هل للصحافة الاستقصائية مستقبل في تونس؟

هل للصحافة الاستقصائية مستقبل في تونس؟

تقوم الصحافة الاستقصائية أكثر من بقية أشكال الصحافة على الحقيقة كقيمة عليا (Getty)

 

منذ أن أثارت قضية وثائق بنما "Panama papers" جدلًا كبيرًا في الأوساط السياسية وفي الميديا، أصبح التونسيون يسمعون كثيرًا عن الصحافة الاستقصائية وأدوارها في الكشف عن الفساد أو عن أسرار الحياة السياسية. وقد قدمت بعض البرامج نفسها على أنها تجسيد للصحافة الاستقصائية بامتياز، في حين يصف بعض الصحفيين أنفسهم بأنهم رواد الصحافة الاستقصائية في تونس.

اقرأ/ي أيضًا: في أزمة الصحافة التونسية أو احتضارها..

سياق جديد أتاح تطور الصحافة الاستقصائية

في تونس، تنشأ الصحافة الاستقصائية وتتطور في سياق مخصوص وموات يريد فيه الصحفيون كأفراد وكمهنة التحرّر من التبعية للسلطة ومن الخضوع إليها لعقود طويلة. هكذا تشكّل بريق الصحافة الاستقصائية المؤثر على قطاعات من الصحفيين والصحفيات الشباب على وجه الخصوص الذين يريدون التمايز عن الصورة النمطية للصحفي فوجدوا في الصحافة الاستقصائية ضالتهم.

تجسد الصحافة الاستقصائية مثل الصحافة الكبرى سلطة تراقب السلطات الأخرى وتحاسب السياسيين وأصحاب النفوذ. كما أنها تجسّد الصور (النمطية أحيانًا) المتداولة عن الصحافة باعتبارها مهنة المتاعب وعن الصحفي باعتباره فارس الكلمة الحرة والمغامر في المناطق الوعرة المظلمة التي تشكلها الحياة السياسية على وجه الخصوص.

كما أن السياق السياسي الجديد اتسم بتكريس حريات التفكير والتعبير والصحافة، إذ يوفر كل من الدستور والقوانين الجديدة على غرار المرسومين 115 و116 حماية للصحفي عبر ضمان حماية مصادره ونفاذه إلى المعلومات.

 تجسّد الصحافة الاستقصائية الصور المتداولة عن الصحافة باعتبارها مهنة المتاعب وعن الصحفي باعتباره فارس الكلمة الحرة والمغامر في المناطق الوعرة المظلمة التي تشكلها الحياة السياسية على وجه الخصوص

ويتسم هذا السياق أيضًا إضافة إلى هذه القوانين الجديدة، بتمثلات (أو بتصورات) جديدة للصحافة لدى الصحفيين أو أحيانًا لدى الجمهور، ترى في الميديا والصحافة والصحفيين آلية أساسية من آليات مساءلة السلطات السياسية. ففي استطلاع رأي أنجزته مؤسسة "بي بي سي ميديا أكشن" (BBC media action)، نُشر في سبتمبر/أيلول 2013، اعتبر أكثر من نصف التونسيين أن الميديا التقليدية (الإذاعة والتلفزيون والصحافة المكتوبة) تمثل آلية أساسية من آليات مساءلة ومحاسبة السياسيين أكثر فعالية من القضاء.

ومن الأسباب الأخرى التي شجعت على تنامي الصحافة الاستقصائية، البرامج التدريبية التي وضعتها منظمات دولية (على غرار شبكة "إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية" -أريج- التي تعتبر أكثر المنظمات نشاطًا) أو منظمات وطنية على غرار الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد مثلًا بالشراكة مع مؤسسات وطنية أو دولية. كما يجب أن نذكر أيضًا طموح صحفيين بادروا فرديًا في إطار مبادرات شخصية.

