الحداثة في تونس: من يمتلكها؟ وما معنى أن تكون حداثيًا؟

الحداثة في تونس: من يمتلكها؟ وما معنى أن تكون حداثيًا؟

يفاخر التيار البورقيبي بأنه سليل "أب الحداثة" في تونس الحبيب بورقيبة (الشاذلي بن إبراهيم/Getty)

 

"نحن الحداثيون"، "القوى الحداثية"، "مدرسة الحداثة"، مصطلحات تُردد في الإعلام وشعارات ترفعها الأحزاب حينًا وتصطف خلفها في أحيان أخرى في وقت تنسب عائلات فكرية الحداثة لها من باب التركة الحصرية ولعل أبرز مثال على ذلك التيار البورقيبي المفاخر بأنه سليل "أب الحداثة" في تونس الحبيب بورقيبة. لكن في المقابل، تنفي الحركات المحافظة في تونس وعلى رأسها حركة النهضة وصفها بأنها تقليدية خارج الركب الحداثي.

فأي مفهوم للحداثة؟ وهل هي اختيار جماعي أم فردي؟ ومن يمتلكها؟ وهل هي أفكار أم أفعال؟ وهل الجدلية بين الحداثة والتراث في تونس حقيقية أم مفتعلة؟

أسئلة تتبادر إلى الذهن فحاولنا البحث عن إجابة لها عند رئيسة لجنة الحريات الفردية والمساواة بشرى بلحاج حميدة التي توصف بأنها من رائدات التيار الحداثي التونسي، والبرلمانية والقيادية في حركة النهضة يمينة الزغلامي، وأستاذ العلوم السياسية إبراهيم الرفاعي، وأستاذ اللسانيات توفيق قريرة.

اقرأ/ي أيضًا: الاختلاف حول تسمية الأنهج والشوارع في تونس: ترف ثقافي أم معركة سياسية؟

بشرى بلحاج حميدة: بعض الحداثيين لا علاقة لهم بالحداثة

تعتبر بلحاج حميدة في حديثها لـ"ألترا تونس" أن الإشكال الحقيقي يتمثل أساسًا في عدم تحديد مفهوم "الحداثة" حتى نستطيع التمييز بين حداثي ولا حداثي، فقد بقي هذا المفهوم ملتبسًا وازداد غموضًا، وفق وصفها، طيلة السنوات الأخيرة بعد الثورة.

وتقدر أن الحركات المحافظة وتتقدمها حركة النهضة كانت تعتبر الحداثيين "متغربين" منبتين عن جذورهم وأصالتهم ينهلون من فكر مستورد ترفضه، ولكنهم اليوم يحتجون ويرفضون أن ينعتوا بأنهم ضد الحداثة وخارج ركبها بل أثبتوا على أرض الواقع "أنهم حداثيون أكثر من الحداثيين" وفق تعبير رئيسة لجنة الحريات الفردية والمساواة.

بشرى بلحاج حميدة: التجربة التي عاشتها منذ أيام الجامعة الى غاية اليوم أثبتت لي أن الحداثة هي اختيار شخصي وليست فكرًا جماعيًا

وتضرب مثلًا على ذلك دعوة الحركة لمبدأ التناصف في الوقت الذي يرفض فيه نواب من حركة نداء تونس ذلك رغم أنهم يمثلون التيار الحداثي، ولا تنفي بلحاج حميدة دهشتها واستغرابها من مثل هذه المفارقات التي تعتبرها غريبة وعجيبة على حد تعبيرها.

وتقرّ محدثتنا نهاية بالقول "لقد فشلنا كحداثيين وقد رفعنا شعارات لم نطبقها"، وهي تعتبر أن بعض الحداثيين لا علاقة لهم بالحداثة وتدعوهم من أجل العمل على تحديد مفهوم الحداثة الذي بقي فضفاضًا وشعارًا لا أكثر ولا أقل، مضيفة أن التجربة التي عاشتها منذ أيام الجامعة الى غاية اليوم أثبتت لها أن الحداثة هي اختيار شخصي وليست فكرًا جماعيًا.

يمينة الزغلامي: لا يحقّ لأي كان توزيع صكوك الحداثة

في السياق نفسه، تعتبر عضو البرلمان عن حركة النهضة يمينة الزغلامي أن "الحداثة ليست تركة يرثها السياسيون والأحزاب ولا يحق لأي كان أن يوزع صكوك الحداثة ويمنحها لهذا الطرف ويحرم منها الآخر".

يمينة الزغلامي: دستور 2014 عبّد طريق الحداثة

وهي تعرّف الحداثة على أنها فكرة يمتلكها شخص ويقتنع بها وتنعكس في سلوكه وكتاباته ومواقفه، وترى أنها درجات كما الديمقراطية تتمنى الأمم الوصول إلى قممها مشيرة إلى أن كل مجموعة لها رؤية للحداثة تتبناها وتمارسها.

وبينت الزغلامي أن "حركة النهضة بعد صياغة دستور2014 وبعد مؤتمرها العاشر وما أعلنت عنه من رؤى جديدة تكشف أنها في طريق الحداثة محترمة كل الفترات التاريخية التي ساهمت في تشكل النموذج التونسي" معتقدة أن دستور 2014 عبّد طريق الحداثة بعد معارك فكرية جاء التصويت عليه ليفصل ويحسم فيها وفق قولها.

