في تونس.. صوفيون بربطات عنق

في تونس.. صوفيون بربطات عنق

الممارسة الصوفية من أقدم الممارسات الطقسية الدينية والاجتماعية في تونس (الشاذلي بن إبراهيم/Getty)

 

صوفيون تونسيون بربطات عنق، هم صوفيون يكسرون الصورة النمطية التي التصقت بأذهاننا التي تقدم الصوفيين كمتقشفين في لباسهم وكلامهم ومأكلهم وميلهم للانزواء والتأمل مه الإفراط في العبادة.

يوجد اليوم صوفيون بربطات عنق يعترضونك في الأماكن العامة بكامل أناقتهم يجلسون في المقاهي ويخوضون في كل المواضيع التي تهم المجتمع، فلا تخالهم بتاتًا من أهل الصوفية ولا تنتبه إلى اختلافهم إلا إذا جلست إليهم وتحدثت معهم.

يوجد اليوم صوفيون بربطات عنق يكسرون الصورة النمطية التي التصقت بأذهاننا التي تقدم الصوفيين كمتقشفين في لباسهم وكلامهم وأكلهم 

اقرأ/ي أيضًا: الصوفية في تونس.. من يستثمر الصراع؟

قد يبدو الموضوع مشوبًا ببعض الغرابة لأنه من الصعب دائمًا على الصعيد النفسي الجماعي الخوض في تعبير تاريخي قديم ألا وهو الصوفية وإخضاعه لمحايثات الآن وهنا.

وأحيانًا قد لا يصدق البعض أن الصوفية تستطيع التجدد ونحن في بداية الألفية الجديدة وفي غمرة ثورات اتصالية وتكنولوجية وعلمية دقيقة. إنها خيوط نسيج معقد تنطوي فيه أبعاد سوسيولوجية ودينية وأنثروبولوجية لتكشف لنا عن خفايا حضارية "بعيدة عنّا وقريبة منّا".

الصوفية في تونس.. مدارس وطرق مختلفة

الفعل الصوفي أو الممارسة الصوفية هي من أقدم الممارسات الطقسية الدينية والاجتماعية في تونس، وقد انتقل التصوف إلى "إفريقية" منذ بواكير الإسلام وتحديدًا بين القرنين الثاني والثالث للهجرة لكنه عرف أوجه منذ القرن الخامس.

ومن أشهر الطرق والأعلام التونسية، نجد "الطريقة القادرية" نسبة إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني (1078 - 1166) وقد أدخلها الى تونس الشيخ محمد المنزلي أصيل منزل بوزلفة، ولها امتداد بالجنوب التونسي وخاصة بجهتي توزر ونفطة. وتوجد أيضًا "الطريقة الشاذلية" نسبة إلى مؤسسها أبو الحسن الشاذلي (1197 ـ 1258) أصيل قرية "شادولا" القريبة من مدينة طبربة، ومن أتباعه الشيخ سيدي علي الحطاب الملقب بـ"بوّاب مكة" وسيدي ماضي بن سلطان وسيدي أحمد زروق، ومن أوراده الشهيرة التي تتلى إلى اليوم في مقامه أعلى مقبرة الجلاز بالعاصمة "حزب البحر" و"حزب الفتح".

 الممارسة الصوفية هي من أقدم الممارسات الطقسية الدينية والاجتماعية في تونس وتنتشر في تونس عدة طرق أشهرها "الطريقة القادرية" و"الطريقة الشادلية" و"الطريقة التيجانية"

ومن أشهر الطرق أيضًا "الطريقة التيجانية" وقد أرساها بتونس الشيخ ابراهيم الرياحي (1766 ـ 1850) وهو من أيمة الزيتونة ورجال الدين المشاهير. كما تعد "الطريقة العروسية" من أشهر طرق التصوف الزهدي التونسي وهي طريقة منسوبة إلى سيدي أحمد بن عروس (1383 ـ 1463) المعروف بـ"أبي السرائر" ومقامه موجود بنهج يحمل اسمه بمدينة تونس العتيقة، وقد نشر هذه الطريقة في تونس وفي ليبيا أحد أشهر مريديه الشيخ سيدي عبد السلام الأسمر المعروف بـ"بابا الأسمر".

