الصحفيون التونسيون ومصادرهم.. (2/1)

الصحفيون التونسيون ومصادرهم.. (2/1)

لا يمكن للمتابع للصحافة التونسية ألاّ يلاحظ الاعتماد اليومي والمتواتر على المصادر المجهولة (الشاذلي بن ابراهيم/Getty)

 

كشفت أحداث "الوعكة الصحية" التي تعرّض إليها رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي في الأسبوع الأخير من شهر جوان/يونيو الماضي، مرّة أخرى عن إشكالية المصادر في الصحافة التونسية، وهي الإشكالية الكبرى التي تكاد تختزل كل قضايا الصحافة التونسية اليوم وأهمها طبيعة علاقتها بالسياسة وبالسلطة وبالمؤسّسات.

توجد على الأقل ثلاثة أنواع من المشاكل المتصلة بمسألة المصادر في الصحافة التونسية وهي الاستخدام المفرط للمصادر المجهولة، والاعتماد الكبير على المصادر المؤسّسية والاعتماد على المصادر دون التحري 

فقد أثار إعلان مراسلة إحدى القنوات التلفزيونية العربية وفاة الرئيس على المباشر غضب المواطنين واستهجان قطاعات كبيرة من الصحفيين، الذين لم يتورّع بعضهم رغم ذلك عن إعلان وفاة الرئيس بكل ثقة في صفحاتهم على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك. وإن ما يجب أن نفهمه هو كيف أمكن للبعض من الصحفيين الإعلان بهذه البساطة عن وفاة رئيس الجمهورية أو بتعبير آخر ما الذي جعل هذا السلوك ممكنًا؟

ثمة على الأقل ثلاثة أنواع من المشاكل المتصلة بمسألة المصادر في الصحافة التونسية يمكن تشخيصها والتي سنتناولها تباعًا وهي: الاستخدام المفرط للمصادر المجهولة أوّلًا، والاعتماد الكبير على المصادر المؤسّسية (أي على المعطيات الصادرة عن المؤسّسات كالأحزاب والهيئات الحكومية والمؤسسات العمومية إلخ) ثانيًا، والاعتماد على المصادر دون التحري ثالثًا، وكلّ ذلك بسبب التنافس من أجل السبق الصحفي وتأثيرات الميديا الاجتماعية والفيسبوك تحديدًا على الطريقة التي يمارس بها الصحفيون مهنتهم.

أهمية المصادر بالنسبة للصحفيين

تقول القاعدة الذهبية في الصحافة إن قيمة الصحفي تكمن في قيمة مصادره بمعنى أن الصحفي الكفء يحب أن تتوفر لديه شبكة من المصادر الواسعة والمتنوّعة والمتخصّصة في المجالات التي يشتغل فيها، وهي مصادر قادرة أن تزوّده بالمعلومات الضرورية لعمله.

 الصحافة هي منهجية صارمة تقوم على تقنيات دقيقة في البحث عن المعلومات من مصادر مختلفة والتحرّي فيها وفق منهجيات صارمة

اقرأ/ي أيضًا: أحداث يوم الخميس المشهود.. الدروس الصحفية المستخلصة

وهو ما يعني أن الصحافة، قبل أن تكون رسالة أو التزامًا أو أي شي آخر من التعريفات الرومانسية التي يحلو للصحفيين إطلاقها على مهنتهم، هي قبل كل شيء منهجية صارمة تقوم على تقنيات دقيقة في البحث عن المعلومات من مصادر مختلفة والتحرّي فيها وفق منهجيات صارمة ثم تحويلها إلى أخبار وفق أساليب كتابة مخصوصة. ولهذا السبب، تولي المواثيق الأخلاقية والتحريرية المصادر مكانة هامة وأساسية، ويتعلّم الصحفيون في دراستهم المتخصصة في الصحافة منهجية تشخيص المصادر المختلفة.

وإضافة إلى أهميتها في المنهجية الصحفية، فإن لمسألة المصادر أهمية  قصوى في استقلالية الصحفيين، ولعل تعامل الصحافة مع المصادر يمثل أهمّ مؤشر على نزاهة الصحافة واستقلاليتها عن السلطة السياسية وعن كل أنواع السلطات والتزامها بالأخلاقيات والمعايير المهنية.