ما هي الصحافة الاستقصائية ولماذا يجب أن نميزها عن "صحافة التسريبات"؟

نرى في الصحافة التونسية أحيانًا تحقيقات حول بعض الشخصيات أو المؤسسات منها ما يتعلق بالفساد، لكن نلاحظ أحيانًا أن هذه التحقيقات ليست سوى إعادة نشر لملفات قد تلقاها الصحفي وقام بإعادة نشرها. وعلى هذا النحو، من المشروع وسم هذا النوع من الصحافة بـ"صحافة التسريبات" لسببين أساسين، أولهما لأن الصحفي لم يتحرّ بنفسه في المعطيات التي تلقاها من المصادر بل اكتفى بإعادة نشرها، وفي هذه الحالة تحول الصحفي بشكل إرادي أو غير إرادي إلى مجرد ناقل لمعلومات ولمعطيات في إطار إستراتيجية معينة. أما السبب الثاني فهو أن الصحفي في هذه الحالة لا يسعى إلى تحقيق غاية متصلة بالحقيقة وفق أجندة خاصة به أي أجندة صحفية، فالصحفي ليس في كل الأحوال واسطة أو "أنبوبًا" بين المؤسسة التي تقوم بالتسريب والجمهور.

تتمثل الصحافة الاستقصائية في عرض المعلومات والقصص المخفية أو التي تسعى جهات أو مؤسسات ذات سلطة أو نفوذ لإخفائها بشكل أو بطريقة ماكرة أو إرادية 

إن الصحافة الاستقصائية كما يعرفها مارك لي هانتر (Mark Lee Hunter)، وهو من أكبر المختصين فيها وصاحب كتاب "التحقيق بواسطة الفرضيات"، تتمثل في عرض المعلومات والقصص المخفية أو التي تسعى جهات أو مؤسسات ذات سلطة أو نفوذ لإخفائها بشكل أو بطريقة ماكرة أو إرادية .

 فالريبورتاج التقليدي (أو المتعارف عليه) أو التغطية الإخبارية العادية تقوم على المعطيات والمعلومات التي توفرها المصادر المؤسسية (أحزاب/ مؤسسات عمومية/ جمعيات/ شخصيات سياسية) بطريقة طوعية في شكل بيانات أو بلاغات أو ملفات صحفية أو حوارات صحفية وفي مواد مطبوعة ومرئية أو مسموعة. وبمعنى لآخر، الصحافة الاستقصائية هي نوع من الصحافة تقوم على معطيات ومعلومات جمعها الصحفي بنفسه في إطار إستراتيجية خاصة به وضعها لنفسه غايته في ذلك السعي إلى كشف الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة حتى وإن كان ذلك في إطار التزامه بمكافحة الفساد.

الصحافة الاستقصائية.. صحافة الحقيقة بامتياز

تقوم الصحافة الاستقصائية أكثر من كل أنواع "الصحافات" الأخرى على الحقيقة وعلى الشغف بها والبحث عنها والسعي إليها. فالصحفي الاستقصائي هو صحفي ملتزم بقيم الصحافة الأساسية وقيمتها الأولى هي الحقيقة، وهو ملتزم بقضية ما يسعى إلى التحقيق فيها لكشفها ليس كما يريد أصحاب النفوذ والسلطات المختلفة الكشف عنها، خاصة أنه عادة ما تكون هذه القضية مرتبطة بالفساد وبالأوساط الحكومية أو السياسية.

ولهذا السبب توصف الصحافة الاستقصائية بأنها صحافة بطيئة تعتمد على التوثيق الصارم للمعطيات لأن هذه المعطيات التي يجمعها الصحفي تحتاج إلى التحقيق والتحرّي. إذ تقوم المنهجية التي يستخدمها الصحفي على الصرامة والتحقق من المعطيات، فالأمر لا يتعلق بإطلاق الاتهامات جزافًا دون حجج ثابتة. 

