تعليق دستور الثورة في تونس رسميًا.. وذاكرة المكان

تعليق دستور الثورة في تونس رسميًا.. وذاكرة المكان

"ستعرف البلاد مرحلة انتقاليّة بأشهر أو سنة كحد أقصى لغلق قوس انتخابات 2019 وكل تداعياتها واستئناف مسار بناء الديمقراطية والرفاه الاجتماعي" (ناصر طلال/ الأناضول)

 

مقال رأي

 

لم يكن هناك من شكّ عند خبراء القانون الدستوري في أن الإجراءات الاستثنائيّة التي أعلنها رئيس الجمهورية قيس سعيّد يوم 25 جويلية/يوليو 2021 كانت بمثابة تعليق عمليّ لدستور الثورة. وكان هناك جدل واسع حول مدى التزام الرئيس بحدود الفصل 80 من الدستور المتعلّقة بمسألة الخطر الداهم. وكان الرئيس قيس سعيّد، في ردوده عن رافض الإجراءات الاستثنائيّة، يشدّد على احترامه للدستور ودفْع تهمة الانقلاب عنه دون أن يتوقّف عن الطعن في فصول منه تارة والإحالة إلى ملابسات صياغته السياسيّة تارة أخرى.

اقرأ/ي أيضًا: في تونس.. "قُتل" الدستور مع سبق الإصرار والترصّد

منعرج خطير يربك البلاد

كان تعليق الدستور رسميًّا أمرًا متوقّعًا، لأنّ الإجراءات الاستثنائيّة المتّخذة يوم 25 جويلية/يوليو، بعنوان درء الخطر الداهم، اعتُبرت عند الجمهور الغالب من أساتذة القانون الدستوري ومراجعه خروجًا واضحًا عن الدستور وتعليقًا عمليًّا لأحكامه.

كان تعليق الدستور رسميًّا أمرًا متوقّعًا، لأنّ إجراءات 25 جويلية الماضي، بعنوان درء الخطر الداهم، اعتُبرت عند الجمهور الغالب من المختصين خروجًا واضحًا عن الدستور

ومع ذلك كان الأمر الرئاسي الأخير صدمة عامّة لما كان يُتوقّع من تراجع نسبي من رئيس الجمهورية، بعد أن لقي صدًّا من عديد القوى الحزبيّة والمنظّماتيّة رغم اختلافها المبدئي من الانقلاب. فجانب ممّن حرّض قيس سعيّد على تطبيق الفصل 80 وإنزال الجيش لمحاربة الفساد وتصحيح المسار غيّر موقفه أمام صدّه من قبل رئيس الجمهوريّة. وهو ما دعا هذه القوى الحزبيّة والاجتماعيّة إلى محاولة اللحاق بالموقف الجذري من الانقلاب.

في ردود أولى على الأمر الرئاسي عدد 117 بتاريخ 22 سبتمبر/أيلول الجاري الذي جعل السلطات الثلاث رسميًّا ومن ضمنها السلطة القضائيّة عند الرئيس، بدا توسّع الجبهة الرافضة من أحزاب ومنظّمات وجمعيّات، ولم يبق للرئيس من حزام سياسي سوى حزبين صغيرين هما حركة الشعب والتيار الشعبي المنشق عنها. وقام إجماع واسع داخل الطيف السياسي والمدني على رفض تعليق العمل بدستور الثورة وجمع الرئيس قيس سعيّد بين كلّ السلطات. ولكي لا يقوم اعتراض قانوني على هذا الأمر وكل ما سيتلوه من أوامر بادر سعيّد إلى حلّ الهيئة الوقتيّة لدستوريّة مشاريع القوانين.

لم تعرف تونس صاحبة أوّل دستور في البلاد العربيّة (دستور 1861 المعروف بدستور عهد الأمان) اجتماع السلطة بهذه الفرديّة وبهذا الإطلاق حتّى في ظلّ حكم البايات وما تلاه في دولة الاستقلال في العهدين البورقيبي والنوفمبري.