وإلى جانب هذه الطرق الشهيرة، تنتشر عشرات الطرق الصوفية الأخرى لها أعلام وأتباع لكنها لم تحظى بالانتشار الكافي والتأثير الكبير على المشهد الاجتماعي في تونس بالرغم من خصوصياتها وتميزها في بعض الأحيان. ومن بين هذه الطرق، توجد "الطريقة المدنية" التي أسسها الشيخ محمد المدني (1888-1959) بقصيبة المديوني بالساحل التونسي، و"الطريقة العيساوية" نسبة لمحمد بن عيسى المغربي (1467-1524) دفين مدينة مكناس، و"الطريقة الإسماعيلية" المنسوبة لأحد علماء الزيتونة الشيخ إسماعيل الهادفي (1917-1994) الذي كان من مريدي محمد مدني، وهذه الطريقة منتشرة تحديدًا بجهة توزر وبقرى في الجنوب التونسي.

عن انخراط الشباب في الطرق الصوفية التونسية

رغم ما يتبادر لذهن البعض عن محدودية انتشار الطرق الصوفية في تونس أو ضمور أغلبها، إلا أن الوميض الصوفي مازال قائمًا في البلاد، إذ مازال ينتشر الشيوخ والمرابطون والزاهدون يمارسون الزهد لكن هذه المرة بأسلوبهم وعلى طريقتهم الحديثة، هم صوفيون تونسيون لكن بربطات عنق.

"ألترا تونس" حاول النفاذ إلى عالم الصوفية في تونس اليوم في زمن الاتصال المعولم والافتراضي ليلتقي بعض ما يمكن وصفهم بـ"الصوفييين الجدد".

مالك الكلاعي، شاب تونسي لم يتجاوز الثلاثين من عمره، اشتغل حديثًا بأحد البنوك التونسية، التقيناه وكان يرتدي بذلة فاخرة وربطة عنق سوداء احتسينا قهوة بكافيتيريا مجاورة لمقر عمله، وكان سريع البديهة عندما فهم تساؤلاتي عن جدوى التصوف اليوم في زمن الحداثة وما بعد الحداثة.

مالك الكلاعي (شاب صوفي): التصوف غير مرتبط بالشكل وبالحداثة لأن المسألة وببساطة دينية وذاتية وأنتمي إلى "الطريقة العروسية" على نفس درب الأجداد

يقول مالك إن عائلته تسكن المدينة العتيقة بالعاصمة التونسية، وأن والده ورث الانتماء للطريقة العروسية وكان يرافقه لحلقات الذكر بمقام "سيدي بن عروس"، وبالتالي فهو يسير على نفس درب الأجداد. وبيّن أنه لازال يشارك إلى اليوم في الخرجة الشهيرة لـ"سيدي بن عروس" معتبرًا ذلك نوعًا من التطهير الداخلي الذي يقوم به رفقة بقية المجموعة المنتمية للطريقة العروسية وذلك حسب مواعيد شهرية وموسمية.

وأشار أن التصوف غير مرتبط بالشكل وبالحداثة لأن المسألة وببساطة دينية وذاتية وفق تعبيره، مؤكدًا أنه يتواصل مع بقية أتباع الطريقة عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي.

أمين لملوم شاب تونس آخر نشاطه الصوفي يتوزع بين ممارسة الشعائر الدينية الواجبة والإيغال في الذكر والزهد والتحلق حول مبادئ "الطريقة الشادلية" نشدانًا للتقوى التي يترجمها في سلوكه اليومي، هكذا بادرنا الشاب طالب الحقوق بالحديث.

يؤكد أمين أن "الصوفية متواصلة ومتطورة فهي تخرج من رحم الإسلام لتدرب الإنسان على المحبة والسلام والسموّ" مؤكدًا أن الصوفية تنبذ العنف بجميع أنواعه. وأشار أن "تونس ستظل صوفية بقاء الإنسان فيها" موضحًا أن هناك أجيالًا جديدة من الصوفيين في تونس وخاصة في الوسط الشبابي.

ينتمي أمين إلى "الطريقة الشادلية" وهي من أشهر الطرق الصوفية في تونس

يؤكد أمين أن "الصوفية متواصلة ومتطورة فهي تخرج من رحم الإسلام لتدرب الإنسان على المحبة والسلام والسموّ" مؤكدًا أن الصوفية تنبذ العنف بجميع أنواعه. وأشار أن "تونس ستظل صوفية بقاء الإنسان فيها" موضحًا أن هناك أجيالًا جديدة من الصوفيين في تونس وخاصة في الوسط الشبابي.

