"فوّهة الحنجرة".. البعد الفني للمقاومة المسلحة زمن الاستعمار

قصائد وأغان وثّقت ملاحم المقاومة المسلحة ضد المحتل الفرنسي (صورة تقريبية /Getty)

 

"الي باع الوطن بيع الشوم..
باعث علينا يلوم..
قال افرحو بمحال ولد الروم..
البي باع الوطن بالتصحيح ..
ماعاد فيه مليح..
والي عينو في الجهاد يصيح.."

قصيدة لشاعر شعبي مجهول قالها بعد إمضاء معاهدة الحماية خلّدت كغيرها من القصائد تراثًا شعبيًا مرتبطًا بفترة حكم البايات أو بمقاومة الاحتلال الفرنسي. قصائد تمنحنا مساحة زمنية استثنائية أسهبت في رسم تفاصيل عاشت فيها بلادنا تاريخًا نضاليًا شعبيًا ودوّنت ما غفل عن ذكره رواة التاريخ.

ومن هنا حاول "ألترا تونس" الغوص في تراث موسيقى المقاومة التي عكست واقع المناضلين ومعاناتهم ولعبت دورًا حاسمًا في إيصال رسائل مشفّرة بينهم.

اقرأ/ي أيضًا: فن الأدبة أو الشعر الملحون التونسي.. ذاكرة شعب للاضمحلال

أغاني البطولة وشحذ همم المقاومين

هناك العديد من الأغاني التي تختزنها ذاكرتنا الشعبية خلّدت معاني البطولة وشحذت الهمم وكانت شوكة في حلق الاستعمار.

يقول الدكتور والكاتب التونسي محفوظ غزال لـ"ألترا تونس"، في هذا الإطار، إن البحث في تاريخ الأغنية التونسية يكشف عن عديد الأعمال التي خلدت بطولات المجاهدين ووثّقت معاركهم، مضيفًا أن الموروث الشعبي على المستوى الشعري هو بمثابة الإعلام اليوم نظرًا لعدم تواجد وسائل إعلام قديمًا، فكانت القصائد تنقل كل ما يقع وتخلّده.

محفوظ غزال لـ"ألترا تونس": الموروث الشعبي على المستوى الشعري هو بمثابة الإعلام اليوم نظرًا لعدم وجود وسائل إعلام قديمًا

ويبيّن محدثنا أن الذاكرة الشفوية كانت نشطة بشكل كبير من خلال اللقاءات التي تقع ليلًا في ما يسمّى بـ"ڨصّار الليل" باللهجة الجنوبية، وهي تعريف لأولئك الذين كانوا يجتمعون ليلًا ويتبارون في إلقاء القصائد وحفظها، حسب تعبيره.

يشير الباحث محفوظ غزال إلى وجود نوعين من القصائد، نوع يتغنّى بالمقاومين "الفلاڨة" ويخلّد مآثرهم ويبثّ روح الحماس لتشجيعهم، ونوع آخر يتمثّل في مقطوعات قصيرة من القصائد المشهورة يردّدها هؤلاء الأبطال لاستنهاض الهمم.

يعدّ شعر المعارك أو "الخطاري" (جمع "خطرة" و"الخطرة" هي المعركة)، من أبرز أغراض الشعر الشعبي، ومن أشهر القصائد تلك التي تغنّت بملحمة المقاوم الفذّ محمّد الدغباجي الذي قاوم جيش الاحتلال الفرنسيّ وبقيت هذه القصيدة في الذاكرة الجماعية تُردّد على الألسن في عديد المناسبات، إذ تقول كلماتها:

"جو خمسة يقصوا في الجرة*** وملك الموت يراجي
ولحقوا مولى العركة المرة*** المشهور الدغباجي"

أغنية إسماعيل الخطاب التي وثقت ملحمة محمد الدغباجي

يتحدّث محفوظ عن هذه القصيدة قائلًا: "صاحب هذه القصيدة مجهول، وقد قيلت خلال معركة مخزن مطماطة وهي من أكثر القصائد التي تردد لأنها تبث القوة في المقاتلين وتحث على مواصلة المسيرة خاصّة وأنّهم يقاتلون ببندقيات بسيطة جيشًا فرنسيًا مدجّجًا بالسلاح".

وفي السياق ذاته، يبيّن المهتم بالتراث كاظم بالحاج حسن في تصريح لـ"ألترا تونس" أنّ هذه القصيدة تندرج ضمن فن "الأبّة والغناية" وهو شعر ملحون دون أيّ أداة موسيقية. وتتضمن القصيدة جزءًا ثانيًا خلّده إسماعيل الحطاب ويعقوب بشيري، في أغانيهم، والمقطع بعنوان "هالخاطرة صارت مكبرها".