فيكون قيس سعيّد بمرسومه قد أعاد البلاد إلى ما قبل خير الدين باشا وحركة الإصلاح السياسي والمؤسسي وامتدادها في الحركة الوطنية ومطالبتها السياسيّة في نهاية الثلاثينيّات بـ"برلمان تونسي". وهو الوجه المؤسسي لدولة الاستقلال وأساس نظامها السياسي.

لم تعرف تونس صاحبة أول دستور في البلاد العربية (دستور 1861 المعروف بدستور عهد الأمان) اجتماع السلطة بهذه الفردية وبهذا الإطلاق حتى في ظل حكم البايات وما تلاه في العهدين البورقيبي والنوفمبري

بهذا الأمر الرئاسي أمّم الرئيس قيس سعيّد كلّ مربّعات المواطنة، وصادر حقّ الانتماء للوطن، واختزل الدولة في شخصه، ليحوّل شعبًا بتاريخه الممتدّ إلى رعيّة لا تجد هويّتها ووجودها إلاّ في مبايعته سلطانًا وملك ملوك والوحيد القادر على أن يدرك بعقله وقلبه ونبله ما تحتاجه وما لا تحتاجه، وما يناسبها وما لا يناسبها. فالراعي أدرى برعيّته.

هذا المنعرج/المنحدر لم تعرفه تونس ودولتها منذ عهد البايات، وحتّى في ذلك العهد لم تكن الدولة قادرة على بسط ترابها على كامل الإيالة فكانت عديد القبائل "غير مخزنيّة" تعيش بحريّة على هامش الدولة وتفرض من خلال علاقات القوّة صلتها بها. وكان هذا في كثير من السياقات عامل قوّة للدولة في صراعات النفوذ الإقليميّ.

ويكاد يقوم إجماع بين خبراء القانون وممثّلي الأحزاب أنّ تعليق دستور الثورة يوم 22 سبتمبر/ أيلول 2021 يفقد رئيس الجمهوريّة شرعيّته. ويجرّده من كلّ مهامّه المحدّدة بنص الدستور، وينزع عنه مشروعيّته التي بناها على الأخلاق واحترام المواثيق.

هذا نظام غير قابل للتجسيد في سياق تونس الحالي، ولن يجد، إذا قُدّر له أن يقوم، شريكًا في المستويين الإقليمي والدولي. فالبلاد في منعرج خطير.

يكاد يقوم إجماع بين خبراء القانون وممثّلي الأحزاب أنّ تعليق دستور الثورة يفقد الرئيس شرعيّته ويجرّده من مهامه المحدّدة بنص الدستور، وينزع عنه مشروعيّته التي بناها على الأخلاق واحترام المواثيق

دولة معطّلة ومآلات شتّى  

مضى على الانقلاب شهران، وإذا ما اجتهدنا في استعادة ما أنجزه قيس سعيّد لن نجد أكثر من أمرين: الأوّل محلي وتمثّل في تجميد عمل البرلمان (باردو) وحلّ الحكومة (القصبة). وهو ما يعني هدم أهمّ مؤسسّتين في الدولة. والثاني إقليمي دولي، تمثّل في تدويل الملف التونسي. وصار مستقبل البلاد السياسي مرتهنًا إلى موقف هذا الطرف الدولي أو ذاك. وهذا شاهد كاف على ما أدّى إليه الانقلاب إلى تجريف ما بقي من شروط السيادة. فصار البلد أقرب إلى حال الدرجة الصفر للسيادة.

لإغلاق القصبة وباردو أثر بالغ على الدولة وعلى الذاكرة السياسيّة، فتاريخ الدولة وتاريخ تونس السياسي لا ينفكّان عن القصبة وباردو. فالقصبة كانت مركز الحكم منذ الحفصيين.

