أول دورة لأيام قرطاج للفن المعاصر.. العائلة التشكيلية تنهض من تحت الرماد

أول دورة لأيام قرطاج للفن المعاصر.. العائلة التشكيلية تنهض من تحت الرماد

1079 مشاهدة
التشكيلي حمادي بن سعد أمام إحدى الأعمال المعروضة في افتتاح أيام قرطاج للفن المعاصر (قيس المتهمم/وزارة الثقافة)

حمّادي بن سعد أحد عتاة الرسم وفن "الكولاّج" في تونس واكب الخميس 20 سبتمبر/أيلول 2018 افتتاح "أيّام قرطاج للفنّ المعاصر" وهو على كرسي متحرك بعد أن كان واقفًا كالسّارية في مشهد تشكيلي تونسي يتّسم باللاثبات. مشهد حمّادي بن سعد وهو منكسر في هذه التظاهرة التي تحتضنها مدينة الثقافة إلى غاية 23 سبتمبر/أيلول 2018 يشي بأن المثقف منذور للفنّ والحياة والخلود من جهة، لكنّه منذور أيضًا للإهمال والتهميش من جهة أخرى.

لم تنبع، في الأثناء، فكرة إنشاء تظاهرة أيام قرطاج للفن المعاصر من مخيلة شخص أو مؤسسة بل كانت ضرورة حتّمها سياق تاريخي عام تمر به تونس في السنوات الأخيرة مسّ كل المجالات والاختصاصات. فهذه هي المرّة الأولى في تاريخ الثقافة التونسية التي تلتقي فيها العائلة التشكيلية بكل رموزها وامتداداتها وأنساقها ومدارسها وحساسياتها الفكرية والأيديولوجية.

تنظيم أول دورة لأيام قرطاج للفن المعاصر في العاصمة (قيس المتهمم/وزارة الثقافة)

تحوّل البهو الرئيسي لمدينة الثقافة الى مدارات للألوان والتجارب، أعمال بكل الأحجام قُدّت بتقنيات ومواد منها ما هو كلاسيكي ومنها ما هو ابتكاري مليء بالتجديد. احتضنت هذه المعروضات مجموعة من الأجنحة تمثل الهيئات والاتحادات التي تعبر عن هواجس العائلة الفنية التشكيلية التونسية كجناح اتحاد الفنانين التشكيليين التونسيين، وجناح نقابة مهن الفنون التشكيلية التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل، وجناح الرابطة التونسية للفنون التشكيلية، وجناح الأروقة التونسية الخاصة، وكذلك جناح المبدعين الشبان.

اقرأ/ي أيضًا: مدرسة تونس للفنون التشكيلية.. علامة فارقة وتاريخ خالد

هذه الكثرة لممثلي الفنانين التشكيليين التونسيين جاءت كردّة فعل أمام معاناة الفن التشكيلي التونسي لسنوات بل لعقود طويلة جرّاء هيمنة أسماء بعينها وجماعات فنّية وقاعات عرض مارست الإقصاء ومنعت تعدد الفراشي والأذواق المختلفة وأقصت تجارب مفعمة بالتجديد.

أيام قرطاج للفنّ المعاصر سبقتها أيام قرطاج الجهوية للفن المعاصر التي انتظمت من 30 جوان/يونيو إلى 2 سبتمبر/أيلول 2018 في خمس جهات تونسية هي القيروان التي احتضنت أعمال "القرافيتي"، وسليانة عبر أعمال "فن المكان"، والرديّف التي استقبلت أعمال "فن المناطق المهمشة"، والحمامات من خلال أعمال "فنّ التنصيبة"، وأخيرًا جزيرة قرقنة التي احتضنت أعمال فنون التصوير الفوتوغرافي والفيديو. ورشحت كل جهة من هذه الجهات مجموعة من المشاريع للمشاركة في هذه التظاهرة الكبرى بالعاصمة وهذا ما حدث فعلًا، لكن المشاريع المتوّجة لقيت العديد من الانتقادات من الوسط التشكيلي ووُصفت بأنها لا ترقى لمثل هذه المشاركات الكبرى.

أيام قرطاج للفن المعاصر هي أول تظاهرة في تاريخ الثقافة التونسية التي تلتقي فيها العائلة التشكيلية بكل رموزها وامتداداتها وأنساقها ومدارسها وحساسياتها الفكرية والأيديولوجية

وبدا، في نفس السياق، الجانب التجاري والمالي هو الطاغي والمهيمن أمام الجوانب الثقافية والفكرية والفنية للتظاهرة، فالكل يطمح للبيع على حساب الفنّ والجمال. وقد حضرت التظاهرة أعين جامعي الأعمال الفنية، والحال أن فسح المجال واسعًا أمام "البزنس" من شأنه أن يؤثر على روح التظاهرة ويجعل منها سوقًا لا غير. ولذلك كان على المشرفين أن يتدبّروا الأمر بشكل مغاير على غرار ما يحدث في أيام قرطاج السينمائية.