مجموعة أخرى من القصائد تحدّثت عن واقع البلاد وأشعرها تلك التي قالها الفيتوري كريش:

"التزت (ضغطت) لمّة شارقة شرڨة بنتان
عليها الواري طال
تعاني مالاثنين
الصاري والمثڨال"

"وصف جميل جدًا استلهم فيه الفيروتي بيئة بدوية وشبّه الأمة بالإنسان الذي يملك "مندرة" حصاد وأراد تصفية التبن من الحب للاستفادة منه لكن الريح أفسدت عملية التصفية وهي إشارة الى أن الأمة تملك محصولًا لكن لم تهبّ الرياح المناسبة بالنصر والسعادة"، هكذا وصف محفوظ غزال هذه القصيدة، مضيفًا أن للشاعر الفيتوري قصيدة أخرى نظمها أيام الحرب وهي من القصائد التي انتشرت وكان لها دور مهم في استنهاض الهمم رغم الانقسام الحاصل بين الحلفاء والمحور، حيث شبّه فيها تونس بـ"البكرة"، وهي أنثى الإبل في المرحلة الأولى من الولادة، حين تكون محلّ صراع  بين جملين داخل القطيع في إشارة للحلفاء والمحور على حدّ قوله.

يعدّ شعر المعارك أو "الخطاري" من أبرز أغراض الشعر الشعبي ومن أشهر القصائد تلك التي تغنّت بملحمة المقاوم الفذّ محمّد الدغباجي الذي قاوم جيش الاحتلال الفرنسيّ 

ويؤكّد محدثنا أن المناضلين كانوا مجبرين على الحديث بالألغاز وهو ما يعرف بـ"المردوم" لما فيه من "ردمان" للمعني، تلافيًا للجوسسة أو كشف مخططاتهم من قبل المتعاونين مع المستعمر آنذاك.

ومن القصائد المشهورة تلك التي نظمت في معركة دوز التي وقعت في الأربعينيات والتي يقول فيها الشاعر:

"وقع ملطم في برج الدولة الفلاڨة دالوه
هاذوكم ڨالو لهاذولا بالسيف نفكوه"

وبرج الدولة حسب محفوظ هو المكان الذي وقع فيه أسر أبناء الفلاڨة وزوجاتهم فقرروا الهجوم وانتصروا فيه انتصارًا كبيرًا.

اقرأ/ي أيضًا: معركة طبلبة 23 جانفي 1952.. حين وقع المحتلّ في كمائن القرية الثائرة

قصائد الوجع والاشتياق زمن المقاومة

إلى جانب القصائد التي وثّقت المعارك وخلّدت الأبطال، نظمت قصائد أخرى وصفت وجع أم أو اشتياق عشيق أو قصص حبّ في زمن الحرب ومن بينها أغنية "الجرجار" التي مازالت تردّد الى اليوم رغم مرور أكثر من 100 عام على تداولها في مختلف جهات البلاد التونسية وتحوّلت إلى أغنية وطنيّة شعبية تقول في مطلعها:

"عالجرجار برّة ويجا وما ترد الأخبار
عالجرجار يا عالم الأسرار
صبري للّه"

أغنية "الجرجار"

يوضح كاظم بالحاج حسن أن هذه القصيدة جاءت على لسان أم مكلومة وحزينة على ابنها المنوبي بن علي الخضراوي (المعروف بـ"الجرجار") الذي حكم بالإعدام شنقًا إلى جانب نخبة أخرى من أحرار تونس عقب أحداث الزلاّج عام 1911.

ويضيف المهتم بالتراث الشعبي أن من أكثر الشعراء شهرة في شعر السجون هو الشاعر قويدر النيغاوي المشهور بقصيدة "ميقودة" وقصيدة أخرى عبّرت عن آلام سجين أيام الاستعمار خانته زوجته مع مدير السجن الفرنسي يقول في مطلعها:

"يافاطمة بعد النكد والغصة *** يدور الفلك ونروحوا للمرسى
يافاطمة بعد النكد والكشرة *** يدور الفلك ونروحوا للدشرة
ونڨابلوا الأحباب آه يا بشرة *** باللي جرى نكافيك ليس ننسى"

ويبيّن بالحاج حسين أن هذه القصيدة تتحدّث عن سجين وقع اعتقاله أيام الاحتلال في الكراكة والحبس الكبير (9 أفريل حاليًا) وكان مدير السجن آنذاك يجلب في كل مرّة سجينًا للاعتناء بحديقة منزله، وعندما كان دور هذا السجين اكتشف خيانة زوجته مع مدير هذا السجن.