ومن طريف ما صادفنا في هذا ما أورده ابن خلدون عن تاريخ هذا المكان في كتابه "كتاب التعريف بابن خلدون وسيرته ورحلته غرباً وشرقاً" عن مكانة القصبة باعتبارها "دار الملك". يقول: فلمّا كانت واقعة القيروان ثار أهل تونس بمن كان عندهم من أشياع السلطان أبي الحسن، فاعتصموا بالقصبة دار الملك حيثُ وَلدُ السلطان وأهله." (اعتصام القصبة!!!).

ويشير بعض أهل الاختصاص إلى أنّ هذا المَعلم السياسي ومركز الحكم في تاريخ تونس لم تغلق أبوابه منذ خمسة قرون، ويُغلق اليوم بدبّابة تربُض على مداخل مقر الحكومة، بعد عشر سنوات على ثورة الحريّة والكرامة.

لإغلاق القصبة وباردو أثر بالغ على الدولة وعلى الذاكرة السياسيّة، فتاريخ الدولة وتاريخ تونس السياسي لا ينفكّان عن القصبة وباردو

ولم يكن قصر باردو أقلّ شأنًا. فهو يعود بدوره إلى العهد الحفصي، وتمّ تحويله مع البايات الحسينيين إلى قصر ملكي. ولهذا المكان صلة حميمة بالحركة الإصلاحيّة التي طالت بنية الدولة والاتجاه إلى تحديثها فكانت مدرسة باردو الحربيّة التي أسسها أحمد باي في 1840. وهي لم تكن مدرسة عسكريّة صرف بقدر ما كانت مدرسة تربويّة لتأهيل كوادر الدولة.

فقد كان للفكر الإصلاحي دفع نحو تجديد الدولة والسياسة قبل دخول المستعمر بأربعة عقود. هذه معالم لا تنفصل عن تاريخ البلاد وذاكرتها السياسية. وارتبط قصر باردو مع دولة الاستقلال بالسلطة التشريعيّة رغم تبعيّتها للسلطة التنفيذيّة مع البورقيبيّة (1956 ـ 2011)، وارتبطت في السياق المواطني الجديد بعد 2011 بالمنحى التأسيسي وميلاد دستور الثورة في 2014.

في الوقفة الاحتجاجيّة يوم 18 سبتمبر/أيلول الفارط، كان أحد الجامعيين المتقاعدين يخاطب مجموعة من الشباب ويشير بيده إلى قوس "باب بحر" القريب قائلاً: ما تفعلونه اليوم هو امتداد لما فعله أجدادكم منذ أكثر من ثمانين عامًا.. في ذلك المكان كانت المطالبة ببرلمان تونسي، وكان هناك شهداء".

رغم ما آل إليه مسار بناء الديمقراطيّة، وما صاحبه من احتدام الأزمة الماليّة الاقتصاديّة الصحيّة، ومن تفاقم أزمة الحكم وتطور الصراع داخل مؤسسات الدولة وظهور السجال السياسي المتشنّج على ألسن من نُزّهوا عن العبث باعتبارهم عقلاء، فإنّ إيقاف المسار الديمقراطي بحلّ الحكومة وتجميد البرلمان لم يكونا الإجراء الملائم في مواجهة الخطر الداهم. فالرئيس قيس سعيّد لم يكلّف نفسه حتّى بتحديد هويّة الخطر الداهم إلاّ بعد أكثر من ثلاثة أسابيع حين احتدّ الجدل القانوني، فتحدّث عن "الخطر الداهم بل الجاثم" واكتشفه في مؤسسة البرلمان.

إيقاف المسار الديمقراطي بحلّ الحكومة وتجميد البرلمان لم يكونا الإجراء الملائم في مواجهة الخطر الداهم

اقرأ/ي أيضًا: تونس من الخطر الداهم إلى الخطر الجاثم..