 توصف الصحافة الاستقصائية بأنها صحافة بطيئة لأنها تعتمد على التوثيق الصارم للمعطيات وعلى التحقيق والتحري دون تلاعب بالحقائق

يؤكد مارك لي هنتر أن الصحفي الاستقصائي يستند إلى وقائع موضوعية لا يمكن أن يرقى إليها الشك والتي لا يمكن لإنسان عاقل أن يرفضها، لكن هذه الوقائع لا تعرض فقط لغاية الإخبار كما هو الحال في الصحافة الإخبارية العادية بل إلى "تغيير العالم" بواسطة الصحافة. فالصحفي الاستقصائي لا يتلاعب بالحقائق بل هو يعمل على الكشف عن الحقائق ونشرها لتغيير العالم. هكذا يمثل التحري مرحلة أساسية في الصحافة الاستقصائية، لان الصحفي لا ينقل ما يتوصّل به من وثائق ومعلومات ويعيد نشرها كما هي وكأنه ساعي بريد.

ويتعاطى الصحفي مع الوقائع كما هي حتى ولو كانت لا تعجبه ولا يستسيغها، إذ لا يجب التعامل مع الوقائع بطريقة انطباعية وذاتية، ولا يمكن للصحفي أن يخفي الوقائع لأنها لا تعجبه  فيتخلص منها. ويقبل الصحفي بأن يكون مخطئًا وأن يغير منطلقاته أو الفرضيات التي يشتغل عليها، فالغايات الذاتية التي تحرك الصحفي كالكشف عن الفساد وتغيير العالم لا تتناقض مع موضوعية المنهجية ومصداقيتها ونزاهتها وعدم إخضاعها للأهواء والنزوات الذاتية، لأن بكل بساطة الغاية النبيلة لا تبرر التخلي عن المبادئ المهنية.

ولهذا التأكيد على مسائل الموضوعية واحترام الوقائع أهمية بالغة في الصحافة التونسية لأن بعض الصحفيين لا يميزون بين الانخراط الذاتي والالتزامات الذاتية وبين مقتضيات المحافظة على صرامة المنهجية الصحفية التي لا يمكن أن نطوّعها لصالح الغايات الذاتية حتى ولو كانت الغايات تتعلق بالكشف على الفساد.

الصحافة الاستقصائية مبتكر جديد في الحقل الصحفي

من هذا المنظور، تمثل الصحافة الاستقصائية نوعًا جديدًا من الصحافة ليس لأنها حظيت باهتمام كبير في الأوساط الصحفية وبدعم المنظمات الدولية العاملة فقط، بل لأنها تمثل أيضًا مبتكرًا تحريريًا أو شكلًا جديدًا من ممارسة الصحافة أيضًا يتعارض مع النماذج السائدة للصحافة: نموذج "صحافة النقل" و"صحافة التبليغ" التي تقوم على نقل المعطيات والمعلومات من مصادرها المؤسسية دون التحري فيها وذلك بسبب السياق المؤسسي الذي يعمل فيه الصحفيون مما يعزّز من ارتباط الصحفيين بالمصادر المؤسسية.

اقرأ/ي أيضًا: المفارقة التونسية: هل الصحفيون التونسيون أحرار حقًا؟

كما تختلف عن نموذج "صحافة الرأي" الذي يكون فيها الصحفي أو "الكرونيكور" موجهًا  للجماهير أو المعلم أو قائد الرأي أو "الكرونيكور". إن هذا النوع من الصحفيين هو الذي يحتكر اليوم في تونس ما يمكن أن نسمّيه "الجاه المهني" أي الأجور العالية والظهور المستمر والاعتراف الاجتماعي أحيانًا. في المقابل، إن نموذج الصحافي الميداني الذي تحيل عليه الصحافة الاستقصائية والذي يقوم عمله على الاستقصاء والتحقيق وجمع المعلومات والتحري فيها وجمعها في شكل قصة صحفية، لا يزال نموذجًا هامشيًا لم يترسّخ بعد على عكس ما  نراه في سياقات أخرى (في فرنسا أو في الولايات المتحدة مثلًا).

