق في غفلة من منافسيه.

يبدو لنا التحوير جزءًا من "تسيير الأزمة" وليس شروعًا في مواجهة أسبابها

قبل التحوير، أُعلِن عن تحوير التحوير، بسبب ما راج من شبهات فساد تعلّقت ببعض الأسماء المقترحة لوزارات الصحّة والصناعة والتشغيل. وسيحصل بقيّة الوزراء على ثقة النوّاب، غير أنّ التحوير الموصوف بالعميق لا يختلف كثيرًا عن التحويرات التي عرفتها الحكومات المتعاقبة. ولا يوحي بإرادة سياسيّة لمواجهة الأزمة المركّبة المتفاقمة. وهو في تقديرنا يمثّل تفصيلاً في صراع على سطح المشهد السياسي أمّا عمقه فمازال مشدودًا إلى صراع حول شروط بناء الديمقراطيّة مناصرةً ومحاصرةَ.

ولكنّ أطوار هذا الصراع تعقّدت حتّى صار إخفاء حقيقته جزءًا من استراتيجيّة الصراع. لذلك يبدو لنا التحوير جزءًا من "تسيير الأزمة" وليس شروعًا في مواجهة أسبابها. وكأنّ ما بات يسمح لمسار الانتقال بالاستمرار ليس شروطه المحليّة الصرف بقدر ما هو تقدير دولي غالب لا يزال يرى من مصلحته أن يتواصل هذا المسار متعثّرًا.

التحوير الوزاري الذي أريد له أن يكون نقطة تحوّل في أداء حكومي غابت عنه الرؤية والخطّة السياسيّة في مواجهة الأزمة الماليّة الاقتصاديّة الصحيّة، وأنهكه العجز عن الأدنى من السياسات المطلوبة. وأوجد ضعف الفريق الحكومي الاتصاليّ والبرامجيّ فراغًا سياسيًّا مخيفًا زاد من خطورته الصراع المحتدم في أعلى مؤسسات الدولة. وإذا لم يكن من إنجاز لهذا التحوير سوى إنهاء "حكومة الرئيس" فإنّ في ذلك تصحيحًا لأداء سياسي يقع خارج الدستور. ولكنّه لن ينهي صراع الصلاحيات المدمّر بين رأسي السلطة التنفيذيّة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تونس: تحوّلات محلية وإقليمية وصعوبات في مسار بناء الديمقراطية

الديمقراطيّة والتطبيع في بلاد المغرب العربي