اقرأ/ي أيضًا: في تونس.. صوفيون بربطات عنق

إبراهيم الرفاعي (أستاذ علوم سياسية): لا يمكن نفي الحداثة عن التيارات المحافظة

فيما يعتبر أستاذ العلوم السياسية بالجامعة التونسية ابراهيم الرفاعي أن تقسيم الاحزاب وفق جدلية الحداثي والمتشبث بالتراث تحمل الكثير من الإجحاف على حد تعبيره، قائلًا :"لو أردنا تنسيب الجدلية فعلينا أن نكون دقيقين ونتحدث عن الحداثي المنفتح على التيارات المعاصرة دون أن يتخلى عن التراث كأصل وبين التيار الذي ركز على التراث والأصالة دون أن يرفض الانفتاح".

إبراهيم الرفاعي: تقسيم الاحزاب وفق جدلية الحداثي والمتشبث بالتراث تحمل الكثير من الإجحاف

ويشدد أستاذ العلوم السياسية، في حديثه لـ"ألترا تونس"، على أنه "لا يمكن أن ننفي الحداثة عن التيارات المحافظة في تونس لأن أغلبها وأبرزها حركة النهضة كانت قد عدلت من برنامجها وركزت على مدنية الدولة ومواقفها متحررة وهو ما يجعلها مصنفة على أساس أنها تيار يجمع بين المحافظة على التراث والانفتاح".

ويعتبر أن إسقاط هذه الجدلية على النموذج التونسي هو توظيف إيديولوجي سياسي وليس حقيقة ولا أدل على ذلك، وفق رأيه، من الحوار الوطني فهو "تحالف بين الحداثة المنفتحة على المحافظة والمحافظة المنفتحة على الحداثة"، وقد أثمر أيضًا دستور 2014 الذي يعكس تلاقي وتوافق تياري الحداثة والمحافظة في تونس وفق قوله.

ويعتبر إبراهيم الرفاعي، في ختام حديثه معنا، أن أي حديث يحاول إثارة هذه الجدلية في الانتخابات خصوصًا هو مجرد توظيف سياسي.

توفيق قريرة (أستاذ اللسانيات): يجب تحرير الحداثة من سجنها الأيديولوجي

وان كانت الحداثة محل تنازع سياسي، فان أستاذ اللسانيات بالجامعة التونسية توفيق قريرة يحمّل الإعلام مسؤولية تحول كلمة "حداثة" من مفهوم إلى شعار وهو ما يخرجها عن حقيقتها، وعليه من دور الإعلام، برأيه، العمل على إعادة المفاهيم الى حقيقتها وتوضيحها.

ويعرّف محدثنا الحداثة على أنها "موضع ثقافي وفكري في لحظة معينة بالنسبة إلى لحظة سابقة لها فلا يمكن أن تكون حداثيًا في جميع الأوقات فأنت حداثي لكنك مبني على جملة من المواقف والعقائد".

ويعتبر قريرة، في حديثه لـ"ألترا تونس"، أن اللحظة الحداثية الأولى في تونس وُلدت قبل الاستعمار عندما تقرر أن يصبح التعليم معاصرًا ويخرج من جامع الزيتونة فكانت الحركة التعليمية الحداثية وتزعمها خير الدين باشا وقادت كل برامج التحديث فيما بعد.

توفيق قريرة (أستاذ اللسانيات): الحداثة هي موضع ثقافي وفكري في لحظة معينة بالنسبة إلى لحظة سابقة لها فلا يمكن أن تكون حداثيًا في جميع الأوقات فأنت حداثي لكنك مبني على جملة من المواقف والعقائد

ويرى أن الاحتلال الفرنسي وجد الشعب التونسي في مرحلة حداثية نقدية مهمة بالنسبة إلى الثقافة الزيتونية السابقة وهو مستعد لأن يتلقى حداثتها الفرنسية ولذلك لم تعطه حداثة من عدم كما حدث في الشرق وإنما دعمت خطوته الحداثية.

وبالتالي، فان الحداثة التونسية، بحسب أستاذ اللسانيات، مرت بالخروج من ثياب التقليدية القديمة الثقافية والتعليمية إلى ثقافة عربية وسطية صنعها جامع الزيتونة وأيدها الإصلاحيون والمدرسة الصادقية ثم جاءت فرنسا فكانت ملزمة بتحديث الشعب ولم تكن اختيارًا فلا يمكن للمستعمر أن يقود شعبًا لا يفهمه وبناء على ذلك سعت إلى التحديث في التعليم والإدارة، وفق عرضه. ويشدد، في هذا السياق، على أن التحديث فعل كانت تقوده التربية وأن "الذين يتحدثون اليوم عن حداثة سياسية هم في الحقيقة لا يحترمون التاريخ ولا يقدرون الوقائع حق قدرها".

 ويضيف توفيق قريرة أن اللحظة الثانية في التحديث فهي فترة ما بعد الاستعمار وبروز اتجاهات راديكالية ومعتدلة في مواجهة التيار الاستعماري قائلًا "هناك اتجاهات تريد أن تعود الى العروبة والتشبث بالقومي وهناك اتجاهات تريد التمسك بالإسلام ولكن هنالك اتجاهات أخرى تقول إننا اخترنا التوجه نحو الغرب في اللباس وفي المأكل وفي التعليم ووقع نوع من الصراع لازال مستمرًا إلى اليوم".

ويخلص أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية إلى أن اتهام جماعة لأخرى بالحداثة او بـ"اللاحداثة" واستخدام الإعلام لتغذية هذا التقسيم يغلب عليه سوء النية والأيديولوجيا ولا يعبر عن رؤى ثقافية تؤسس لمجتمع يتوق لمستقبل أفضل. وهو يطالب القوى الوطنية بتحرير الحداثة من سجنها الأيديولوجي وجعلها ملكًا شعبيًا وثقافيًا عامًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الفرنكفونيون في تونس..."أيتام فرنسا"؟ (2/1)

الفرنكفونيون في تونس..."أيتام فرنسا"؟ (2/2)