الإفراط في المصادر المجهولة

لا يمكن للمتابع للصحافة التونسية ألاّ يلاحظ الاعتماد اليومي والمتواتر على المصادر المجهولة التي تتجلّى في شكل عبارات من نوع "مصادر موثوقة" أو "مصادر مطلعة" أو حتى "مصادر" دون أي إشارة إضافية أخرى.

والمصادر المجهولة (أي التي لا يتمّ ذكرها بشكل صريح) تُستخدم في كل المجالات سواء أكان الخبر مهمًا أو عاديًا، ونلاحظ أن هذه التقارير موجودة على وجه الخصوص في الصحافة المكتوبة والإلكترونية، ونادرًا ما نراها في نشرات الأخبار الإذاعية والتلفزيونية.

في المقابل، نرى في كثير من الأحيان المعلّق أو "الكرونيكور" في البرامج الحوارية الإخبارية يؤوِل الأحداث ويحللها بالاستناد أحياًنا إلى "مصادره الخاصة" مما يعزز، في نظره، من بريقه لدى الجمهور العريض.   

ماذا تقول المعايير المهنية عن استخدام المصادر المجهولة؟

لكن قبل أن نواصل في فهم مشكلة المصادر في الصحافة التونسية، علينا أولًا أن نتعرف على المعايير التي وضعتها المهنة في هذا الخصوص. ففي ميثاق شرف المهنة للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، نجد مبدأ واحدًا صريحًا يتعلق بالمصادر يقول إن "الصحفي يحترم السر المهني ويرفض الإدلاء بمصادر معلوماته"، كما نجد مبدآ آخر يؤكد على حق الصحفي في النفاذ إلى المعلومات (المبدأ الأول من الميثاق).   

وتؤكد النسخة المحينة من ميثاق الإتحاد الدولي للصحفيين على أن الصحفي لا ينقل إلا الوقائع التي تأكّد من أصالتها والتي يعرف مصادرها (أي أن مصادرها معلومة مما يعني عدم نقله للإشاعة مثلًا). كما لا يستخدم الصحفي الطرق غير المشروعة أو غير الشريفة للحصول على المعلومات، كما يحمي الصحفي مصادره بالنسبة للمعلومات التي تحصل عليها بطريقة سريّة (لكن شريفة). ويتحمّل الصحفي مسؤولية ما ينشره ولا يمكن له أن يتبرّأ من المعلومات الخاطئة باسم مقتضيات الفورية أو  السبق.

تؤكد النسخة المحينة من ميثاق الإتحاد الدولي للصحفيين على أن الصحفي لا ينقل إلا الوقائع التي تأكّد من أصالتها والتي يعرف مصادرها ولا يستخدم الطرق غير المشروعة أو غير الشريفة للحصول على المعلومات

ونقرأ في ميثاق الجمعية الأمريكية للصحفيين المحترفين (SPJ) أن الصحفيين يوظفون المصادر الأصلية كلما كان ذلك ممكنًا، كما يقومون بتشخيص مصادرهم بشكل واضح للجمهور الذي له الحق في المعلومات لتقييم مصداقية المصادر ودوافعها. ونجد المبدأ نفسه تقريبًا في ميثاق نقابة الصحفيين الفرنسيين الذي يؤكّد على أن للجمهور الحقّ في معرفة المصادر لتقييم خبرتها ومصداقيتها ودوافعها.

والأهمّ من هذا كلّه تضع كل هذه المواثيق شروطًا صارمة لعدم ذكر المصدر ومنها حسب الميثاق الأمريكي لزوم التأكد من دوافع المصادر قبل الوعد بعدم ذكرها، كما يجب حصر إخفاء المصادر في ما يمكن أن يواجهوه من مخاطر، وهذا مبدأ أساسي تؤكد عليه الكثير من المواثيق، ومن هذه المخاطر الطرد من العمل أو تهديدات أخرى تتعلق مثلًا بالسلامة الجسدية.

