أيلتقي السياسي والاجتماعي على مهمة تجاوز الانقلاب؟

أيلتقي السياسي والاجتماعي على مهمة تجاوز الانقلاب؟

أصبح الانقلاب في مواجهة موقف سياسي له أنصاره وموقف اجتماعي منظّماتي قد يتلوه حراك اجتماعي شعبي (ياسين القايدي/ الأناضول)

مقال رأي

 

يدخل انقلاب 25 جويلية شهره الرابع. وصار بالإمكان ملاحظة ثلاث مراحل قطعها منذ الإعلان عن الإجراءات الاستثنائيّة. وتمثّلت المرحلة الأولى في سجال سياسي امتدّ لأكثر من شهر ونصف حول دستوريّة هذه الإجراءات في علاقتها بالفصل 80. في حين دشّن الأمر الرئاسي عدد 117 المرحلة الثانية، ومعها لم يعد بإمكان الانقلاب الحديث عن علاقته بمرجعيّة دستور الثورة. فقد مثّل الأمر 117 الأساس "القانوني" لفعل الانقلاب وقطيعة مع دستور الثورة ومرجعيته. وأمّا المرحلة الثالثة فقد عرفت منطلقها مع تشكيل الحكومة، وشروع قيس سعيّد العملي في تنفيذ الخطوات الأولى من "مشروعه" باعتماد ما بقي من مؤسسات الدولة المختطفة على ضوء ما منحه لنفسه من سلطات مطلقة.

  • ملامح المشروع

الفكرة التي يصدر عنها قيس سعيّد قديمة، ويمكن اعتبارها صدى للتراث الفوضوي. وهو تراث قام على هامش نقد الدولة وقضايا الانتظام السياسي وسؤال: كيف للإنسان أن يعيش حرًّا وفي جماعة في آن، وهو عينه سؤال الضرورة والحريّة؟ فمع الحاجة إلى الدولة كان النقد في هامشها لا يتوقّف للحدّ من سطوتها والتقليل من وقع العلاقات العموديّة التي تفرضها. ولكن المحاولات التي جعلت من هذا الفكر الأفقي الهامشي تجربة قائمة أفضت إلى كوارث سياسيّة واجتماعيّة وإنسانية حقوقيّة.

ويشير ألان تورين، وهو كتاب عن حركة ماي 68 التي هزّت فرنسا وأفضت إلى سقوط الجنرال ديڤول، في كتابه "الشيوعيّة الطوباويّة" إلى أنّ أكثر الداعين إلى الأفقيّة والديمقراطيّة المباشرة ينتهون إلى متسلّطين وأنصار للمركزيّة الصارمة والحكم الفردي المطلق.

 يبدو التناقض صارخًا بين دعوة الرئيس إلى الديمقراطيّة القاعديّة ومنهجيّة بنائها من الأسفل (مع الناس وبالناس) وبين انقلابه من داخل الدولة وتعليق دستور الثورة الذي وزّع السلطة التي كانت ممركزة

وهذا الأمر ينطبق على قيس سعيّد، إذ يبدو التناقض صارخًا بين دعوته إلى الديمقراطيّة القاعديّة ومنهجيّة بنائها من الأسفل (مع الناس وبالناس) وبين انقلابه من داخل الدولة وتعليق دستور الثورة الذي وزّع السلطة التي كانت ممركزة. وقيس سعيّد في كلّ ذلك موجّه بـ"شعب متخيّل" يتوهّم أنّه مطابق لـ"الشعب الواقعي" الذي يشقّه التنوّع والاختلاف ويجتهد في تنظيم كلّ هذا في مشترك يقوم عليه العيش الجماعي.

وعندما تحرّك جزء من هذا "الشعب الواقعي" ونخبه رفضًا للانقلاب على الديمقراطية لم يكن بوسع قيس سعيّد، أمام اضطراب سرديته الشعبوية، إلا الاحتماء بمفهومه المتخيّل للشعب. وإقصاء كل هؤلاء الذين يشوّشون عليه مفهومه المتخيّل عنه. لذلك كان خطابه موغلًا في الشيطنة والتخوين والإقصاء والتقسيم. وهذا الضرب من الخطاب جزء من بنية الشعبويّة الواقعة تحت خيالات فكرها.

اقرأ/ي أيضًا: قراءة نقدية أولية في المشروع السياسي لقيس سعيّد..

ومع ذلك، فإنّ نجاج قيس سعيّد المؤقّت في إيقاف مسار بناء الديمقراطيّة لم يكن نتيجة لفكره المجالسي بقدر ما كان حصيلة تفاعلات المشهد السياسي وما عرفته الدولة والسلطة والفاعلين السياسيين من أطوار على مدى سنوات الانتقال العشرة. فسعيّد يبدو واجهة سياسيّة لإرادة تقاطعت عندها مصالح بعض من قوى القديم وبعض القوى الإقليميّة والدوليّة التي لا ترى مستقبل مصالحها مع نظام سياسي ديمقراطي ودولة مدنيّة.

