أيّ هويّة لتظاهرة أيام قرطاج للفنّ المعاصر؟

أيّ هويّة لتظاهرة أيام قرطاج للفنّ المعاصر؟

تتواصل فعاليات أيام قرطاج للفن المعاصر حتى 22 نوفمبر 2019 (رمزي العياري/ ألترا تونس)

 

في اللحظة التي كان فيها وزير الشؤون الثقافية بصدد افتتاح الدورة الثانية لأيام قرطاج للفن المعاصر، مساء السبت 16 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، بأروقة مدينة الثقافة، كان هناك افتتاح آخر لمعرض فني وتشكيلي، وهو الدّورة الأولى لـ"صالون المواهب الشابة " الذي تنظمه نقابة مهن الفنون التشكيلية برواق دار الثقافة بن خلدون، وفي نفس الوقت يستمر معرض "نقطة سوداء" برواق المكتبة السينمائية بمدينة الثقافة ذاتها إلى غاية 23 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري وهو من تنظيم الرابطة التونسية للفنون التشكيلية.

قد تبدو تلك المعارض الحافّة بالحدث الثقافي الرئيسي "أيّام قرطاج للفن المعاصر" ترجمة لحراك فني يشهده قطاع الفنون التشكيلية في تونس في سنواته الأخيرة لكن، وإذا علمنا أن النقابة والرابطة هما شريكان أساسيان في الأيّام فإن القراءة تتغير ويحق لنا أن نتساءل عما يحدث.

"أيّام قرطاج للفن المعاصر"، والتي تتواصل فعالياتها إلى غاية 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، كانت مطلبًا ثقافيًا وطنيًا وحلمًا قديمًا سعت إليه كل العائلة التشكيلية التونسية بمختلف مكوناتها وهياكلها ومدارسها وحساسياتها المتنوعة وشخصياتها الاعتبارية، وانساقت الدولة التونسية وراء هذا المطلب الحيوي ووفرت له من المال العام 500 ألف دينار وكانت الدورة التأسيسية خلال سنة 2018 مفعمة بالأمل والفنّ وتشوّف الأمجاد التشكيلية المستقبلية.

لكن المتأمل لفعاليات الدورة الثانية "لأيام قرطاج للفن المعاصر" - الموزعة على ثلاث فضاءات أخرى وهي قصر العبدلية بضاحية المرسى والذي سيحتضن معرض "معلقات المعارض التشكيلية" من ستينات القرن العشرين الى اليوم، وقاعة المعارض بالمتحف الوطني بباردو التي ستقدم معرضًا موضوعه الرسم والحفر، وفضاء النجمة الزهراء بضاحية سيدي بوسعيد الذي سيحتضن الأنشطة الفكرية والحوارية ليحاول قراءة الظاهر منها - يفهم أن التخطيط لهذه الدورة الثانية شابه الكثير من الارتجال والتسرع.

اقرأ/ي أيضًا: المهرجان الدولي لفنون النحت ضيف سيليوم القصرين

حسين مصدّق (رئيس نقابة مهن الفنون التشكيلية) لـ"ألترا تونس": النقابة غيّبت خلال اتخاذ بعض القرارات الهامة سواء تلك التي تهم الاستضافات الدولية أو انتقاء الأعمال

إذ يغيب التصور المتكامل والمتماسك الحلقات لتظاهرة مركزية في المشهد الثقافي التونسي على غرار معرض تونس الدولي للكتاب أو أيام قرطاج السينمائية، فغياب الموضوع الرئيسي أو الهدف الأساسي الذي تدور حوله كل أفعال هذه النسخة يجعل من أيام قرطاج للفن المعاصر بلا سارية وبلا وجهة بل بلا هويّة. وقد تكون الأركان موهمة بالترابط لكنها في الحقيقة منفصلة، وحتى الشعار الذي رفع على الأفيش" الفن ينجز " يبدو بديهيًا وعامًا ويمكن إطلاقه على أي تظاهرة ثقافية وفنية.

الدورة الثانية التي انطلقت بلا "كاتالوغ " يستدل به الزوار والضيوف، خصّصت حيزًا بالمعرض المقام بمدينة الثقافة لتقديم مجموعة من اللّوحات الفنية انتخبت من مقتنيات الدولة التونسية في سنوات متباعدة ودون الاستناد إلى خطية تاريخية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: كيف تمت عملية انتقاء هذه الأعمال ؟ وهل أساس الانتقاء هنا كان تقنيًا أم فكريًا؟

وربما ما يحسب لهذه الدورة الثانية من أيام قرطاج للفن المعاصر هو الاستضافات العربية والدولية حيث سجّلت التظاهرة مشاركات هامة لقطر والسودان والمغرب وليبيا وتركيا وهولندا. ففي هذه الأروقة الصغيرة نلمح التجارب الفنية التشكيلية التي تستلهم ألوانها وإيحاءاتها من واقع تلك المجتمعات.