خشية من طغيان الجانب التجاري على حساب الجانب الفني في التظاهرة الثقافية (قيس المتهمم/وزارة الثقافة)

تابع، في الأثناء، "الترا تونس" هذه التظاهرة التي افتتحها وزير الشؤون الثقافية، والتقى ببعض الفاعلين التشكيليين التونسيين. إذ أكد الفنان التشكيلي حسين مصدّق المنخرط في نقابة مهن الفنون التشكيلية على أهمية هذا الحدث الثقافي معتبرًا إياه منصة لرؤى جمالية مختلفة يحتاجها الشعب التونسي الآن في هذه اللحظة الفارقة من تاريخه الثقافي والسياسي، وأضاف في حديثه لـ"الترا تونس" أن الفن وحضوره الطاغي هو صنو للحرية والديمقراطية.

اقرأ/ي أيضًا: "الرسم على الماء" أو "الإيبرو".. الإقصاء القسري لفنّ عظيم

لكن مصدق الفنان النقابي لم يكن راضيًا تمام الرضا عن التنظيم وما شابه من ارتجال لا يليق بالدورة الأولى لأيام قرطاج للفن المعاصر، وأوضح أن فكرة أيام قرطاج الجهوية للفن المعاصر بقدر علوها كترجمان للامركزية الثقافة إلا أنها سجلت العديد من الإخلالات القانونية والممارسات الإقصائية ودلل على ذلك بعدم قبول مشروعه رغم أهميته وجديته، حسب تأكيده.

التشكيلي حسن مصدّق لـ"الترا تونس":  أيام قرطاج للفن المعاصر سجلت العديد من الإخلالات القانونية والممارسات الإقصائية

كما أشار محدثنا إلى ضعف المنحة التحفيزية لمشاريع الجهات والتي لا تتجاوز الخمسة ألاف دينار. وختم حسين مصدق حديثه معنا بأن غياب المعارض العالمية هو من الاخلالات الفادحة التي سجلها خلال هذه الدورة الأولى، وأوضح أنه سيرفعها للنقابة إلى جانب مجموعة أخرى من الملاحظات.

من جهته، ذكر الأستاذ والناقد الفني خليل قويعة أن تاريخ افتتاح تظاهرة أيام قرطاج للفن المعاصر في دورتها الأولى يتزامن مع ذكرى افتتاح أول صالون للفنون التشكيلية بتونس من قبل المقيم العام الفرنسي سنة 1894 بقرطاج. كما لم يخف قويعة، خلال حديثه معنا، إعجابه بفكرة بعث سوق داخل الأيام لأنها، حسب رأيه، ستنعش الفنانين وتروج للفن التونسي في الداخل والخارج خاصة وأن هذه الدورة قامت بدعوة عدة أروقة أجنبية معروفة.

سارة بن عطية وهي فنانة تشكيلية وعضو الهيئة المديرة لاتحاد الفنانين التشكيليين تحدثت لـ"الترا تونس" عن دور الاتحاد ومنخرطيه في بعث هذه التظاهرة السنوية والتي من شأنها أن تصبح مظلة جامعة لكل العائلة التشكيلية والفنية التونسية، وفق تعبيرها. وأضافت عطية أن الجناح المخصّص للاتحاد ضاق بأعمال المشاركين واعتبرت ذلك إخلالًا في التنظيم وجب تفاديه في الدورة المقبلة.

الأستاذ والناقد الفني خليل قويعة لـ"الترا تونس": وجود سوق في تظاهرة أيام قرطاج للفن المعاصر ستنعش الفنانين وتروج للفن التونسي في الداخل والخارج

من جانبه، أشار الفنان الكبير عبد المجيد البكري أن فترة ثلاثة أيام، وهي مدة التظاهرة الثقافية، لا تكفي حتى تشبع أعين المتفرجين من الأعمال المعروضة، وأضاف أن وزارة الثقافة والمتقاطعين معها لم يروجوا بالشكل الكافي لهذا الحدث الثقافي الهام حتى يعلم الناس به ويزورونه معتبرًا ذلك أكثر أهمية من حضور السياسيين والديبلوماسيين. كما دعا البكري في حديثه معنا إلى التعامل مع هذا المهرجان بأكثر حرفية حتى يصبح وجهة لكبار الفنانين والمتابعين لحركة الفن التشكيلي في العالم مشيرًا أن ذلك سينعكس إيجابًا على السياحة الثقافية بالأساس.

ختامًا، يمكن اعتبار أيام قرطاج للفن المعاصر في دورتها الأولى لحظة تأسيس لحدث ثقافي وطني يستطيع أن يشع جنوبًا وشمالًا كما أشعت أيام قرطاج السينمائية ولا تزال، وذلك طبعًا إن توفرت الإرادة الجادّة.

عمل للحروفي التونسي نجا المهداوي معروض في جناح وزارة الشؤون الثقافية 

اقرأ/ي أيضًا:

 الفنان التشكيلي لمجد النّوري: الحروفية أعادت الرّوح لسبّورات المدارس (حوار)

النّحات حافظ المساهلي: السياسة الثّقافية في تونس لم تتغيّر وأنا أباغت جماليًا