مبادرات الصحافة الاستقصائية

تعمل أطراف عديدة على تطوير الصحافة الاستقصائية، إذ انخراطت بعض مؤسسات الميديا في مبادرات على غرار وكالة تونس أفريقيا للأنباء (الوكالة الرسمية) التي أحدثت وحدة خاصة بهذا النوع الجديد من الصحافة وقد أنتجت عددًا لا بأس به من التحقيقات الاستقصائية. كما انخرطت بعض المؤسسات الصحفية على غرار جريدة "أخر خبر" في السنوات الأولى بعد الثورة في تطوير الصحافة الاستقصائية خاصة في مجال الإرهاب لكن التجربة لم تستمر.

ويمكن أن نقول إن مواقع ما يسمّى الصحافة البديلة على غرار موقعي "نواة" و"إنكيفادا" هما اللذان طورَا حقًا الصحافة الاستقصائية والتحقيقات العميقة بشكل عام. وتتوفر للموقعين شروط عديدة من تلك التي يجب أن تتوفر حتى تصبح الصحافة الاستقصائية ممكنة: الاستقلالية عن الفاعلين السياسيين والاقتصاديين ومراكز النفوذ في تونس، والوقت الضروري لإنجاز مثل هذه التحقيقات، والإمكانيات المادية أيضًا التي تسمح بتخصيص صحفيين لهذا الموضوع.

لا يزال نموذج الصحافي الميداني الذي تحيل عليه الصحافة الاستقصائية نموذجًا هامشيًا لم يترسّخ بعد في تونس

من الأمثلة التي تستحق الذكر، يمكن أن نشير إلى التحقيق الذي أنجزه موقع نواة حول  قضية البنك التونسي الفرنسي الذي اشتغل عليه لمدة ثلاثة أشهر أكثر من 3 صحفيين لكن التحقيق الاستقصائي رغم خطورة المعطيات التي تضمنها فإنه لم يؤد إلى نتيجة حاسمة على المسار القضائي. لكن المثال الأكثر دلالة في مجال الصحافة الاستقصائية هو سلسلة التقارير الاستقصائية (6 تقارير) التي أنجزها موقع "إنكيفادا" حول ما يسمّى "أوراق بنما" في إطار التعاون مع المجمّع الدولي للصحفيين الاستقصائيين وشركاؤه، وقد تحصل العمل على وثائق بنما على المستوى العالمي على جائزة بوليتزر العالمية. ومن التحقيقات الأخرى التي نشرها موقع "إنكيفادا"، نجد التحقيق حول "سويس ليكس" (Swiss leaks) المعدّ من طرف الصحافة الدولية وموقع "إنكيفادا" في تونس.

وتتمثل فرادة التحقيق حول "أوراق بنما" في النتائج التي نجمت عنه، فهي من التحقيقات النادرة التي نتج عنها فتح تحقيق برلماني في القضية عبر لجنة التحقيق حول موضوع الفساد المالي والتهرب الضريبي، كما تعرض موقع "إنكيفادا" إلى القرصنة.

صحافة استقصائية بلا صحفيين

الصحافة الاستقصائية في تونس لا يمارسها الصحفيون فقط ولكن أيضًا بعض منظمات المجتمع المدني على غرار منظمة "أنا يقظ" التي شملت تحقيقاتها الاستقصائية عدة مجالات ومؤسسات وشخصيات من سياسيين ونقابيين ومؤسسات عمومية أو حتى اتحادات كروية على غرار الجامعة التونسية لكرة القدم، عدا عن قطاع الصحة وشخصيات إعلامية مثل نبيل القروي.