  • ردود فعل سياسيّة واجتماعيّة

في الحديث عن علاقة "السياسي" بـ"الاجتماعي" في الموقف من الانقلاب، يلاحظ أنّ ردّة فعل السياسي كانت الأسبق. ولهذا أهميّة كبرى، ذلك أنّ السياق الذي ظهر فيه ما صار يعرف بـ"الشارع الديمقراطي" كان سياق ترذيل عاصف للديمقراطية. حتّى صار المدافعون عن مسار الانتقال في حرج فعلي وفي موقف ضعف أمام توجه إعلامي منحاز وحصيلة عشر سنوات لا تسعفهم بالحجج الكافية للانتصار لها.

ولا يخفى أنّ "مسار الترذيل" لم يبدأ مع 25 جويلية بل كان أحد روافد الانقلاب السياسيّة. فضلًا عن أنّ تاريخ الانتقال الديمقراطي كان تاريخ ترذيل هذا المسار ومحاولات الانقلاب عليه. وهو في حقيقته حصيلة مواجهة بين القديم والجديد استعمل فيها القديم كلّ ما لديه من سياسة إعلاميّة واتصاليّة وكلّ ما بقي بين يديه من مال وأعمال وإدارة لتعطيل محاولة التأسيس مع انتخابات 2011، ولم يرَ في سياسة "التوافق" والبعث المتعثّر عن تسوية تاريخيّة بين القديم والجديد إلاّ تراجعًا عن "تحقيق أهداف الثورة" واستعدادًا للتنازل عن جملة العناوين التي ميّزت انتفاض الهامش المواطني.

كان متوقّعًا بعد 10 أكتوبر 2021، تاريخ أضخم تظاهرة مناهضة للانقلاب، أنْ تعقب حركة الشارع السياسي حركة الشارع الاجتماعي، أمام إصرار سعيّد على رفض الحوار

نجحت سرديّة الترذيل في الإيهام بأنّ الانقلاب لم يكن جزءًا من الأزمة الشاملة ومن روافدها الفاعلة. فقد كان مانعًا من استجماع شروط تجاوز الأزمة والاستثمار فيها لكي يكون للانقلاب شرعيّة تسوّغ تعليق الدستور وتجميد البرلمان وحلّ الحكومة.

نجح الشارع الديمقراطي، في ثلاث تظاهرات شعبيّة، في أن يبرز "المطلب الديمقراطي" عنوانًا سياسيًّا وراءه أهمّ ممثّلي الطبقة السياسية ولقاء غير متوقّع لأهمّ المكونات الحزبيّة، من القديم والجديد، التي تصارعت طوال سنوات الانتقال العشر. وهي نخب تواجهت بالأمس.

كان متوقّعًا، بعد 10 أكتوبر/تشرين الأول 2021 تاريخ أضخم تظاهرة مناهضة للانقلاب، أنْ تعقب حركة الشارع السياسي حركة الشارع الاجتماعي، أمام إصرار الرئيس قيس سعيّد على رفض الحوار، وتقديمه تصورًا للحوار بين سمّاهم "الشعب التونسي" والشباب. وفي هذا السياق يأتي خطاب أمين عام الاتحاد العام التونسي للشغل. وما تلاه من إضراب في مؤسسات القطاع الخاص بصفاقس.

وأمام تفاقم الأزمة الماليّة الاقتصاديّة وتداعياتها الخطيرة والمباشرة على معيشة الناس أصبح الانقلاب في مواجهة موقف سياسي له أنصاره في النخبة والطبقة السياسية، وموقف اجتماعي منظّماتي قد يتلوه حراك اجتماعي شعبي صعب تأطيره. وتدلّ أكثر المؤشّرات على أنّ الشارعيْن السياسي والاجتماعي متّجهان إلى التقاطع في مهمّة إخراج البلاد من هذا الوضع الخطير ظلّ حكومة بلا برنامج وليس لها إلاّ أن تنتظر تعليمات يوميّة متناثرة من سيادته.

أمام تفاقم الأزمة المالية الاقتصادية وتداعياتها الخطيرة والمباشرة على معيشة الناس أصبح الانقلاب في مواجهة موقف سياسي له أنصاره في الطبقة السياسية، وموقف اجتماعي منظماتي قد يتلوه حراك اجتماعي شعبي صعب تأطيره

  • حوار وطني من دون رئيس الجمهورية

الحوار الوطني كان في منعرجات الانتقال الديمقراطي الحادّة محطّة مهمّة للخروج من أزمات كادت تعصف بالمسار كلّه. وهو من ناحية أخرى تعبير عن دور النخبة الطبيعي فيما تعرفه المجتمعات من تحوّلات. وللنخبة أدوار مهمّة في المجتمع الحديث مكمّلة لدور "الجماهير" التي تضطلع بحسم التحوّلات السياسيّة ميدانيًّا. وهذا ما كان مع ثورة الحريّة والكرامة، إذ كان للانتفاض المواطني في الهامش المفقّر بدرجة أولى وللجماهير المدنيّة دور أساسي في كسر الاستبداد وإسقاط النظام. ليفسح المجال أمام النخبة لترتيب الوضع الجديد.