وبالإضافة إلى الشيخ العفريت فقد أدى هذه القصيدة، غناءً محمد النوري، الذي يعتبر ''أول من غنّى المزود في التلفزة التونسيّة".

كاظم بالخاج حسين لـ"ألترا تونس": أغنية "يا فاطمة بعد النكد والغصة" عبّرت عن آلام سجين أيام الاستعمار خانته زوجته مع مدير السجن الفرنسي

اقرأ/ي أيضًا: الجرائم الفرنسية ضدّ التونسيين والثأر غير المنسي

ويضيف كاظم بالحاج حسين أن هذه القصيدة هي دليل على زيف تصريحات المغني الشعبي صالح الفرزيط الذي ينسب أغنية "ميڨودة" لنفسه لأنه من خلال المقارنة بين القصيدتين نكتشف أنهما من ميزان "الڨرجيلة" وقد نظمتا بطريقة البيت والعروبي، حسب تعبيره.

ومن القصائد المشهورة التي عبّرت على اشتياق سجين لزوجته زمن الاحتلال، ألقى علينا ناظم بالحاج حسين هذه القصيدة:

"يا لا لا يا لالا لكبيدة وصّى وخلاها وصايا شرعية
ڨلو روّح شور بلادي سلم على المتهومة هذيّة
سلم عالڨد المياس وڨوللها منيش لباس
ناصبين عليا عساس العسكر و البوليسية
سلم على ڨد الياقوت و ڨوللها الكبدة مربوط
يعاني في غصرات الموت وزاد ڨفلو البيبان عليّا
سلم على ڨد الياسمين وڨوللها الكبدة سجين
حكمو عليا بخمسة سنين وميات دينار خطية
سلم على ڨد التفاح وڨوللها ارڨد وارتاح
وڨرب وڨت المرواح وتعود معاك لياليا"

ضرورة حفظ الذاكرة الوطنية لقصائد المقاومة

على صعيد آخر، يؤّكد الدكتور محفوظ غزال على ضرورة استغلال إمكانيات الدولة على مستوى الإعلامية والتطور التكنولوجي في القطاع السمعي البصري لتدوين هذا الموروث، الذي أعتبر أنه بصدد الانقراض ولم يدوّن الكثير منه.

ويضيف أن مواد الذاكرة الشعرية قليلة على عكس شهادات المقاومين الذين سجّل الكثير منهم في معهد التاريخ المعاصر بتونس "لذا من الضروري تسجيل القصائد الشعرية لأنها في غاية من الجمالية ولأنها تمثل الموروث وتمثّل زاوية نظر مختلفة للتاريخ، لأن الشاعر لا ينظر إلى الحدث مثل المؤرخ بل ينظر إليه بشكل مختلف'' على حدّ تعبيره.

يؤّكد محفوظ غزال على ضرورة استغلال إمكانيات الدولة في القطاع السمعي البصري لتدوين الموروث الفني للمقاومة المسلحة التونسية زمن الاستعمار الفرنسي

ودعا غزال وزارة الشؤون الثقافية إلى تدوين هذه القصائد على المستوى السمعي وحفظها في كتب وذلك في إطار مشروع يشغّل أصحاب الشهائد العليا. بينما يرى كاظم بالحاج حسين أن هذا العمل يجب أن يشرف عليه "الصنايعيّة" وأصحاب المجال ويقع توثيقه في عمل أكاديمي كبير يقع بعده إنتاج عرض يضاهي عرض النوبة في ثرائه.

الذاكرة الشعريّة "هي قوة ثقافية مؤثرة ودافع معنوي ضروري ومصدر روحي لا ينضب وهي هو تشكل الجانب الحي من التراث الثقافي الذي يثري الحاضر ويلهمه يطمئن الى ماضيه ويعمل من اجل مستقبله" لذا على كل الفاعلين في المشهد الثقافي إنقاذ هذا الموروث الذي ساهم في تخليد جزء هام من الملاحم والبطولات التونسية في مواجهة الاستعمار الفرنسي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"التهيليم".. سجع رعاة الإبل في الصحراء التونسية

الطاهر بن عمار: موقّع وثيقة الاستقلال الذي غُيبت بصماته