ويؤكد ميثاق التلفزيون الفرنسي العمومي على أن المصادر المجهولة تسند فقط عندما يكون للخبر أهمية ويخدم الصالح العام، ويعلم الصحفي بذلك رئيس التحرير في كل الأحوال. ويؤكد الميثاق أن شخص ما لا يمكن أن يطالب بعدم ذكر هويته عندما يتعلق الأمر بإطلاق اتهامات  ضد أشخاص آخرين (الصفحة 54 من ميثاق التلفزيون العمومي الفرنسي).

اقرأ/ي أيضًا: ما هي أخلاقيات الصحفيين التونسيين؟

تونسيًا، يؤكد ميثاق إذاعة "موزاييك أف أم"، وهو أول ميثاق تحريري وأخلاقي في الصحافة التونسية، في مبادئه وبصفة صريحة على أهمّية المصادر وفق المعايير المهنية . وجاء في الفصل السابع من الميثاق: "تلتزم موزاييك أف أم بأخلاقيات المهنة وباستخدام الأساليب الحرفية  للحصول على المعلومة والتعامل مع مختلف مصادر المعلومة بنزاهة. كما تؤكد على نسبة التصريحات والمعلومات إلى مصدرها والعمل على عدم إخفاء المتحدثين الرسميين ما لم يطلب المصدر ذلك وعليه تبرير ذلك". ويشير نفس الميثاق إلى أن عدم ذكر المصدر مرتبط بالأخطار التي يمكن أن يتعرض إليها وفي هذه الحالة يستخدم الصحفيون عبارة "مصدر طلب عدم الكشف عن اسمه".

وفي المدونة التحريرية للتلفزة التونسية، ورد أنه لا يحق للصحفي أن ينسب المعلومات إلى مصادر مجهولة على غرار "صرّح مصدر موثوق به"، أو "مصدر حكومي"، أو قالت "مصادر مطّلعة"  بل يجب أن يكون المصدر واضحًا لدى الجمهور ولا لبس فيه، وذلك إضافة لتضمن هذه المدونة  لتعليمات أخرى صارمة جدًا في هذا المجال.

وفي الميثاق التحريري لإذاعة "الديوان أف أم"، نجد أيضًا عدة مبادئ ذات علاقة بالمصادر كحماية السر المهني واستخدام الطرق المشروعة للحصول على المعلومات وعدو دفع أموال للحصول على المعلومات.

ما تفسير الإفراط في المصادر المجهولة؟

إن السؤال إذًا هو التالي: ما الذي يجعل من الصحافة التونسية تعتمد بشكل مفرط على المصادر المجهولة رغم أن المعايير المهنية وضعت شروطًا صارمة عند استعمالها؟ فهل هذا الاستخدام المفرط مرتبط بمحدودية المعرفة بفلسفة المصادر لدى بعض الصحفيين وبمعايير المهنة وقد يكون ذلك مرتبطًا بتدريس هذه المادة في معهد الصحافة أو بمكانة النقاش المهني الداخلي في المؤسسات الصحفية حول هذه المسألة بالذات؟ وهذه الفرضية الأولى.

ولكن ألا يمكن تفسير الاستناد المفرط إلى المصادر المجهولة برغبة بعض الصحفيين (أو بعض الصحف أو المواقع) في الظهور بمظهر الصحفي ذي شبكات العلاقات الممتدة والعميقة في أوساط السياسيين ولدى أصحاب النفوذ الذين يغذون الصحفي بالأخبار الحصرية؟ وهي الفرضية الثانية. أم أن الأمر يعود إلى تقاطع مصالح المصادر ومصالح الصحفيين أو المؤسّسات الصحفية، ويمكن أن تكون هذه المصالح المشتركة مالية أو سياسية أو إيديولوجية تجعل من الصحافة مسلكًا لترويج الأخبار وتسريبها في الصحافة تحت غطاء المصادر المطلعة؟

هل أن كتمان "السرّ المهني" حق يجيز كل شيء؟

لا نجد في الميثاق شرف الصحفيين التونسيين سوى مبدأ واحد يتعلّق بالمصادر يقول إن "الصحفي يحترم السرّ المهني ويرفض الإدلاء بمصادر معلوماته"، وقد يكون الصحفيون ورؤساء التحرير يفسّرون الحق في كتمان السرّ المهني على أنه جواز بلا حدود إلى إخفاء المصادر في كل الأحوال حتى ولو كانت تلك الأخبار عادية جدًا لا تحتاج إلى إخفاء مصادرها.