ومن جهة أخرى، حاولت أيام قرطاج للفن المعاصر أن تنفتح على الجهات وأن تكون لامركزية بإنجازها لمجموعة من الأنشطة الفنية بولايتي تطاوين والقصرين وخاصة تثمين المواقع والمعالم الأثرية.


رئيس نقابة مهن الفنون التشكيلية بتونس حسين مصدّق

نقابة مهن الفنون التشكيلية: نعم نحن شركاء لكن غيّبنا خلال اتخاذ بعض القرارات الهامة

"ألترا تونس" وخلال متابعته لافتتاح الدورة الثانية من أيام قرطاج للفن المعاصر إلتقى الرّسام حسين مصدّق رئيس نقابة مهن الفنون التشكيلية بتونس، والتي تعتبر شريكًا أساسيًا في هذه التظاهرة، والذي أكد أن النّقابة تفاجأت بالارتجال الحاصل سواء خلال الاجتماعات التحضيرية مع الهيئة المديرة للتظاهرة أو مع انطلاق الفعاليّات.

هدى العجيلي (عضو رابطة الفنون التشكيلية) لـ"ألترا تونس": الشراكة التي جمعتنا بإدارة أيام قرطاج للفن المعاصر هي شراكة شكلية

وأشار مصدّق إلى أن إنجاز ما يجب إنجازه يتم دومًا في الدقائق الأخيرة وهو ما انعكس سلبًا على الافتتاح وتفطن إليه الزوار، مضيفًا أن النقابة غيّبت خلال اتخاذ بعض القرارات الهامة سواء تلك التي تهم الاستضافات الدولية أو انتقاء الأعمال.

وعن صالون المواهب الشابة الذي تزامن افتتاحه مع انطلاقة الأيام، أكد حسين مصدّق أن هذا المعرض برمجته النقابة منذ مدة لكنه يعبر في جوهره عن موقف شباب النقابة من سياسة وزارة الشؤون الثقافية تجاههم فكان أن احتفوا بأعمالهم عبر هذا المعرض بدار الثقافة بن خلدون.


عضو الرابطة التونسية للفنون التشكيلية هدى العجيلي (رمزي العياري/ ألترا تونس)

اقرأ/ي أيضًا: الموروث الشعبي المنسي.. الشعر الغزلي الإباحي في التراث التونسي

الرابطة التونسية للفنون التشكيلية: الدورة الثانية لم ترتق إلى مستوى أحلام العائلة التشكيلية التونسية

كما تحدّث "ألترا تونس" إلى الرسامة  هدى العجيلي عضو الرّابطة التونسية للفنون التشكيلية التي أكدت أن الشراكة التي جمعتهم بإدارة أيام قرطاج للفن المعاصر هي شراكة شكلية وليست بالعمق الذي طمحت اليه الرابطة، مشيرة أن الدورة الثانية لم ترق إلى مستوى أحلام العائلة التشكيلية التونسية حيث سجّلت بعض التعثرات الفنية التي تحسب على قلة خبرة الهيئة المديرة لأيام قرطاج للفن المعاصر.

نجاة الذهبي (رسامة وباحثة) لـ"ألترا تونس": أيام قرطاج للفن المعاصر لم تنهض على مرتكزات فلسفية

وعن معرض "نقطة سوداء" الذي تنظمه الرابطة التونسية للفنون التشكيلية والمتواصل الى غاية 23 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، بقاعة المعارض بالمكتبة السينمائية بمدينة الثقافة، أكدت هدى العجيلي، باعتبارها "كوميسا"  المعرض"، أن "نقطة سوداء" لا علاقة له بفعاليات الأيام، مبينة أنه " نقطة تقاطع بين تجارب فنية من أجيال متعددة على الساحة التشكيلية التونسية وبين أساليب وتقنيات. هو نقطة التقاء بين رؤى فنية وتشكيلية حول محور النقطة السوداء لخلق نقاط ضوء، نقاط عبور نحو المستقبل".

