مدرسة تونس للفنون التشكيلية.. علامة فارقة وتاريخ خالد

مدرسة تونس للفنون التشكيلية.. علامة فارقة وتاريخ خالد

1131 مشاهدة
لوحة لزبير التركي، أحد رموز مدرسة تونس للفنون التشكيلية

"مدرسة تونس للفنون التشكيلية"، هو اسم لا يزال يحافظ على وقعه وصداه للآن في ساحة الفنّ التشكيلي التونسي وفي الوسط الثقافي عمومًا. والحديث هو عن جماعة من الرّسامين التونسيين عاشوا زمن الاستعمار وأدركهم الاستقلال، حيث كانوا في البداية أربعة رسامين سنة 1947، ثم أصبحوا عشرة في السنة الموالية 1948، ساهموا كغيرهم من المثقفين في "تونسة" الثقافة في فترة بناء دولة الاستقلال. حيث كان لهذه المجموعة دور بارز في صناعة الذوق الجمالي التونسي، ورسم ملامح شخصية "الأمة التونسية"، كما يحلو للسياسيين البورقيبيين وصف الشعب التونسي، والتي كاد الاستعمار الفرنسي نسف خصوصيتها العربية الإسلامية.

رسم مؤسّسو "مدرسة تونس للفنون التشكيلية" الحياة بصخبها وزخمها بكل عفوية وذكاء حتى يفهمهم النّاس

تتكوّن هذه الجماعة الفنية البارزة من الإخوة التركي وهم يحيى، وزبير والهادي، وكذلك من الفنان العصامي عمار فرحات، وبيار بوشارل وهو من الطائفة اليهودية التونسية، وابراهيم الضحاك، وعبد العزيز القرجي، ونجيب بلخوجة وعلي بن سالم. اشتغل جميعهم على الواقع التونسي كما هو، وحوّلوه إلى رسومات، وجداريات، ومنحوتات ومنسوجات. ولم يكونوا سرياليين بالرغم من تجريبهم للسريالية في بعض الأعمال، بل كانوا أوفياءً للتقنيات والمواضيع السهلة أي تلك البسيطة والواقعية، حيث رسموا الحياة بصخبها وزخمها بكل عفويّة وذكاء حتى يفهمهم النّاس.

اقرأ/ي أيضًا: النوبة التونسية... أيقونة موسيقية ورسائل سياسية

الأبوّة الباقية..

رحلت الجماعة وغيّبها الموت ولم يبق من المؤسسين على قيد الحياة اليوم إلا الفنان الهادي التركي فقط، لكن لا يزال الحضور الفكري والفلسفي والأدبي مؤثرًا على أجيال من الرسامين والتشكيليين التونسيين. حيث تحولت الجماعة إلى مدرسة بالمعنى الرمزي للكلمة لا بد من المرور بها، بما هي ثابت في الحياة التشكيلية لا يتزحزح وذلك رغم محاولات أجيال من الرسامين التخلّص من أبوّة الجماعة، وذلك في محاولات تمرّد فاشلة.

حيث ظلّ مثلًا ارتباط وانجذاب أغلب الرّسامين في تونس بالمدينة العتيقة كمفهوم جمالي، وكمكان ملهمٍ نظرًا لما يحتويه من تداولية نادرة بين الظل والضوء لا مثيل لها في المدن ذات الهندسة الشطرنجية، وكذلك لما يكتنزه من ثقل تاريخي وزخم الحياة. وهو ما كرّسه الجيل المؤسس إيمانًا منهم بأنّ المدينة العتيقة هي جزء من الهوية الثقافية ذات مخزون جمالى عفوي، لا بد من الاشتغال عليها في أبعادها العديدة. وهكذا، ظلّت المدينة العتيقة إلى حدّ الآن تمرينًا أساسيًا وصعبًا في مدارس الفنون الجميلة بتونس.