الواضح أن نظرة الصحفيين التونسيين السائدة للصحافة ترى في التكّتم على المصادر مبدأ أساسيًا من مبادئ الصحافة وحقًا أساسيًا من حقوق الصحفيين يمارس بلا حدود أو استثناءات

اقرأ/ي أيضًا: المفارقة التونسية: هل الصحفيون التونسيون أحرار حقًا؟

والواضح أن نظرة الصحفيين التونسيين السائدة للصحافة ترى في التكّتم على المصادر مبدأ أساسيًا من مبادئ الصحافة وحقًا أساسيًا من حقوق الصحفيين يمارس بلا حدود أو استثناءات. وقد يكون هذا الاستخدام المفرط نتيجة محدودية المعرفة بالمعايير الدولية والمهنية والأخلاقية خاصة وأن ميثاق النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين لا يتحدث عن مسألة شفافية المصادر، في حين نرى العديد من المواثيق تؤكد على المبدأين في الوقت ذاته، اعتماد مبدأ شفافية المصادر كقاعدة عامة من جهة أولى، وكتمان السر المهني عندما يكون ذلك ضروريًا من جهة ثانية.

والمتابع للنقاشات المهنية للصحفيين أو تعليقاتهم على شؤون المهنة لا يرى اهتمامًا بمسألة شفافية المصادر وضرورتها، مما يدفعنا إلى الاعتقاد بمحدودية المعرفة بالمعايير الدولية المهنية التي تؤكد كلّها على أن المصادر المجهولة تمثل استثناءً، خاصة وأن عددًا من الصحفيين لم يتخرجوا من معهد الصحافة ولم يتعرضوا إلى المعارف الخاصة بالأخلاقيات المهنية. 

الصحفي صاحب العلاقات الشبكية

بينت أحداث "الوعكة الصحفية" التي تعرض إليها رئيس الجمهورية وأحداث أخرى كذلك أن بعض الصحفيين يبحثون على الظهور بمظهر من يملك شبكات ممتدة مع الفاعلين السياسيين وفي أوساط أصحاب النفوذ مما يجعله يكتب بكل ثقة في النفس "أخبار شبه مؤكدة عن وفاة الرئيس"!

بينت أحداث "الوعكة الصحفية" التي تعرض إليها رئيس الجمهورية وأحداث أخرى كذلك أن بعض الصحفيين يبحثون على الظهور بمظهر من يملك شبكات ممتدة مع الفاعلين السياسيين ومع أوساط أصحاب النفوذ 

لقد كان الصحفي قبل الثورة مجرد ناقل للأخبار الرسمية التي تصدرها المؤسسات المخول لها ذلك مما يفسر مثلًا أننا لم نكن نرى في الخطاب الصحفي إلا نادرًا جدًا تعبيرات من نوع مصادر مطلعة. أما بعد الثورة، انتهت هذه العلاقة القائمة على التبعية، وحاز الصحفيون على إمكانات التحقيق وحريات النشر.

هكذا تطورت تدريجيًا خصال رمزية جديدة يمكن أن يتمايز بها الصحفيون عن بعضهم البعض، فشتان، في المخيال الصحفي، بين الصحفي الناقل للأخبار التي تأتيه عبر المسالك المعلومة كالبلاغات الصحفية أو تغطية الندوات الصحفية أو التصريحات، والصحفي القادر على  الحصول على معلومات حصرية من مصادر خفية مما يجعل منه متفوقًا على زملائه بما أن "المصادر الموثوقة" تثق فيه وتبلغه قبل زملائه بالمعلومات الحصرية.      