وأضافت العجيلي أن "نقطة سوداء" يشارك فيه 37 رسامًا منهم من يرفض المشاركة في تظاهرة أيام قرطاج للفن المعاصر ويعتبرها تظاهرة كرنفالية ولا تؤسس لنسق فكري وحضاري.


الرسامة والباحثة في مجال النقد والفن التشكيلي نجاة الذّهبي (رمزي العياري/ ألترا تونس)

الرسامة والناقدة نجاة الذهبي: أيام قرطاج للفن المعاصر لم تنهض على مرتكزات فكرية وفلسفية

أما الرسامة والباحثة في مجال النقد والفن التشكيلي نجاة الذّهبي وعضوة الرابطة التونسية للفنون التشكيلية فقالت لـ"ألترا تونس" إن أيام قرطاج للفن المعاصر لم تنهض على مرتكزات فلسفية ولم تندلع حول نشأتها نقاشات وتفكير وإختلافات وتباينات، كما حدث إبان نشأة أيام قرطاج السينمائية في ستينيات القرن العشرين.

سماح الحباشي (مديرة أيام قرطاج للفن المعاصر) لـ"ألترا تونس": هذه الدورة سعت إلى أن تكون حيوية من خلال جملة من المعارض موزعة على عدد من الفضاءات الهامة

وبيّنت أن التأسيس كان عفويًا وبسيطًا وبلا بوصلة وبلا هوية لذلك ستبقى الأيام خاضعة للأهواء ورجلاها من طين قد تغمرها مياه النقد في أي وقت وحين.

وعن هذه الدورة الثانية، أوضحت محدثتنا أنها تشعر بعدم الرضى عن التنظيم وعن بعض الخيارات والاستضافات وذلك بالرغم من وجود عمل لها ضمن المعرض الوطني الذي يضمّ مقتنيات الدولة.


مديرة الدورة الثانية لأيام قرطاج للفن المعاصر الرسامة سماح الحباشي

مديرة أيام قرطاج للفن المعاصر سماح الحبّاشي: الدورة الثانية لها مشروع متكامل يقوم على محاور حيوية

وفي سياق متصل، التقى "ألترا تونس" مديرة الدورة الثانية لأيام قرطاج للفن المعاصر الرسامة سماح الحباشي التي أكدت أنها تشرف على هذه التظاهرة من منطلق مشروع قبلت به وزارة الشؤون الثقافية ووفرت له ميزانية طموحة حجمها 800 ألف دينار.

وأضافت مديرة الأيام أن هذه الدورة سعت إلى أن تكون حيوية من خلال جملة من المعارض موزعة على عدد من الفضاءات الهامة مثل متحف باردو الذي سيستقبل ولأول مرة معرضًا خاصًا بالحفر، وهو من أقدم وأصعب التقنيات الفنية، وقصر النجمة الزهراء الذي سيحتضن الجانب الفكري للتظاهرة بمشاركة جامعيين ونقاد ورسامين من تونس وخارجها.

تتطلّب أيام قرطاج للفن المعاصر حوارًا وطنيًا بين جميع الفاعلين والشركاء الرّسميين وغير الرّسميين

كما تحدثت بإطناب عن لامركزية أيام قرطاج للفن المعاصر التي توجهت هذه المرة إلى تطاوين والقصرين قائلة إنهما ولايتان مهمشتان تنمويًا لكنهما تملكان رصيدًا ثقافيًا هامًا لابد من تثمينه والأيام تعتبر أن ذلك من صميم أدوارها.

كما لم تخف سماح الحباشي وجود بعض الهنات المرتبطة أساسًا بقلة خبرة المنسقين والرسامين المتطوعين والشركاء من النسيج المدني مؤكدة أن لحظات التأسيس لا تخلو من صعوبات.

إن أيام قرطاج للفن المعاصر وعلى أهميته كحدث ثقافي رئيسي يعنى بقطاع عريق وهو الفنون التشكيلية بمختلف تفريعاتها والذي تأجّلت أحلامه على مر عقود من الزمن، فإنها تتطلب حوارًا وطنيًا بين جميع الفاعلين والشركاء الرّسميين وغير الرّسميين من نقابات وجمعيات وشخصيات اعتبارية من القطاع، ووضع هدف أساسي تنبلج منه هوية التظاهرة حتى لا تبقى عرضة للارتجال فيبيدها الزمن.

 

 

اقرأ/ي أيضًا:

"أوبيريت بوستيل": عرض فنّي إنساني يجمع بين خرافات تونس وألمانيا

فيلم "فترية".. "كثر الهمّ يضحك"