الموروث الشعبي المنسي.. الشعر الغزلي الإباحي في التراث التونسي

الموروث الشعبي المنسي.. الشعر الغزلي الإباحي في التراث التونسي

يتضمّن الشعر الشعبي التونسي قصائد غزلية موغلة أحيانًا في الإباحية (صورة أرشيفية/ ستيفاني كيث/ getty)

 

"يا لالي البارح جاني يلقاني راقدة وممدودة.. يا باسني خويا من العين السودة يا حليلي نحب نزها معاك.. يا لالي البارح جاني يلقاني راقدة ع المخدة يا مخر الليل تعدّى يا لسمر خويا نحبّ نزها معاك.. وأرقد وتوسد زندي يا لسمر وتمتع يا لسمر ما دامك عندي ونحبّ نزها معاك"، هي كلمات إحدى الأغاني التراثية الشعبية في تونس التي اختار كاتبها التحايل بشكل لا جرأة فيه أو خدش للحياء.

إذ تزخر الأغاني الشعبية التونسية في عدة مناطق بعدّة أشعار إباحية جامحة جريئة ومحرّرة من كلّ القيود، لوصف قصص الحب أو مفاتن المرأة بدقة متناهية بعيدًا عن أيّ رقابة أخلاقية أو دينية، ليردّد الناس هذه الأغاني في الأعراس خاصة في الشمال وخصوصًا في الكاف وسليانة.

تزخر الأغاني الشعبية التونسية في عدة مناطق بعدّة أشعار إباحية جامحة جريئة ومحرّرة من كلّ القيود لوصف قصص الحب أو مفاتن المرأة 

وقد كان يسترسل السلف في الشعر القديم في التغني بالشهوات تغزلًا بالحبيبة والجواري، وكانوا يسمون المسميات بأسمائها بلا تردد دون إيحاءات، بل بالغوا أحيانًا في استعمال مفردات قد تبدو سوقية ومبتذلة وخادشة للحياء. وتكاد لا تخلو سيرة شاعر في الأدب العربي القديم من قصيدة إباحية أو ماجنة، ليأتي الشعر الإباحي الجريء مثالًا عن الشعر المحرّر من القيود الأخلاقية.

اقرأ/ي أيضًا: فن الأدبة أو الشعر الملحون التونسي.. ذاكرة شعب للاضمحلال

ويتضمّن الشعر الشعبي التونسي هو الآخر عددًا كبيرًا من القصائد الإباحية الجريئة تنتشر في العديد من المناطق، إذ يُعتبر الجنس أحد مواضيع الأغاني التراثية الشعبية. واختار بعض الشعراء التعبير عن الحب أو الشوق بإيحاءات جنسية لا تخلو من الجرأة. ورغم أنّ بعض كتاب الشعر الشعبي تحايلوا في اختيار الكلمات ليصل المعنى بشكل لا يخدش الحياء العام، إلا أنّ آخرين أطلقوا العنان لكتابة قصائد شعبية خالية من أي قيود دينية أو أخلاقية، أو دون الخوف من أي واعز اجتماعي أو حتى الخوف من عدم رواجها للألفاظ المستعملة الخادشة للحياء.

ويتغزّل الشاعر في قصائده الشعبية غالبًا بمفاتن المرأة، ذاكرًا بعض أجزاء من جسدها التي يشبهها بأنواع من الثمار، على غرار النهود المُشبّهة بالرمان والخوخ، أو الخدود التي يشبهونها بحمرة التفاح والفم بحبّة كرز أو العنب. ومن هذه الأغاني أغنية تراثية أعاد غناءها الفنان التونسي شكري عمر الحناشي ومطلعها "داني داني دندانة، خوخ ورمان في السواني الرويانة، جات الزينة هبت كالنسمة علينا ريحة بنينة تردّ الروح الولهانة"، والعديد من الأغاني الأخرى التي بات يردّدها الناس في الأعراس الشعبية دون حرج.

يعتبر أحمد البرغوثي من أهم الشعراء الذين تخصصوا في الشعر الأخضر الإباحي، وهو يستعمل في وصف المرأة عدّة صور شعرية ويشبهها بالناقة الطويلة البيضاء سريعة العدو المعروفة بـ"التارقي" عند سكان الصحراء

ويعتبر الغزل من أهم أغراض الشعر الشعبي الملحون، ويزخر التراث التونسي بالعديد من القصائد الغزلية ووصف محاسن المرأة الظاهر منها والمخفي بعبارات جريئة جدًا، إلى جانب قصائد وجدانية تتحدّث عن عواطف اللوعة والاشتياق. وسُمي الشعر الملحون الجريء بـ"الشعر الأخضر"، لكن قليلة هي الكتب والمؤلفات التي اهتمت بالشعر الأخضر أو الإباحي في التراث التونسي.