ويعود تنوع المواضيع التي تناولتها منظمة "أنا يقظ" إلى أن مثل هذه المنظمات لعدم خضوعها  إلى الضغوطات التي يمكن أن يمارسها المشتهرون والمؤسسات الاقتصادية أو القوى السياسية أو الإكراهات المزدوجة السياسي والاقتصادية التي تعيق تطوّر الصحافة الاستقصائية. كما يؤكد تنوّع الشخصيات والمجالات في التحقيقات الاستقصائية للمنظمة توفر شروط الاستقلالية عن مراكز النفوذ السياسية والاقتصادية أو مراكز النفوذ المزدوجة (الاقتصادي السياسي أي تحالف قوى المال والسياسة).

مصاعب الصحافة الاستقصائية

تواجه الصحافة الاستقصائية عدة مصاعب منها ما يفسر محدوديتها، ومن هذه المصاعب أن الصحافة هي عمل جماعي تتطلب شروطًا مؤسسية وموارد بشرية وتكنولوجية ومالية وكفاءة صحفية ومهنية ومنهجية ولكن أيضًا أخلاقيات. إذ دون هذه العناصر مجتمعة، لا يمكن أن نتحدث عن صحافة استقصائية. لكن المؤسسات الصحفية التونسية لا تتوفر لها دائمًا الإمكانيات لإنجاز هذه الصحافة المكلفة جدًا في مستوى الموارد البشرية والإمكانيات المادية.

لا يمكن للصحافة الاستقصائية الطامحة لكشف الحقيقة ومساءلة السلطات السياسية وأصحاب النفوذ أن تتطور في سياق ينقسم فيه الناس إلى معسكرات سياسية وإيديولوجية متضاربة غير قابلة لحقائق مجردة

أما السبب الثاني الذي يفسر محدودية تطور الصحافة الاستقصائية يتمثل في السياق السياسي الذي يتسم بالاستقطاب السياسي والإيديولوجي. إذ لا يمكن للصحافة الاستقصائية الطامحة لكشف الحقيقة ومساءلة السلطات السياسية على وجه الخصوص وأصحاب النفوذ أن تتطور في سياق ينقسم فيه الناس إلى معسكرات سياسية وإيديولوجية متضاربة غير قابلة لحقائق مجردة، يمكن أن تتضارب مع قناعاتها السياسية والإيديولوجية والتي يمكن أن تبرأ الخصم السياسي والإيديولوجي، وحينما يُعتبر أن كل ما لا يتماشى مع هذه القناعات يمثل حقائق مزورة وكاذبة وألاعيب تقوم بها الصحافة لتبرئة هذا الطرف أو ذاك. كما أن التحقيقات الاستقصائية يمكن أن تؤول على أنها حملات تقوم بها المؤسسات ضد أحزاب سياسية مثلًا أو حتى أطراف أجنبية.

اقرأ/ي أيضًا: ما العمل ليكون لنا التلفزيون الذي نستحق؟

ويمكن أن نقول كذلك أن الصحافة الاستقصائية لم تكسب بعد مشروعية لدى الجمهور العريض، وهو ما قد يكون مرتبطًا أيضًا بتراجع الثقة في الصحافة بشكل عام. فهذه الصحافة الاستقصائية تحتاج إلى شروط مجتمعية ومنها على وجه الخصوص مواطنين غير متحزبين يؤمنون بالحقيقة كقيمة عليا.

وفي هذا الإطار، يمثل تحدي الأخلاقيات أهم تحد يمكن أن يواجه الصحافة الاستقصائية التونسية الناشئة ومشروعيتها. ويذكر مارك لي هنتر، المختص في الصحافة الاستقصائية، أن هذا النوع من الصحافة يجب أن يحترم المعايير الأخلاقية الصارمة للمهنة الصحفية ومنها خاصة مصداقية المصادر، ووجوب إسناد المعلومات والمعطيات إلى مصادر واضحة، وأن يتجنب الصحفي الاستقصائي إهانة الناس واللهجة العدوانية. ولهذه المحاذير أهمية خاصة في السياق التونسي التي يمكن أن تتحول فيها التحقيقات في مجال الفساد خاصة إلى مناسبة لتصفية حسابات بدوافع سياسية أو ايديولوجية.       