اقرأ/ي أيضًا: تعليق دستور الثورة في تونس رسميًا.. وذاكرة المكان

كان الحوار الوطني في 2013 اللقاء الذي تمّ بواسطته الخروج من التأسيس إلى الانتقال الديمقراطي، ومن واجب محاسبة القديم على قاعدة العدالة الانتقاليّة إلى واجب منافسته على قاعدة التوافق. وقد كان التوافق يشير إلى تعادل ميزان القوى بين القديم والجديد. فلئن كان التوافق تمّ بشروط القديم العائد مع انتخابات 2014 فإنّ تواصل المسار السياسي كان تحت سقف منظومة ديمقراطيّة تستكمل بناء مرجعيّتها (الدستور) ومؤسساتها في الآن نفسه.

بعد 25 جويلية، انقسمت النخبة حول الإجراءات الاستثنائيّة. واستدعى انقسامها علاقتها بما سبق الانقلاب وعشريّة الانتقال، فضاعف ذلك من اختلافها وتشتتها. غير أنّ الأمر الرئاسي 117 كان حافزًا قويًّا لإعادة بناء المواقف من الانقلاب في علاقة بالدولة والديمقراطيّة ومسارها. وتمكّن الشارع الديمقراطي بحركته الميدانيّة المناهضة للانقلاب من شدّ انتباه النخبة إلى "المسألة الديمقراطية" وكأنّها تطرح لأوّل مرّة، حين بنى علاقة واضحة بين لحظتي 24 (عشريّة الانتقال) و25 (حركة الانقلاب) فاعتبر الأولى تفريطًا والثانية تضليلًا وأنّ المسار التصحيحي إنّما هو في نقد جذري لعشريّة الانتقال وفي التقدّم نحو استكمال المسار بمرجعيّة الدستور والديمقراطيّة.

على أهميّة الحوار، ودوره في الخروج من الأزمات فإنّ النخبة في بلادنا لم تنجح في أن تجعل منه مناسبة لمصالحة وطنيّة فعليّة وتسوية تاريخيّة ترأَب صدع البلاد وانقسامها على قاعدة مشترك صلب تأخّر بناؤه

تنتهي جلّ التقديرات إلى أنّه لا أفق إلاّ بحوار وطني يبدأ المطلوب من الإصلاحات السياسية الملحّة وفي مقدّمتها القانون الانتخابي ويعيد ترتيب وضع المؤسسة الأصليّة مجلس نواب الشعب بما يمنع كلّ ما كان يعرقل دورها ويرذّل مهمّتها. وينتهي الحوار إلى مخرجات أهمّها الاتفاق على حكومة وحدة وطنيّة تتصدّى للأزمة الماليّة الاقتصاديّة الخانقة وتعدّ لانتخابات تشريعيّة ورئاسيّة سابقة لأوانها، وبذلك يكون الخروج من حالة الاستثناء.

الحوار الوطني ضرورة ملحّة لإنقاذ الدولة ومجابهة الأزمة الاقتصاديّة والاستعداد لتحوّلات الأزمة الصحيّة المتوقّعة. ولمّا كان الرئيس قيس سعيّد يرفض صيغة الحوار ويتّجه إلى فرض صيغته الخاصّة (الحوار مع الشعب والشباب) فإنّه لا معنى للعدول عن الحوار، وليكن حوارًا لمن يقبل بالمشاركة فيه وبدون من يصرّ على وجهة نظره: حوار وطني بدون رئيس جمهورية أشبه بالجبهة السياسيّة الواسعة لاستعادة الوضع الطبيعي.

وعلى أهميّة الحوار، ودوره في الخروج من الأزمات فإنّ النخبة في بلادنا لم تنجح في أن تجعل منه مناسبة لمصالحة وطنيّة فعليّة وتسوية تاريخيّة ترأَب صدع البلاد وانقسامها على قاعدة مشترك صلب تأخّر بناؤه.

على أهميّة الحوار فإنّه بقي، في كلّ المحطّات المثيرة التي عرفتها بلادنا، حلًّا جزئيًّا ترقيعيًّا لمشكل سياسي اجتماعي تاريخي عميق.

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"

 

اقرأ/ي أيضًا:

الاتحاد وسعيّد والشراكة المستحيلة

سنوات الانتقال العشر في تونس: نظرة من الداخل