لوحة للرسام عمار فرحات

هل كانت الشجرة التي حجبت الغابة؟

اشتغلت "مدرسة تونس" على التيمات الثقافية القديمة كالخط العربي، والرموز البربرية، والأمازيغية، والفينيقية بل وكذلك الصحراوية، فحوّلتها إلى أعمال مدهشة خاصة في المنسوجات والزرابي التي أنجزتها جماعة المدرسة، وقد كان جميع أفرادها تقريبًا يتقنون النسج بالطرق التقليدية التونسية كناسجات الزربية في القيروان، وصانعات المرقوم في الجنوب التونسي. بذلك تحوّل هذا الرصيد الرمزي المتبقي من تلك الحضارات القديمة التي مرّت على أرض تونس إلى مادة جمالية برؤية أنثروبولوجية، حيث أصبحت هذه الرموز والتيمات متاحة، ومفهومة، ومتداولة كعلامات دالّة على عمق تاريخ الأرض التونسية الذي يمتدّ إلى ثلاثة آلاف سنة.

يتجاوز العمر الميقاتي لمدرسة تونس للفنون التشكيلية النصف قرن إلا أن حضورها الأدبي والفكري والفلسفي لا يزال طاغيًا في مناهج التدريس وفي الأساليب التقنية وخاصًة الحرية في طرح المواضيع مع القدرة على المحافظة على الخصوصية. لكن ثمة من المؤرخين والنّقاد الثقافيين من يشبّه هذه المدرسة بالشجرة التى حجبت الغابة أي أنها حالت دون الانتباه إلى وجود رسامين آخرين، ولذلك هناك من يعتبرها جماعةً إقصائيةً لم تمنح الفرصة لآخرين كانوا سيحققون إضافةً نوعيةً في الساحة الثقافية.

اقرأ/ي أيضًا: الحكواتي في تونس.. فن منسي يتجدد

"لولاها لبقيت الحياة التشكيلية كولونيالية"

حول "مدرسة تونس"، حاور "ألترا تونس" الرسام وأستاذ الفنون الجميلة محمد فنينة، أصيل الحمامات والمعروف باشتغاله على المواضيع الصوفية وخاصة حركة الدراويش الدوّارة التي أرساها المتصوّف جلال الدين الرّومي. إذ يعتبر فنينة أنّ المدرسة هي ركيزة أساسية في تاريخ الفن التشكيلي التونسي، "ولولاها لبقيت الحياة التشكيلية كولونيالية" وفق تعبيره. ويضيف أنّ جلّ مؤسّسي المدرسة درّسوا بمدرسة الفنون الجميلة بتونس، قائلاً: "كانوا أساتذة عتاة وقساة".

وفي نفس السّياق، يقول فنينة: "إنهم يحملون تصورًا تونسيًا صرفًا للرسم والفعل الفني، كانوا يؤمنون بالانفتاح على حياة التونسيين، وكانوا فاعلين في الحياة الثقافية حيث يشاركون المسرحيين في الصياغة الجمالية للركح، كما كانوا يشتغلون مع المخرجين السينمائيين، وحتى في مؤسسات الإنشاء والتعمير، كانوا يساعدون على بعث معمار بروح تونسية". ويؤكد الرسام محمد فنينة في حواره معنا على تأثره الشّديد بأحد رموز المدرسة وهو الفنان التشكيلي الرّاحل نجيب بلخوجة، كاشفًا لنا أنه بصدد الاشتغال على تجربته حاليًا كتابةً ورسمًا.

لوحة للرسّام عبد العزيز القرجي

من جهته، يرى الجامعي والرسام الأمجد النوري، الذي ينحى منحى الحروفية في أعماله وله العديد من المعارض التي طوّع فيها الحرف تطويعات جديدة، أنّ "مدرسة تونس" كانت تريد أن تتشبه بمدرسة باريس في القرن التاسع عشر. ويقول النّوري في حواره مع "ألترا تونس" إن المدرسة "كانت تحوي داخلها تناقضات في الأفكار والتقنيات، لكنها كانت تلتقي في وطنيتها وتشبثها بثقافتها". ويستشهد، في هذا الجانب، بالرّسام علي بن سالم، عضو المدرسة، الذي كان يقيم بالدول الاسكندنافية في الأربعينات من القرن الماضية، والذي كانت تعتبره فرنسا "خطرًا على سياستها الاستعمارية لأنه كان فاضحًا لها بفنّه وكتاباته" وفق تعبيره.