إعراض الميديا العمومية عن الصحافة الاستقصائية

لعلّ إعراض الميديا العمومية عن الصحافة الاستقصائية هو سبب من الأسباب التي تفسر كيف أن التلفزيون العمومي التونسي لم يطور هذا النوع من الصحافة تفاديًا لهذه التجاذبات رغم أن التلفزيون العمومي كان سباقًا تاريخيًا في تطوير التحقيقات التلفزيونية (برنامج المنظار). إضافة إلى أن التلفزيون العمومي هو أكثر المؤسسات المعنية من جهة إمكانيتها ووظيفتها المجتمعية في تطوير برامج الصحافة الاستقصائية كما تدل كذلك التجارب الميديا العمومية في الدول الديمقراطية.  

إن إعراض الميديا العمومية عن تطوير الصحافة الاستقصائية من الأسباب التي جعلها مبتكرًا هامشيًا في الحقل الصحفي التونسي

إن إعراض الميديا العمومية بشكل عام وخاصة الإذاعة والتلفزيون بشكل خاص عن تطوير الصحافة الاستقصائية هو من الأسباب التي جعلها مبتكرًا هامشيًا في الحقل الصحفي التونسي وحبيسة بعض المواقع غير المؤسسية البديلة على غرار موقعي "انكيفادا" و"نواة".

وفي هذا الإطار أيضًا، يمكن أن نشير إلى ضمور بعض الظواهر المتصلة بالصحافة الاستقصائية أو غيابها أصلًا على غرار ما يسمّى المبلغين "les lanceurs d’alertes" المتعاونين مع الصحافة، لأن هؤلاء المبلغين يمثلون بعدًا من أبعاد البيئة المواتية التي يشتغل فيها صحفيو الصحافة الاستقصائية.  فالكثير من التحقيقات الاستقصائية الكبرى في العالم أُنجزت بفضل المعلومات التي وفرها المبلغون (وآخرها التحقيق الذي أنجز عن فيسبوك). كما لم نرى في تونس مؤسسات صحفية عمومية على وجه الخصوص طورت ما يسمّى منصات التبليغ على غرار المنصة الأوروبية (Source sure) التي أطلقتها مؤسسات صحفية أوروبية.

تطوّر الصحافة الاستقصائية مؤشر على تغير الصحافة التونسية ومؤسساتها

إن غياب الصحافة الاستقصائية في بعض المؤسسات أو محدوديتها مرتبط أيضًا بقدرة الصحفيين على الدفاع عن ممارسات صحافة جدية ومختلفة في مؤسساتهم. وهو ما قد يعود إلى انشغال الصحفيين بالدفاع عن قضايا التشريعات والقوانين وآليات التعديل أي بالتغيير الخارجي على حساب التغيير الداخلي أي إصلاح المؤسسات الصحفية من الداخل.

فالصحافة الاستقصائية مرتبطة على وجه الخصوص بالتغيير الداخلي أو بالإصلاح الخارجي لأن شروط الصحافة الاستقصائية يجب أن تكون داخلية قبل تكون خارجية، ولأن الصحافة الاستقصائية باعتبارها مبتكرًا تحريريًا (نوع جديد من الصحافة) فهي تقتضي أيضًا مبتكرات تنظيمية. 

وفي كل الأحوال، إن تطور الصحافة الاستقصائية، حتى ولو كان محتشمًا، هو مؤشر على صعود الصحفي الميداني المؤمن بقيم السعي إلى الحقيقة والمتحرر من الولاء إلى السلطات على حساب الصحفي "معلم الرأي العام" أو مؤول الأحداث (الكرونيكور) المرتبط بالمصالح الخفية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الصحافة التونسية في "عصر ما بعد الحقيقة".. الهلع (3/1)

الصحافة التونسية في "عصر ما بعد الحقيقة".. التحرّي (3/2)

الصحافة التونسية في "عصر ما بعد الحقيقة".. دفاعًا عن "صحافة الحقيقة" (3/3)