الخبر مجهول المصدر مؤشرًا على علاقة زبائنية بين الصحافة والمؤسسات

يمكن أن يكون الاستخدام المفرط للأخبار ذات المصدر المجهول تفسيرًا ثالثًا قد يكون الأقرب إلى الواقع، فالأخبار التي مصدرها مجهول تمثل، في هذا الإطار، وسيلة من وسائل تبادل المصالح بين المؤسسات الصحفية والصحفيين من جهة أولى، والفاعلين السياسيين على وجه الخصوص من جهة ثانية.

يستعمل المصدر المؤسسي المعلومات الحصرية كهدية يهبها إلى المؤسّسات الصحفية المتعاونة والصديقة، فيضمن لها سلعة يمكن أن تتمايز بها عن منافساتها في سوق الأخبار ويضمن كذلك ولاءها وانضباطها

وتعتمد بعض المؤسسات أو الفاعلين السياسيين على استخدام الصحافة لتحقيق مآربهم الاتصالية عبر إدارة ذكية للخبر الحصري أو لنفاذ الصحفيين للمعلومات الخاصة بمؤسّساتهم عبر بناء علاقة زبائنية بين المؤسسة الصحفية والمصدر المؤسسي وبين الصحفي. ويستعمل المصدر المؤسسي المعلومات الحصرية كهدية يهبها إلى المؤسّسات الصحفية المتعاونة والصديقة، فيضمن لها سلعة يمكن أن تتمايز بها عن منافساتها في سوق الأخبار ويضمن كذلك ولائها وانضباطها.

استخدمت النقابات الأمنية هذه الطريقة للحصول على ظهور جيد للقوات الأمنية خاصة لدى المراسلين والصحافة الجهوية. إذ تقدّم النقابات الأمنية المعلومات الحصرية عن "النجاحات الأمنية اليومية" في شكل  أخبار عن مصادر أمنية مطلعة. وتجد الصحافة الجهوية في هذه المعلومات مادة إخبارية ذات علاقة بالشأن المحلي القريب، في حين تؤمن قوات الأمن حضورًا في الميديا لـ"نجاحاتها" فتستفيد اتصاليًا من هذه العلاقة. لكن تراجعت هذه الظاهرة بشكل كبير عندما طورت وزارة الداخلية إستراتيجيتها الاتصالية، وأصبحت تنشر بشكل فوري، كما تراجعت بشكل كبير قدرة النقابات الأمنية على الترويج لأخبار العمليات الأمنية في الصحافة الجهوية على وجه الخصوص.

الخبر مجهول المصدر مؤشرًا عن تعاظم إستراتيجيات خفية للتلاعب بالأخبار

لنتصور هذه الحالة مثلًا: يتصل الملحق الصحفي بالصحفي لإعلامه بأن مؤسسته تعتزم  إعلان قرارات ما  ويطلب منه نشر الخبر دون ذكره، فيقوم الصحفي بذلك دون أن يدرك أنه يستخدم كوسيلة لنشر أخبار لم يتأكد منها بنفسه وأنه اُستعمل فقط للتعرف على ردود فعل الناس مع الخبر ولحماية المصدر من المساءلة عندما لا يتم التأكد من الخبر. في هذه الحالة، يكون الصحفي قد خدم مصلحة المصدر ولم يخدم مصلحة الجمهور لأنه نشر أخبارًا لم يتحقق منها بنفسه بشكل مهني، وتحول إلى وسيلة لصالح المصادر الخفية التي تسعى إلى التلاعب بوساطته  بالأخبار. وفي أحيان أخرى، ثمة توافق ما بين المؤسسة الصحفية أو الصحفي والمصدر المؤسسي بسبب تقارب المصالح مهما كانت.

وفي كل الأحوال، أصبح الإفراط في استخدام الأخبار المجهولة المصدر مؤشرًا على أن الصحافة التونسية يمكن أن تتحول إلى علبة سوداء يوظفها السياسيون والمؤسسات بأنواعها المختلفة للتلاعب بالأخبار ولتنفيذ إستراتيجيات الاتصالية الماكرة والخفية والمخاتلة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل للصحافة الاستقصائية مستقبل في تونس؟

الصحافة التونسية أمام امتحان "الشعبوية"