ودعانا محدثتنا إلى لزيارة مقام سيدي بلحسن الشاذلي وحضور حلقات الذكر "حيث الشباب الحداثي والمتطور والمنفتح" وفق تعبيره، وختم حديثه معنا بالتأكيد أن الطرق الصوفية تفسح المجال للشباب وتقدم له مساحات من الحرية وبناء الذات وهو منا لم تستطع الجمعيات والأحزاب السياسية تقديمه وفق قوله.

فريد الأرناؤوط (شاب صوفي): هذا زمن الصوفيون الجدد بياقات وربطات عنق

أما فريد الأرناؤوط، وهو طالب بالمدرسة العليا للتجارة، فقد بادرنا مازحًا بالقول: "هذا زمن الصوفيون الجدد بياقات وربطات عنق" موضحًا أن الصوفية مسألة باطنية يعيشها الإنسان مدربًا روحه وعقله على فهم الوجود وخالقه "إنها بحث عن سكينة الفؤاد الذي لا يكف عن السؤال" كما يقول.

وأشار هذا الشاب العشريني أنه تدرب على هذه المسالك الوعرة في صلب عائلته التي تتخذ من "الشادلية " طريقة منذ زمن الأجداد، وأضاف أنه يصعد هضبة سيدي بلحسن رفقة أفراد عائلته حسب مواعيد محدد لحضور حلقات الذكر "في متعة روحية لا توصف تحولت مع الزمن إلى نوع من الإدمان اللذيذ". وختم حديثه معنا أنه يمارس حياته بشكل طبيعي لكن بتوازنات أخرى وبفهم آخر للحياة نفسها "ولا ضير أن نكون صوفيين بربطات عنق في زمن العولمة وما بعد العولمة" على حد تعبيره.

اقرأ/ي أيضًا: الأولياء الصالحون في تونس.. ذاكرة وطقوس

رئيس اتحاد الطرق الصوفية بتونس: استفدنا من مناخ الحرية بعد الثورة

توجه "ألترا تونس" أيضًا إلى محمد عمران وهو صوفي على "الطريقة القادرية " ورئيس اتحاد الطرق الصوفية بتونس وهو من "أصحاب ربطات العنق" كذلك.

أكد، في بداية حديثه، على عراقة الممارسة الصوفية في تونس مؤكدًا على أدوارها التربوية العامة داخل المجتمع، وكذا إسهامات الطرق الصوفية في النضال الوطني مبينًا أنه تم فتح الزوايا لـ"الفلاقة" (المقاومون المسلحون) لتقدم المعونة للمجاهدين ضد المستعمر الفرنسي.

 محمد عمران رئيس اتحاد الطرق الصوفية بتونس 

أمّا بخصوص الوضع الراهن للصوفية بتونس، يقول محدثنا أنه ومنذ تأسيس اتحاد الطرق الصوفية بتونس بين 2011 و2012، وهو يضم إلى حد اليوم عشر طرق، فالوضع "آخذ في التحسن والتغير وذلك عبر نشر القيم الطرقية وتحديثها باستعمال التكنولوجيات الحديثة قصد الترويج والنشر وبالرجوع إلى الإرث الذي تركه لنا الشيوخ المؤسسين وتلامذتهم الأبرار" وفق قوله.

 وأضاف عمران أن الطرق الصوفية التونسية استفادت من مناخ الحرية الذي توفر بعد الثورة معتبرًا أن الممارسة الصوفية بشقيها الزهدي والتبركي هي "صنو للحرية بل الحرية جوهرها" على حد تعبيره.

محمد عمران (رئيس اتحاد الطرق الصوفي في تونس): عدد الصوفيين وأتباعهم في تونس يفوق 100 ألف شخص أغلبهم من الشباب وهو رقم أغرى عدة أحزاب سياسية لكن القيم الصوفية لا تميل للعمل السياسي

اقرأ/ي أيضًا: بهائيو تونس.. بين تجاهل السلطة والتعايش المنقوص

وأوضح رئيس اتحاد الطرق الصوفية بتونس أن عدد الصوفيين وأتباعهم في تونس يفوق 100 ألف شخص أغلبهم من الشباب، وهو رقم أغرى عدة أحزاب سياسية تونسية في الانتخابات التشريعية والرئاسية الفارطة وفق قوله. وتحدث، في هذا الجانب، عن تعرض الصوفيين إلى موجة من الاستقطاب السياسي والحزبي "لكن القيم الصوفية لا تميل للعمل السياسي بل نحن في حياد تام" على حد تعبيره.

وختم محمد عمران حديثه معنا بأن الصوفية التونسية "مدرسة ضاربة في القدم تحرّض على الصلاح والتقوى والمحبة والسلام والتآخي والتسامح واللين والطهر الروحي وقبول المختلف داخل المجتمع ومعينها الأوحد هما القرآن والسنة النبوية الشريفة".