كان منتظرًا أن يكون البورقيبيون هم أوّل من يتصدّى لانقلابه لأنّ الذي استُهدف هو الدولة البورقيبيّة التي سكنها من فوّضتهم الانتخابات الديمقراطيّة منذ 2011، وكان منتظرًا أن يعيدوا صياغتها بإخراجها التدريجي من مركزيّتها لكي تغطّي كلّ مجالها الثقافي والاجتماعي فتغادر "جهويّتها" وتكتسب الصفة الوطنيّة بجدارة. ولكن أمام تعثّر مسار بناء الديمقراطيّة لم يتم شيء من هذا.

لم نلحظ ردّا من البورقيبيين، ويبدو أنّه لم يعد هناك بورقيبيون، ولعلّ الباجي قايد السبسي المخضرم كان آخر تعبير عنهم، وحتّى البورقيبيون الديمقراطيون مثل أحمد بن صالح وأحمد المستيري ومصطفى الفيلالي رحلوا قبل هذا. ولم يبق ممن يدّعي تمثيل البورقيبية سوى مجاميع من التجمّع اتخذت لها صورة سياسيّة جديدة لم تقدر على الخروج من فاشيّة النوفمبريّة.

وتمثّل هذه المجاميع جانبًا مهمًّا من جمهور قيس سعيّد في المشهد السياسي وفي مواقع التواصل الاجتماعي، وفي النخبة المساندة للانقلاب. وولعلّه من المفارقة أن بدا المنتسبون إلى الثورة أكثر دفاعًا عن هذا التراث، تراث الدولة، تحت عنوان الدفاع عن مدنيّتها وعن الديمقراطية.

ما يمكن أن نخلص إليه أنّ الدولة التونسيّة مغلقة منذ أكثر من شهرين إلى إشعار آخر، ولم يكن الأمر الرئاسي الأخير إلاّ إحْكَامًا للغلق. وأمام توسّع المعارضة والرفض لتعليق دستور الثورة والانقلاب على الديمقراطيّة والتوجّه نحو فرض الحكم الفردي المطلق لا يمكن لهذا الوضع أن يستمرّ حتّى مع محاولة فتح أبواب الدولة جزئيًا بتشكيل حكومة هي أشبه بفريق رئاسي يأتمر بتعليمات الحاكم بأمره الماسك بكلّ السلطات. كلّ ذلك في ظلّ أزمة مالية اقتصاديّة متفاقمة تنضاف إليها أزمة شرعيّة السلطة السياسيّة. فشركاء تونس من مانحين وجهات مالية دولية يشترطون شريكًا ديمقراطيًّا.

الدولة التونسيّة مغلقة منذ أكثر من شهرين إلى إشعار آخر، ولم يكن الأمر الرئاسي الأخير إلاّ إحْكَامًا للغلق

وإذا أخدنا مسافة من تفاصيل الأزمة تونس يظهر لنا أنّها في عمقها سليلة اتّجاه نحو إعادة بناء الدولة في ظلّ قيم المواطنة والحريّة. وفي أطوار الصراع بين القديم الجديد هناك مرحلة وسطى لا يقدر فيها الجديد على الانبناء ولا يقبل فيها القديم بالتنازل فتكون الأزمة، نحن في هذه المرحلة ولكنّها مرحلة مؤقتة قبل استقرار الجديد الذي لن يكون هذه المرّة إلاّ ديمقراطيًّا مواطنيًّا.

ستعرف البلاد مرحلة انتقاليّة بأشهر، وفي أقصى الحالات سنة لغلق قوس انتخابات 2019 وكلّ تداعياتها واستئناف مسار بناء الديمقراطيّة والحداثة السياسيّة والرفاه الاجتماعي، رغم وعورة الطريق.       

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"

 

اقرأ/ي أيضًا:

أمر رئاسي يقر صلاحيات شبه مطلقة للرئيس في تونس وتعليق لمعظم أبواب الدستور

كيف تفاعل المختصّون في القانون الدستوري مع الإجراءات الأخيرة لقيس سعيّد؟