لكنّ الأديب والمؤرّخ التونسي محمّد المرزوقي اهتم بشعر البادية في الشمال والجنوب وأغانيهم التي ترافق أعراسهم ومهرجاناتهم في كتابه "الأدب الشعبيّ في تونس". وأورد بعض الأمثلة في كتابه عن الشعر الإباحي الجريء في الأغاني التونسية الشعبية. وتعتبر قصيدة الشاعر أحمد البرغوثي الشهيرة "غروضات" والتي غناها الفنان التونسي مقداد السهيلي من أهمّ الأمثلة عن الشعر الأخضر الناعم، ليقول متغزّلًا بعيون حبيبته "غروضات ريت الغرض بين هدبهم (أي أهدابها) / رعوبات رعبوا خاطري يرعبهم".

أغنية "غروضات" بصوت مقداد السهيلي

 

اقرأ/ي أيضًا: "التهيليم".. سجع رعاة الإبل في الصحراء التونسية

ويعتبر أحمد البرغوثي من أهم الشعراء الذي تخصصوا في الشعر الأخضر الإباحي، وهو يستعمل في وصف المرأة عدّة صور شعرية ويشبهها بالناقة الطويلة البيضاء سريعة العدو المعروفة بـ"التارقي" عند سكان الصحراء، أو بأعمدة البيوت وحتى المسجد. كما يطنب كثيرًا في استعمال كلمات جريئة وتسمية الأشياء بمسمياتها كقوله "محزم واتى جوفها خاوي يضمار ***وأفخاذ دكاكين" و"عضلها وأقدامها فجل بساتين" أو "الأفخاذ مرمر بنيهم متساوي ***عرصات جامع والسطا لولبهم، عرضها النسوم ولبسها عرضاوي ***خلى عضلها مهتكات حجبهم"، دون الخجل من ذكر أسماء بعض أجزاء من جسد المرأة أو وصفها وصفًا دقيقًا للتعبير عن جمالها.

فيما كتب محمّد بالصيد الطالبي قصيدة "ما بين الوديان دمّي يقطّر/ نموت ونحيا على الغنجة حلال" والتي غناها إسماعيل الحطاب، تلك القصيدة التي كتبها بعد نجاته من الموت بسبب كتابة قصيدة إباحية تتغزل بفتاة أحبّها.

"بين الوديان" بصوت الفنان الشعبي الراحل إسماعيل الحطاب

 

ويُعتبر التراث الكافي من أهم المراجع التي تزخر بأغاني إباحية كتبها عدّة شعراء تخصصوا في الشعر الشعبي، بعضهم ذاع صيته وبات مشهورًا بهذا النوع من الشعر، فيما بقي البعض الآخر غير معروف أو تردد قصائده في الأعراس والتظاهرات دون معرفة صاحبها. ولم يتمّ التعامل مع هذا الموروث بالشكل الذي يستحقه، ولم يقع تجميع تلك القصائد في مؤلفات وتفسيرها وحفظها في الذاكرة لاسيما وقد اندثر الكثير منها.

يظل الرهان اليوم في ضرورة قيام أهل الاختصاص والهياكل التراثية المعنية بحفظ الذاكرة الوطنية عبر تجميع القصائد الشعبية خاصة في غرض الشعر الغزلي الإباحي وتوثيقها

ومن بين أهم تلك الأغاني التي انتظمت في المنسيات الكافية، أغنية "صالحة لزرق واتاك"، والتي تجسّد فعلًا الشعر الأخضر في بعده الإباحيّ، لاسيما وأنّ الأغنية تروي تفاصيل عاشق مرّت أمامه حبيبته صالحة فسلبت عقله بفستانها الأزرق الذي طار بفعل الريح فظهر تبّانها الأبيض وبعض أعضاء من جسدها، ليواصل بعد ذلك الشاعر في وصف أجزاء حميمة من جسد صاحبة الفستان الأزرق. ومازالت هذه الأغنية تُردد إلى اليوم كثيرًا في الأعراس الكافية وفي بعض مناطق الشمال.

حتى الأغاني الشعبية التي كان يؤديها اليهود في تونس تغزلًا بالنساء تميّزت بالتحرر من المحرمات والتابوهات. وقد ذهبت بعض الأغاني التونسية الشعبية إلى الغزل الإباحي الصريح وهو كان يلقى رواجًا كبيرًا لدى المتلقي التونسي. لكن تكاد تنعدم المؤلفات المتخصصة في الشعر الشعبي التونسي وتحديدًا الشعر الأخضر أو الإباحي الذي لازال يردّده كبار السنّ  فقط في الأعراس أو بعض التظاهرات المحلية. ويظل الرهان اليوم في ضرورة قيام أهل الاختصاص والهياكل التراثية المعنية بحفظ الذاكرة الوطنية عبر تجميع القصائد الشعبية خاصة في غرض الشعر الغزلي الإباحي وتوثيقها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"فوّهة الحنجرة".. البعد الفني للمقاومة المسلحة زمن الاستعمار

فرسان يروضون الخيول تخليدًا لتراث الفروسية في تونس