رشيد القنوني (باحث في الحضارة الإسلامية): الصوفية في تونس مؤثر اجتماعي وخزان انتخابي

مواصلة للنبش حول الصوفية في تونس، اتصلنا أيضًا بالباحث في الحضارة الإسلامية بالجامعة التونسية رشيد القنوني الذي أشار في البداية أن الصوفية الإسلامية لا تنطلق من منطلقات روحانية خالصة مع الانقطاع عما هو دنيوي مؤكدًا أن الصوفية هي سلوك إسلامي أصله مقام الإحسان المفسر نبويًا بـ "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

وأضاف أن الصوفي يمارس حياته الدنيوية بملازمة ما يعتقده إحسانًا في كل شيء، قائلًا إن أغلب الصوفية بمختلف طرقهم وطبقاتهم يعودون الى طريقة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في سلوك حياته ويتصلون به بواسطة صحابته باعتبارهم أوائل الصوفية ولاسيما أبا بكر وعلي.

الصوفية هي سلوك إسلامي أصله مقام الإحسان المفسر نبويًا بـ "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك"

ولكن محدثنا بشير القنوني أكد أنه يخالف الصوفية الفهم "لأن الفترة المحمدية الأولى لم تكن مغرقة في الروحانية بل الخيارات الفلسفية لبعض الطرق فيما بعد هي التي أدت إلى اتجاهات روحية لازمتها عزلة عن الناس وصار بعض أعلامهم يتخذون الرباطات العسكرية مقامات توفر لهم مناخات الانقطاع والتفرغ".

واعتبر أن الصوفية سواءً في تونس أو غيرها من أرض الإسلام ظلت ومنذ نشأتها إلى اليوم تقدم نفسها بأنها "طب للقلوب وإصلاح النفوس وشحذ للعزائم وإقبال على الواجبات" مضيفًا أنه "لا غرابة إذًا أن نجد أغلب علماء الاسلام ينخرطون في التصوف". وأشار، في هذا الإطار، إلى الشيخ ابراهيم الرياحي الذي كان مقربًا من القرار السياسي بتونس، والذي أدخل "التيجانية" إلى تونس، وكذلك الشيخ محمود قابادو الذي اتبع "الطريقة المدنية" وكان مؤثرًا في الحركة الصوفية في تونس، وأيضًا الشيخ محمود السنوسي وهو أحد معاوني الوزير المصلح خير الدين باشا وقد كان على "الطريقة القادرية".

بشير القنوني (باحث في الحضارة الإسلامية): الصوفية في تونس متأصلة ومؤثرة وهي متحركة في التاريخ مثلها مثل المجتمع نفسه

وتحدث الباحث في الحضارة الإسلامية عن فرضية استثمار الحركة الصوفية بتونس بتكتلها العددي كمؤثر اجتماعي أو كخزان انتخابي، معتبرًا إن هذا الاستثمار حدث فعلًا في الانتخابات الرئاسية سنة 2014 حينما طرق بابهم الباجي قايد السبسي وذلك في زيارة لمقام "سيدي بلحسن الشاذلي" بتاريخ 10 ديسمبر/كانون الأول 2014 ملتقيًا ثلة من مشائخ الطرق الصوفية و"يبدو أنه حاول التأثير فيهم حتى يكونوا في صفه".

وأكد القنوني في حديثه معنا أن الصوفية لازالت مستمرة إلى الآن و"ليس غريبًا أن يكون منتسبيها أناسًا عاديين في مظاهرهم وسلوكهم" مؤكدًا أنه لا يوجد لباس بعينه وجب لبسه مثلما هو شائع لدى بعض الحركات الدينية.

وأضاف أن الالتزام السلوكي اليومي للصوفي يتم وفق مقتضيات الطريقة التي ينتمي إليها من أوراد وأذكار وحلقات ذكر، وكذلك وفق التزامات الشبكة الداخلية للطريقة الواحدة أو اتحاد الطرق الصوفية بتونس. وختم أن الصوفية في تونس متأصلة ومؤثرة وهي متحركة في التاريخ مثلها مثل المجتمع نفسه "لأنها نابعة منه وإليه تعود" على حد تعبيره.

 

شاهد/ي أيضًا:

فيديو:الطريقة العيساوية بتونس.. في التقرب إلى الله

فيديو: رنا غورغاني.. إبهار في رقص الدراويش