ويؤكد الرّسام الأمجد النوري أنّ المدرسة لم تكن شجرة حاجبة، بل كانت مدرسة موجّهة للأجيال التي تلتها حيث "توجهها نحو موروثها، ونحو البحث عن ذاتها دون التشبه بالآخر". ولكنّه يضيف أنّ الأجيال الجديدة لا تعرف "مدرسة تونس" وغير متأثرة بها، "فهي تعرفها ضمن درس تاريخ الفن التشكيلي التونسي فقط"، وفق تأكيده.

اقرأ/ي أيضًا: الصوفية في تونس.. من يستثمر الصراع؟

مدرسة منفتحة أهملها البحث الجامعي

يذهب الأستاذ الجامعي والرّسام سامي بن عامر، وهو المدير الأسبق لمدرسة الفنون الجميلة بتونس، إلى أن "مدرسة تونس للفنون التشكيلية" هي معلم من المعالم الثقافية التونسية، حيث "لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن نتجاوزها عند الحديث عن الفن التشكيلي أو الجماليات التونسية"، كما يؤكد. ويضيف الأستاذ بن عامر في تصريحه لـ"ألترا تونس" قائلاً إنّ: "المدرسة قد تكون حجبت بعض الأسماء أو بعض التجارب في الخارج، أما في تونس فهي لم تكن كذلك، فقد كانت تمتاز بصرامتها وانغلاقها على نفسها، إذ لا تسمح بأي انضمام إلى مجموعتها، وفي نفس الوقت كانت في قلب الحياة التونسية تتقبل النقد وتتحاور مع المختلفين عنها".

لوحة للرسّام زبير التركي 

أمّا الجامعي والرسام والنحات صابر الصحراوي وهو من الوجوه الثقافية الصّاعدة، فيعتبر أنّ مدرسة تونس هي علامة ضمن نسق ثقافي تمّ انتهاجه في تونس إبان الاستقلال، وعليه "لا يمكن التنكر لها"، مشدّدًا في تصريحه لـ"ألترا تونس" أنّ المدرسة جمعت أهم التجارب التشكيلية في ذاك الزمن. ويذهب الصحراوي إلى أنّ تجربة الرسّام عمار فرحات تبقى هي "الأعمق والأندر لما يتميّز به هذا الرسام العصامي من عفوية وقدرة على التقاط تفاصيل حياة التونسيين البسطاء بحركاتهم وألوانهم"، حسب قوله.

ولكن يؤكد الصّحراوي أنّ البحث الجامعي لم يلتفت بعد إلى "مدرسة تونس" ليكتب ويبحث بعمق في تجارب رموزها، وأعمالهم، والأفكار التي أسّسوا لها وفق تعبيره. ويضيف قائلًا: "لم تكن تحاصر المدرسة تجارب الفنانين غير المنتمين لها، بل كانت تتحاور معهم وتلتقيهم ومن هذه الأسماء التشكيلية نذكر، بوجمعة بلعيفة، والحبيب بيدة، وعدنان الحاج سالم، وسامي بن عامر والصادق قمش".

"مدرسة تونس للفنون التشكيلية" هي علامة ضمن نسق ثقافي تمّ انتهاجه في تونس إبان الاستقلال

علامة فارقة والجدل مستمرّ

خلاصةً، تبقى مدرسة تونس للفنون التشكيلية علامة فارقة في الحياة الثقافية والفنية في تونس، وإن لا تزال محفوفة بنقاش فكري وثقافي لم يُحسم بعد. وذلك بين رأي أوّل داعم لها، ولدورها، وحضورها، ومنجزها، وتأثيرها في الأجيال التشكيلية المتتالية، ورأي ثانٍ منتقد لتشرنقها، وهيمنتها على مسالك بيع الأعمال الفنية في الدّاخل والخارج، وكذلك حول تأثيرها المباشر وغير المباشر في السياسة الثقافية التونسية.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

رقمنة التراث الموسيقي التونسي

 بيت للرّواية في تونس.. سقف عالٍ للسّرد